العودة   منتدى النرجس > المنتديات الأدبية > منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 24-02-2012, 12:22 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
 







حنان عبدالرحمن غير متواجد حالياً

 

Sss20 هل كتب البابليون أشعارهم الأولى باللغة السومرية؟

هل كتب البابليون أشعارهم الأولى باللغة السومرية؟


هل كتب البابليون أشعارهم الأولى باللغة السومرية؟
سامي مهدي (شاعر وباحث من العراق)

اعتزاز البابليين بالثقافة السومرية، وشغفهم بها جعلاهم يجنحون في البداية إلى تعلم أدبها واستيعابه في المرحلة الأولى. ثم نسخه وترجمته وتقليده في المرحلة الثانية .. وهذا يعني أن كتابة البابلين أشعارهم الأولى باللغة السومرية كان مرحلة انتقالية لكتابتها باللغة الأكدية.

مقدمة:

ثمة مفارقة لم ينتبه إليها الباحثون المختصون في تاريخ حضارة وادي الرافدين، فعدوا كل نص شعري وصلنا باللغة السومرية نصاً سومرياً بالمعنى الإثني، أي أن منتجه من أصل سومري، من دون أن يفطنوا إلى احتمال أن يكون البابليون قد كتبوا نصوصهم الشعرية الأولى باللغة السومرية، مثلما حصل في كتابة مدونات قديمة أخرى.

إن هذا الاحتمال يرقى إلى درجة المفارقة، ويأتي في موازاة مفارقة أخرى هي أن هؤلاء الباحثين يكادون يجزمون بوجود أصل سومري للغالبية العظمى من النصوص البابلية المكتوبة باللغة الأكدية، وهذا غير صحيح في معظمه في الأقل.

ما يهمنا في هذا البحث هو النظر في المفارقة الأولى، أما المفارقة الثانية فقد تناولناها في بحث خاص عن الشعر البابلي، والسؤال الذي نحاول الإجابة عنه هنا هو: هل كتب الشعراء البابليون الأوائل نصوصهم الشعرية باللغة السومرية؟

تمهيد تاريخي:


نقصد بالبابليين هنا كلاً من »الأكديين« و »العموريين« الذين أطلق المؤرخون عليهم اسم »البابليين«، بعد أن صار هذا الاسم هوية تجمعهم منذ بداية الألف الثاني قبل الميلاد، وهو التاريخ الذي بدأ معه ما يعرف اليوم باسم: العصر البابلي القديم (1500- 2000ق. م).

يجمع الباحثون على أن الأكديين قد استوطنوا أواسط بلاد وادي الرافدين في زمن ما من الألف الرابع قبل الميلاد، و أنهم جاوروا السومريين سكان العراق القدامى(1) وشاركوهم الحياة في البلاد بسلام(2)، ثم استطاعوا تأسيس دولة لهم في القرن السادس من الألف الثالث قبل الميلاد، بقيادة العاهل سرجون الأكدي الذي وحد البلاد وجعل منها إمبراطورية مترامية الأطراف. ولكن هذه الإمبراطورية لم تعمر أكثر من قرن ونصف القرن (2371-2230 ق. م.)، فقد غزاها برابرة أجانب عرفوا باسم »الكوتيين«، وتمرد عليها بعض حكام مدنها، فأدى هذا إلى تفككها وانهيارها، وزوال سلطة الأكديين إلى الأبد.

ولكن سقوط الدولة الأكدية ساعد في نهوض السومريين من جديد، حتى في ظل الغزو الكوتي، وبلغت هذه النهضة ذروتها في عهد سلالة أور الثالثة (2112 2004 ق. م.). فقد أفلح البطل »أوتو- حيكال« في طرد الغزاة »ثعابين الجبال الخبيثة« من البلاد، وتمكن »أور _ نمو« من بعده من توحيدها وتكوين إمبراطورية جديدة. وقد كانت هذه النهضة الجديدة نهضة على كل صعيد، فشملت العمارة والنحت والأدب، وبلغت اللغة السومرية في ظلها ذروة تطورها و نضجها، فوصلنا منها أروع ما أنتج بهذه اللغة من شعر. غير أن هذه النهضة لم تلبث أن انتكست بعد ما يقرب من قرن، فتفككت الإمبراطورية وتداعت، ليبدأ عصر جديد هو عصر العموريين بامتياز.

وقد أطلق السومريون على العموريين اسم »مارتو«. ومعنى هذه الكلمة باللغة السومرية »الغرب«، وهي تعني أيضاً »الغربيين«. فالعموريون إذن هم القبائل التي زحفت على وادي الرافدين من غربه، أي من بلاد الشام وبواديها.


وإذا صحت الإشارة إلى »المارتو« في ملحمة »أنميركار ولوكال _ بندا« السومرية(4)، فهذا يعني أن العموريين كانوا يتدفقون على بلاد سومر منذ أوائل الألف الثالث قبل الميلاد، أي في الحقبة التي حكم فيها الملك »أنميركار« في »أوروك«. ذلك أن ملحمة »أنميركار ولوكال _ بندا« تنطلق من غزو قامت به قبائل »المارتو« لبلاد سومر، ومن حصار فرضته على مدينة »أوروك«، بحيث استدعى الأمر أن يستنجد »أنميركار« بأخته الإلهة »إنانا« ويبعث أبرز قواده »لوكال _ بندا« رسولاً إليها.


غير أن أول إشارة تاريخية وردت عن العموريين (المارتو) في وثائق وادي الرافدين هي تلك التي جاءت في سجلات الملك »شار-كالي-شري« أحد أحفاد الملك سرجون الأكدي، وذلك في أواخر عهد الإمبراطورية الأكدية. فقد تدفق العموريون على البلاد في موجات خفيفة متسللة مسالمة، وأخرى كثيفة زاحفة أو غازية، حتى استطاعوا في أواخر الألف الثالث وأوائل الألف الثاني قبل الميلاد أن يكونوا أكثرية غالبة في بلاد سومر وأكد ويؤسسوا عدة دويلات على أشلاء دولة سلالة أور الثالثة التي سبق ذكرها. وحكمت في هذه الدويلات عدة سلالات متصارعة أهمها وأقواها : سلالة آيسن، وسلالة لارسة، وسلالة بابل الأولى. وقد استطاعت دويلات هذه السلالات ابتلاع دويلات السلالات الأخرى، ثم استطاعت دويلة سلالة لارسة أن تقضي على دويلة سلالة آيسن، ثم تمكن سادس ملوك سلالة بابل الأولى، العاهل الشهير حمورابي (1792 - 1750 ق. م.) من التغلب على دويلة سلالة لارسة، وتوحيد البلاد كلها، وتأسيس إمبراطورية أخرى عاصمتها مدينة بابل التي اشتق من اسمها اسم »البابليين« واسم العصر الذي حكم فيه العموريون، أي العصر البابلي القديم.


هل أنتج الأكديون أدباً بلغتهم القومية؟


لم يردنا عن الأكديين أي نص شعري أو أدبي مكتوب باللغة الأكدية، بالرغم من أنهم جعلوا منها لغة رسمية للبلاد طوال الحقبة التي حكموا فيها، في حين وردتنا عنهم سجلات تاريخية ووثائق إدارية واقتصادية كثيرة مكتوبة بهذه اللغة، وبخط مسماري متطور ومحوّر، وألواح أنيقة المظهر. فهل كانوا يكتبون أدبهم باللغة السومرية، أم أنهم لم ينتجوا أدباً على الإطلاق؟


لا ندري. ولكن ثمة ترتيلة جميلة تتكوّن من (153) بيتاً كتبت باللغة السومرية في تمجيد الإلهة »إننّا«، ونسبها بعض الباحثين إلى الأميرة الأكدية »أنخيدوانا« ابنة سرجون الأكدي (2371 -2316 ق. م.).(5) فقد عينها أبوها كاهنة عظمى في معبد الإله القمر »ننّا« وظلت في منصبها هذا حتى بعد وفاته بزمن طويل. ولكن يبدو أنها أوذيت وعزلت لسبب غامض، ثم أعيدت إلى منصبها فنُظِمت لها هذه الترتيلة، أو هي التي نظمتها، في تمجيد الإلهة »إننّا« التي وقفت معها وانتصرت لها.


إذا صحت نسبة هذه الترتيلة إلى أنخيدوانا، فمن المحتمل أن يكون هناك شعراء أكديون آخرون كتبوا شعرهم باللغة السومرية مثلها. ولكننا لا نملك دليلاً على ذلك، بل ليس هناك من دليل يؤكد أن أنخيدوانا نفسها كانت شاعرة، وأنها هي مؤلفة القصيدة المنسوبة إليها، سوى كتابتها بضمير المتكلم »أنا« وحرارة ما فيها من عاطفة دينية وذاتية، وهذا ليس بالدليل الحاسم، بحيث تردد الأستاذ طه باقر في نسبتها إليها، ورأى أنها نظمت على لسانها.(6)


وعلى أية حال، إن النصوص الأدبية السومرية المدونة التي وصلتنا حتى الآن من العصور التي سبقت تأسيس الدولة الأكدية كانت قليلة جدا، فلم تزد عن ثلاثة نصوص(7) وكانت غالبية الأشعار السومرية غير مدونة، ولذا يصعب علينا أن نتوقع من الأكديين أن ينتجوا أدباً في هذه المرحلة من التاريخ.


وماذا عن العموريين؟


هذا بالنسبة للأكديين، أما العموريون فنرجح أنهم كتبوا أشعارهم الأولى باللغة السومرية، قبل أن يكتبوا شيئاً منها باللغة الأكدية، التي صار يطلق عليها اسم »اللغة البابلية القديمة« في العصر البابلي القديم. ولدينا أكثر من قرينة تدعونا إلى هذا الترجيح.


أولى هذه القرائن وأهمها أن النصوص المكتوبة باللغة الأكدية والمنسوبة إلى العصر البابلي القديم لم تكتب إلا بعد مرور أكثر من قرن، وربما بعد مرور قرنين، من بدايته. ولا غرابة في ذلك، فقد كان على العموريين أن يفعلوا الكثير قبل أن يستطيعوا كتابة أشعارهم باللغة الأكدية. ذلك أن لغتهم لم تكن الأكدية نفسها، بل كانت على صلة حميمة بها، وأغلب الظن أنها كانت لهجة من لهجاتها، بدليل أنهم تبنوا هذه اللغة حين أسسوا دويلاتهم وصاروا يكتبون مدونا تهم ومعاملاتهم الرسمية بها، باستثناء دويلة آيسن التي تبنت الثقافة السومرية واتخذت من لغة السومريين لغة رسمية لها، لأسباب ثقافية، أولأسباب سياسية في الأرجح. وهذا ما يجعلنا نعتقد أن العموريين والأكديين كانوا أبناء عمومة، أي أنهم من أرومة واحدة، جذرها الأكديون، والعموريون فرع من فروعها تأخرت هجرته إلى بلاد وادي الرافدين، حتى وجدنا من الباحثين من يعد العموريين أكديين دون تردد.(8)


ولذا كان على العموريين أن يتعلموا الكتابة باللغة الأكدية قبل كتابة أدبهم بها، بل كان عليهم، قبل ذلك ومع ذلك، أن يتعلموا اللغة السومرية، ويستوعبوا تراث السومريين الشعري وفنون كتابته، في خضم ما كان يحدث في البلاد من تحول لغوي من السومرية إلى الأكدية، وهو تحول بطيء بدأ منذ تأسيس دولة الأكديين واستغرق عدة قرون، قبل أن تنسحب اللغة السومرية من الحياة اليومية وتحل اللغة الأكدية محلها وتصبح هذه مؤهلة للكتابة الأدبية.


فمن الحقائق التاريخية الثابتة أن العموريين عنوا عناية فائقة بنسخ النصوص الشعرية السومرية وترجمتها إلى اللغة الأكدية منذ بداية العصر البابلي القديم. وما كان بمستطاعهم أن يفعلوا ذلك لو لم يكونوا قد أتقنوا قبله تعلم اللغة السومرية و الكتابة بها، واستيعاب تراثها الشعري وفنون كتابته. ولا يستبعد أن يكون أوائل الكتبة والشعراء العموريين قد تتلمذوا على أواخر الكتبة والشعراء السومريين، ثم زاملوهم في عمليات النسخ والترجمة من اللغة السومرية إلى اللغة الأكدية، وتعلموا منهم الكثير تعلماً مباشراً في »بيوت الألواح« قبل تلاشيهم.(9) فزوال سلطة سلالة أور الثالثة لايعني اختفاء السومريين وكتبتهم وشعرائهم من الوجود، أو ذوبانهم في الأكثرية العمورية بمجرد حدوث التغيير في السلطة. وهذا مما يجعلنا نعتقد بأن العموريين بدأوا كتابة الشعر باللغة السومرية، قبل كتابته باللغة الأكدية، وقلدوا الشعراء السومريين في ما كتبوه قبل أن ينضج التحول اللغوي في البلاد وتتفتح مواهبهم وتتفجر في أعمال شعرية خاصة بهم ومكتوبة بلغتهم. ومما يشي بذلك عدة نصوص منها : ترتيلتان مكتوبتان باللغة السومرية، ولكنهما خاصتان بملكين عموريين من سلالة آيسن هما »إيدن - داكان 1974 - 1954 ق. م.« و »إشمي - داكان 1953 - 1935 ق. م.«، وقصيدة أطلق عليها بعض الباحثين عنوان »لعنة أكد«، وأسطورة عرفت بعنوان أسطورة »زواج مارتو«، وكل هذه القصائد قرائن تجعلنا نرجح احتمال أن يكون الشعراء البابليون الأوائل قد كتبوا أشعارهم الأولى باللغة السومرية.


٭ ٭ ٭

لقد عرف ملوك سلالة آيسن (2017 - 1794 ق. م.)، ابتداء من مؤسسها »أشبي - إيرا«، بتعلقهم بالثقافة السومرية، وكانوا يعدون أنفسهم ورثة السومريين في حكم »بلاد سومر وأكد«، فتلقبوا بألقاب ملوكهم، واتبعوا أسلوبهم في الحكم، وتبنوا الكثير من تقاليدهم، واتخذوا من اللغة السومرية لغة رسمية لمملكتهم، وكتبوا مدونا تهم الكثيرة بها، وأمروا، خلال عهودهم، باستنساخ الكثير من النصوص السومرية، ويبدو أنهم أمروا كذلك بتأليف بعض القصائد بتلك اللغة، وقد عثر على الكثير مما أمروا باستنساخه وتأليفه في مدينة »نفّر« المقدسة (10) و هم فعلوا ذلك إما حباً بالثقافة السومرية وخشية على مآثرها من الضياع، أو لإضفاء الشرعية على حكمهم واعتباره امتداداً لحكم سلالة أور الثالثة، أو لكلا الأمرين.


أما الترتيلتان اللتان ذكرناهما قبل قليل فيبدو أنهما مما أمر أولئك الملوك بتأليفه. فالأولى هي ترتيلة لثالثهم الملك »إيدن - داكان«. وهي تتكون من (213) بيتا، ولكن لم يصلنا منها سوى قسمها الأخير المكون من (44) بيتا. والواضح من نصها أنها كانت مما يتلى في احتفالات »الزواج المقدس« التي تجرى في أعياد رأس السنة السومرية، وهي مكتوبة على غرار تراتيل ملوك سلالة أور الثالثة التي اغتصبوا الحكم منها، وخاصة تراتيل الملكين »شولكي« و »شو _ سين«. وفيما يأتي نصها :


في القصر، مقر الحكم ومركز مراقبة البلاد
في قاعة المحكمة، حيث يجتمع ذوو الرؤوس السود
أمر الملك بإقامة منصّة لسيدة القصر،
حيث اضطجع معها العاهل الإلهي
من أجل ضمان حياة كامل البلاد،
وللاحتفال بمناسبة اليوم الأول ( من العام)
ولكي ينفذ بحرص الطقوس المقدسة
ليوم المضاجعة.


في رأس السنة، حلول (تنفيذ) تلك الطقوس
نصب عند ذلك فراش من أجل ملكتي
طهر الفراش بالأسل والأرز العاطر.


هذا الفراش من أجل مليكتي، عندما تم إعداده،
مُدَّ عليه غطاء فراش،
غطاء فراش مبهج كان يزيّن المضجع
عند ذلك، تم تحميم مليكتي جنباً إلى جنب
بجوار الملك،
تم تحميمها جنباً إلى جنب »إيدن - داكان«
وبعد أن غسّلت »إننا« المقدسة »بالصابون«
نثر على أرضية ( القاعة) زيت الأرز ذو الأريج.
ثم تقدم الملك باعتزاز من الحجر المقدس،
التحق مظفراً بحضن »إننا«
و »آما - شو مجالانا« ضاجعها
متلمساً برقة صدرها الجميل.


وبعد ان استقرت الملكة طويلاً في
حضن الملك
(......)
تمتمت: »إيدن .. داكان نعم سوف أمد حياتك.«


بعد ذلك، وعلى ما يظهر، تقام في اليوم نفسه وليمة في قاعة الاستقبال في القصر الملكي:


عندما كدست التقدمات، وطهر المكان
وحرق البخور، ونثر زيت السرو،
عندما كدست التقدمات الغذائية
وملئت الآنية حتى الطفح،
دخل برفقتها إلى قصره الجليل
ثم قبل »قرينته« الحبيبة
قبل »إننا« المقدسة.


ومثل ضوء النهار، قادها إلى العرش
على المنصّة السامية،
وجلس بقربها وكأنه الملك .. الشمس
ثم جعل الكثرة والوفر وفيض ( المآكل)
تستعرض أمامها
وأقام من أجلها عيداً رائعا،


وأمام »إننا« ردد ذوو الرؤوس السود :
»على وقع الطبل الذي يفوق الرعد هديره،
والقيثارة ذات الموسيقى العذبة التي
تسحر القصر،
( وعلى نغم) الرباب المهدئ لقلب البشر،
أيها المنشدون أسمعونا أنغام البهجة«.


ثم مد الملك يده إلى المآكل والمشروبات
»آما - أوشو... مجالانا« مد يده إلى المآكل والمشروبات،
وبحضور الشعب المشبع وفرة وكثرة
كان »آما - أوشو... مجالانا« مستمر السعادة
فلتطل أيامه على عرشه البديع«.(11)


إذن هذه هي الترتيلة الأولى، أما الترتيلة الثانية، ترتيلة »إشمي - داكان« فإنها أقصر منها، وتكاد تكون شبيهة بها. وقد يكون من كتب هاتين الترتيلتين شاعرين من أواخر الشعراء السومريين، و لكن لا يستبعد أن يكون مؤلفاها عموريين تعلما من أساتذتهما وزملائهما السومريين كتابة هذا النوع من التراتيل. وهذا ما يجعلنا نتردد في نسبتهما إلى التراث الأدبي السومري، وإن كتبتا باللغة السومرية وعلى غرار التراتيل التي كان يكتبها الشعراء السومريون لملوكهم.


٭ ٭ ٭


وهناك، عدا هاتين الترتيلتين، مرثيتان كتبت إحداهما في رثاء مدينة »أور«، وهي تتكون من(440) بيتا، والثانية كتبت في رثاء »بلاد سومر وأكد«، وهي تتكون من (520) بيتا.(12) وهاتان المرثيتان مكتوبتان باللغة السومرية، ولكنهما تعودان إلى العصر البابلي القديم. وقد كتبتا عن واقعة تاريخية محددة هي الغزو العيلامي لبلاد سومر.


ففي عام (2006 ق.م) قام العيلاميون بغزو البلاد وتدمير مدنها، ونهبها، ومنها مدينة »أور«. و كان نصيب هذه المدينة من القتل والنهب والتدمير أكثر من سواها، فقد كانت هي العاصمة، ومنها اقتيد الملك »أبي _ سين« أسيراً إلى بلاد عيلام. وكان هذا هو الموضوع الذي تناولته المرثيتان. ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو : من كتب هاتين المرثيتين، أهما شاعران سومريان أم شاعران بابليان؟


غير أن هذا السؤال يقودنا إلى سؤال آخر هو : أكان ثمة شعراء سومريون في ذلك الزمن المتأخر من العصر البابلي القديم حتى يكتب منهم من يكتب مثل هاتين المرثيتين؟

إن »مرثية أور« مثلاً تعود إلى عهد الملك البابلي سمسو _ إيلانا (1712-1749ق.م.) (13)، أي إلى ما بعد سقوط »أور« في أيدي العيلاميين بأكثر من قرنين ونصف القرن، فهل بقي شعراء سومريون حتى ذلك الحين ليكتب واحد منهم مثل هذه القصيدة ؟ ذلك أن المؤرخين ينبئوننا بأن السومريين بدأوا بالتلاشي والذوبان بين البابليين منذ بداية العصر البابلي القديم، فكيف استعصى شعراؤهم على هذا الحدث التاريخي من دونهم؟!


حين نقرأ هذه القصيدة، أو حتى مقاطع منها، نجدها ذات أسلوب سومري، ترتيلي، ينم عنه نمط التكرار السائد فيها، ثم أنها تنتهي بعودة المدينة إلى سابق عهدها، وعودة إلهها »ننّا« وأهلها إليها، وهذا وذاك مما يجعلنا نرجح كونها قصيدة سومرية أصيلة، كتبت في عهد سلالة آيسن التي ورثت السومريين في الحكم وأعادت بناء مدينة »أور«. وأغلب ظننا أن القصيدة كانت ترتيلة تتلى في المعابد، وأن النسخة التي عثر عليها، وقيل إنها تعود إلى عصر الملك سمسو _ إيلانا، قد كتبت عن أصل سومري أقدم منها، ولذا نسلم من دون نقاش بكونها قصيدة سومرية.


أما المرثية الثانية »مرثية سومر وأكد« فإننا نرجح أن مؤلفها شاعر بابلي. فذلك ما يشي به بناؤها، سواء من حيث شموليتها، أم من حيث تسلسل أحداثها وتماسك حبكتها ومنطقية تعليلاتها. فهذا النمط من البناء نمط بابلي تحقق بعد أن حدثت تحولات جوهرية في شعر حضارة وادي الرافدين، ومنها التحول من الارتجال والتلقائية إلى الكتابة والصنعة، مع تحول موازٍ له في تفكير الشاعر بحيث صار، بخلاف الشاعر السومري، يتأمل الحدث ويعلله ويجد له سبباً يناسب تطوره الفكري و منطق عصره.


فمن الملاحظ أن الشاعر لم يقتصر على رثاء مدينة واحدة في قصيدته هذه، بل شمل بالرثاء كل مدن »بلاد سومر وأكد« من كيش في »بلاد أكد« إلى »أور« و »أريدو« في »بلاد سومر«، حتى بلغ عدد هذه المدن (40) مدينة، وإن أعطى »أور« عنايته الكبرى فيه. ثم أن هدف الشاعر من القصيدة لم يكن الرثاء المحض، بل استخلاص العظة من دروس التاريخ، وخلاصة هذه العظة : أن رضا الآلهة عن المدن الحاكمة لا دوام له، وان حكم أية مدينة ليس أزلياً بل مؤقت قابل للزوال، فالدنيا يومان يوم لك ويوم عليك، وليس للناس، حين يمسهم الضر، إلا الخضوع لمشيئة الآلهة.


يقول الشاعر على لسان »إنليل« كبير الآلهة السومرية وهو يخاطب ابنه »ننّا« إله مدينة »أور« الحارس :


هذه المدينة المهجورة قُدِّر ألاّ يُنطَق
بكلام فيها عدا المراثي والمناحات..
أجل ! قُدِّر ألاّ يُنطَق بكلام فيها عدا المراثي والمناحات..
فيا ولدي، أنت أيها النبيل، ما شأنك وأحزانها ؟
إن قرار مجلس الآلهة لا يمكن أن يُرَدّ
والكلمة التي يصدرها إنليل لا تتغير
لقد مُنِحَتْ أور الملوكية لكنها لم تُمنح حكماً أزلياً
فمنذ قديم الزمان - منذ أن وجدت الأرض وتكاثر الناس
من رأى ملوكية دام حكمها إلى الأبد ؟
فيا ولدي ننّا لا تحزن واخرج من مدينتك.. (14)


إن هذه الطريقة في تعليل الحدث وتسبيبه واستخلاص العظة منه طريقة بابلية لا نجدها في الشعر السومري. ولذلك، وبناء على ما أوردناه من خصائص الشعر البابلي، ونعني تسلسل الأحداث وتماسك الحبكة ومنطقية التعليل، نرجح أن يكون شاعراً بابلياً كان يكتب شعره، أو بعض شعره، باللغة السومرية.


ومما يجعلنا نميل إلى هذا الترجيح أن الرثاء كان موضوعاً من موضوعات الشعر البابلي أكثر من كونه من موضوعات الشعر السومري. فقد رثى الشعراء البابليون أكد في أكثر من قصيدة، ورثى بعضهم بابل حين تعرضت لوباء الطاعون، في حين لم يصلنا عن السومريين سوى مرثية واحدة هي »مرثية أور« التي سبق الحديث عنها.


٭ ٭ ٭


وهناك قصيدة أخرى مكتوبة باللغة السومرية، ولكننا نرجح أنها قصيدة بابلية، هي تلك التي أطلق عليها الباحثون عنوان »لعنة أكد«.(15)


وتتألف هذه القصيدة من نحو(280) بيتاً تروي كيف حصل العاهل سرجون الأكدي على الملوكية بمباركة من كبير الآلهة السومرية »إنليل«، وكيف ازدهرت عاصمة ملكه مدينة »أكد« وأقامت الإلهة »إننا« فيها وتكدست البضائع الوافدة عليها من كل حدب وصوب في مينائها، ثم كيف انقلب عليها إنليل وتخلى عنها، وهجرتها إننا بإيعاز منه، وكذلك تخلى عنها آلهة آخرون هم : ننورتا (بن إنليل) وأوتو (إله الشمس) وإيا (إله الحكمة)، فنزل بها التدهور والضعف. كان ذلك في عهد حفيد سرجون الملك »نرام _ سين« (2291-5522-ق.م). فصبر هذا على البلوى مدة سبع سنين، ولما نفد صبره قصد »نفّر« مدينة إنليل، وزار معبده، وسأل عن الفأل والنبوءة فلم يستجب إنليل له، فلم يكن منه إلا أن يستشيط غضباً ويدمر مدينة »نفّر« وينتهك حرمة معابدها، وبذلك زاد غضب إنليل عليه،وسلط البرابرة الكوتيين على مملكته، فغزوها، ودمروا مدنها وقراها ومزارعها، وأعملوا القتل في سكانها، فعم القحط في البلاد، وتفشى مرض الطاعون، وهلكت أكد بعد أن كانت مدينة عامرة زاهرة، ولم يعف إنليل عنها برغم محاولات الاستعطاف التي حاولها بعض الآلهة معه.


ويعود تاريخ أقدم النسخ التي عثر عليها من هذه القصيدة إلى مطالع الألف الثاني قبل الميلاد، أي إلى بداية العصر البابلي القديم. ومن المحتمل، لدى الأستاذ طه باقر، أن تاريخ القصيدة يعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وهو يرجح »أن ناظم القصيدة كان من الكتبة المتضلعين من مدرسة الكتبة في مدينة نفر، وأنه عاش في زمن (سلالة) أور الثالثة« (16). وبذلك يفسر الأستاذ باقر القصيدة بأنها قصيدة لعنة (سومرية) لعاصمة الأكديين الذين انتزعوا السلطة من السومريين، وفرضوا سلطانهم على »بلاد سومر وأكد« ونصبوا أنفسهم ملوكاً على »الجهات الأربع« كلها.


وواضح أن رأي الأستاذ باقر مستمد من رأي عالم السومريات صموئيل نوح كريمر الذي قام بجمع ألواح القصيدة وترجمتها. ونحن نخالف هذا الرأي. فالقصيدة كما نراها محاولة لتفسير تدهور الإمبراطورية الأكدية وسقوطها وعودة السومريين إلى فرض سلطتهم على البلاد، وربط ذلك بحدث تاريخي وقع هو : الغزو الكوتي، وهي في الوقت نفسه، قصيدة »رثاء« لمدينة أكد وإن بدت للباحثين الفاضلين، كريمر وباقر، قصيدة عن »لعنة« حلت بالمدينة. ربما كان رأي كريمر في كونها قصيدة »لعنة« وليست قصيدة »رثاء« ناجماً عن تأثره بنصوص العهد القديم وما يصبه متنبئوه من لعنات على الممالك ومدنها. غير أن قصيدة الشاعر العراقي هذه ليست كذلك. إنها قصيدة رثاء. وإذا كانت لم تختم بخاتمة إيجابية تستعيد فيها المدينة عافيتها، كما جرى التقليد في قصائد رثاء أور مثلا، فلأن مدينة أكد قد دمرت وهجرها من نجا من سكانها، ولم يعودوا إليها، فضاع أثرها، وظل ضائعاً حتى اليوم.


وهذا ما يتضح من قصيدة بابلية أعطت سبباً آخر لسقوط المدينة وخرابها هو: زحف مرض الطاعون عليها في نوبة من نوبات »إيرّا« الإله المسبب لهذا المرض. فنحن نفهم من هذه القصيدة أن شعب أكد قد أباده الطاعون، وأن الذين نجوا منه قد تشتتوا في المدن الأخرى ولم يعودوا إليها، إما بسبب غدوّها مدينة موبوءة لا تصلح للسكنى، أو بسبب قلة من نجا من سكانها واستقرار هذه القلة في المدن التي انتشروا فيها. ولذا تضمنت القصيدة دعاء لسكانها »المشتتين« بأن »يتكاثروا من جديد« ويعودوا إلى مدينتهم، و تعود المدينة إلى الازدهار »ويسير في دروبها القصير والطويل«(17).


على أن هناك نصاً بابلياً آخر هو من نصوص الفأل المتأخرة أعطى لسقوط مدينة أكد ودمارها تفسيراً آخر، مختلفاً عن التفسيرين السابقين، فزعم أن الملك سرجون أخذ تراب مدينة بابل ليؤسس به مدينة تنافسها هي مدينة أكد ( يوم لم يكن لبابل ذكر بين المدن !)، فأغضب هذا التصرف إلهها الحارس مردوخ ( الذي لم يكن قد اخترع بعد !) فصب جام غضبه عليها ودمرها (18).


وواضح من تعدد التفسيرات التي جاءت بها النصوص الثلاثة التي مر الحديث عنها أن البابليين قد حاروا في تفسير دمار مدينة أكد وعدم عودتها إلى الحياة مرة أخرى، كما يحار أحفادهم اليوم في تحديد موقعها من خارطة العراق، فأعطى كل واحد منها تفسيراً مختلفاً عن الآخر لسقوطها، فمرة هو غضب إنليل، ومرة هو غضب إيرّا، ومرة هو غضب مردوخ، ولكنها اتفقت على شيء واحد متفق عليه بين قدامى العراقيين أصلا، هو أن غزو المدن وسقوطها ينجمان عن غضب الآلهة عليها، وهذا ما يردده بعض سواد الناس في العراق عن هذا الموضوع حتى اليوم!


ولذا ينبغي ألا نأخذ اللعنات التي صبتها الآلهة في نهاية قصيدة »رثاء أكد« بصورة حرفية ونجيز لأنفسنا تفسيرها بأنها قصيدة لعنة كتبها سومري تشفياً بها. فالقول بذلك افتراض هش في رأينا، كالقول بأن مؤلف القصيدة هو أحد كتبة مدينة نفّر المتضلعين، وأكثر هشاشة من هذا وذاك افتراض وجود نص سابق على نص قصيدة الرثاء هذه يعود إلى عهد سلالة أور الثالثة. فملوك هذه السلالة لم يكونوا موتورين من الأكديين، بل هم كانوا أكثر حكمة من أن يوتروا، فقد نظروا إلى الأكديين نظرة »توفيق ومصالحة« (19) إن لم نقل نظرة الشريك للشريك، ولعلهم كانوا يخطبون ودهم حفاظاً على وحدة »بلاد سومر وأكد« تجاه الأخطار المحدقة بالبلاد من كل جانب. والدليل على ذلك أنهم لم ينتقموا منهم عندما زال سلطانهم. فالموظفون في عهد الملك شولكي (2048-2095ق.م) مثلاً كانوا من السومريين و الأكديين (20)، وقد سمى شولكي ابنيه »أمار _ سين« و »شو _ سين« باسمين أكديين، وهذا ما فعله ابنه الثاني حين سمى ابنه »أبي _ سين«، ولهذه التسميات دلالة مهمة لم يتوقف عندها المؤرخون، ولكنها يحتمل أن تكون نتيجة مصاهرة سياسية بين الملوك السومريين والشيوخ الأكديين أو العموريين، كتلك التي حدثت مع العيلاميين في عهد شولكي نفسه.


وبناء على كل ذلك، نعتقد بأن هذه القصيدة من تأليف شاعر بابلي كان يكتب شعره باللغة السومرية، سمع بما آل إليه مصير مدينة أكد وأراد تقديم تفسير لهذا الحدث الجلل. وربما عاش هذا الشاعر في عهد »سلالة آيسن« التي حكمت بلاد سومر قبل أن تقضي عليها »سلالة لارسة«، وقبل أن تقضي على هذه سلالة بابل الأولى. وهذا الافتراض أوفق مع تاريخ نسخ النص القديمة.


٭ ٭ ٭


هناك عمل شعري آخر لا نشك في أن مؤلفه شاعر عموري قحّ بناء على ما جاء في نصه، وهذا العمل هو أسطورة »زواج مارتو«.


لقد وجدت هذه الأسطورة مدونة باللغة السومرية على لوح واحد من آلاف الألواح التي عثر عليها في مدينة »نفّر« نفسها، وقام عالم السومريات »إدوارد كييرا« باستنساخ قسم منها وترجمته، ثم أعقبه »صموئيل نوح كريمر« فوضعها في عداد الأساطير السومرية، وقام بالتعريف بها وعرضها في مؤلفه »الأساطير السومرية«(21).


غير أننا نعتقد أن هذه الأسطورة عمورية وليست سومرية. فالإله »مارتو« إله عموري(22)، وللسومريين منظومة متكاملة من الآلهة تجعلهم في غنى عن إقحام إله »غريب« و»معاد« فيها. بل أن »مارتو« نفسه لم يحظ لدى عموريي وادي الرافدين بالمكانة التي حظيت به آلهة أخرى من آلهتهم مثل »سين« و »عشتار« و »أدد« وغيرها، بدليل أنهم لم يؤسسوا له معبدا، بل نسوه كما نسوا غيره بعد حين مثل الإله »داكان«، فكيف ينتظر من السومريين أن يضموه إلى آلهتهم نيابة عنهم ؟! وإذا كان السومريون قد فعلوا ذلك حقا، كما تصور كريمر، فلماذا لا نجد له أي ذكر في أساطيرهم ونصوصهم الدينية؟!


ثم أن حوادث الأسطورة تدور في مدينة تدعى »نيناب«، وليس في بلاد وادي الرافدين مدينة، أو موقع، بهذا الاسم. ولا يعقل أن يعد السومريون مدينة »نيناب« المجهولة هذه »مدينة المدن« و »بلدة الإمارة« كما جاء في الأسطورة (23) بدلاً من »نفر« مدينة »إنليل« كبير آلهتهم ومركز الاعتراف بشرعية ملوكهم. ويرد في النص ذكر مدينة أخرى تدعى »شيناب«، وهذه، أيضا، ليست من مدن وادي الرافدين ولا موقعاً من مواقعه. ولعل هذا ما يفسر عدم ورود أي ذكر للمدينتين في أي نص من النصوص السومرية أو البابلية الأخرى، الأدبية منها وغير الأدبية. وإذا لم تكن هاتان المدينتان من مدن أو مواقع بلاد الشام، كما يحتمل، فمن المرجح أنهما تقعان في الجزيرة العربية، موطن العموريين الأصلي.


وعدا ذلك ثمة إشارة في الأسطورة إلى شجرة »الأرز« تصفها بأنها »شجرة مقدسة« وهذه الشجرة ليست من أشجار وادي الرافدين، ولا هي مقدسة عند السومريين. صحيح أن السومريين عرفوها وكان لهم اهتمام بأخشابها، ولكنهم لم يقدسوها. ولماذا يفعلون ؟


وقبل هذا وبعده، إن هذه الأسطورة لا تدخل في سياق الأساطير السومرية، فهي لا تفسر عقيدة من عقائد السومريين، أو ترمز إلى حدث من أحداث تأريخهم، أو توضح شيئاً يخص آلهتهم أو أبطالهم أو ملوكهم. بل هي تنطوي على شيء يتعلق بتاريخ العموريين ومواطنهم الأصلية، وتلقي ضوءاً على تقاليد الزواج عندهم. ومن يدري، فلعل هذه الأسطورة كانت أنشودة ينشدونها في مناسبة من مناسباتهم، أقربها إليها مناسبة الزواج :


كانت »نيناب« موجودة، و »شيناب« لم تكن موجودة.
وكان التاج النقي موجودا، والخوذة المقدسة لم تكن موجودة.
كانت الأعشاب الطاهرة موجودة، وشجرة الأرز المقدسة لم تكن موجودة.
كان الاتصال الجنسي موجودا،
وفي المروج كانت الولادات تتم.


.....................................


قال »مارتو« لأمه
وهو يدخل الدار :
في مدينتي، جعل أصدقائي لأنفسهم أزواجا،
وجيراني جعلوا لأنفسهم أزواجا،
وفي مدينتي، أنا وحدي، من بين أصدقائي، لا زوجة لي
ليس لي زوجة، ليس لي أولاد
.................................

أماه خذي لي زوجة
وسأقدم لك هديتي.(24)


من الواضح أن هذا المقطع من الأسطورة يتحدث عن تأريخ العموريين في موطنهم الأصلي، قبل أن ينزحوا إلى بلاد الشام، ويتصلوا بالمدنية، ويعرفوا شجرة الأرز ويقدسوها. ولعلنا نلمح فيها ملمحاً من المشاعية البدائية أيام »كان الاتصال الجنسي موجودا، وكانت الولادات تحدث في المروج« قبل ظهور مؤسسة الزواج والسكنى في مدينة ذات دور. وهذا دليل آخر على عمورية القصيدة وليس على سومريتها.

ويبدو أن الأستاذ طه باقر قد سلم لكييرا و لكريمر بأن أسطورة »زواج مارتو«أسطورة سومرية، فبنى على ذلك رأياً يقول إن السومريين كانوا ينظرون إلى العموريين نظرة استخفاف وانتقاص، فيصموهم بأنهم »بدو مخربون« وأنهم »لا يعرفون سكنى البيوت، ولا الزراعة والحبوب، ويعتمدون في قوتهم على استخراج الكمأة من البادية، ويأكلون اللحم نيئا، ولا يدفنون موتاهم«(25). وقد اعتمد في تأييد وجهة النظر هذه، فيما يبدو، على نص ورد في الأسطورة نفسها أريد به الحط من قدر مارتو وإظهاره بمظهر البدوي المتوحش لأنه »تناول لحماً لم يطبخ، ولم يملك دارا، وحينما يموت ترمى جثته ولا تدفن«(26).


وقد يكون هذا هو رأي السومريين بالعموريين فعلا، لأن منهم من كانوا بدواً يغيرون على بلاد سومر وأكد. ولكن هذا لا شأن له بالأسطورة. فالنص الذي أوردناه جاء على لسان خصم منافس لمارتو يريد لنفسه الفتاة التي عشقها مارتو وخطبها من أبيها، والأوصاف التي أطلقها الخصم على مارتو لا تطابق الحقيقة، لأن مارتو، في النص، من سكان المدن، فقد كان الإله الحارس لمدينة »نيناب«، وكانت له دار في هذه المدينة، ولم يكن بدوياً متوحشاً إلا في نظر خصمه الذي يعيره بماضيه البدوي ويحاول الحطّ من قدره ليفوز بحبيبته. ولهذا لم تكترث الفتاة لما ادعاه، وأصرت على الزواج من مارتو، ووافق أبواها على قرارها. وهكذا يكون النص في جوهره دفاعاً عن العموريين وإلههم مارتو تجاه من يصفهم بالبداوة والغلظة، وليس انتقاصاً منهم ومن إلههم. ومثل هذا الدفاع لا يمكن أن يصدر عن شاعر سومري، بل عن شاعر عموري.


لهذا كله نرى أن هذه الأسطورة أسطورة عمورية، وأنها محاولة مبكرة من شاعر عموري أراد بها تقليد أساطير السومريين فكتب قصيدته بلغتهم، أيام كان الإله مارتو ما يزال حياً في ذاكرة الوافدين العموريين.


إذا صح ما قلناه عن أسطورة »زواج مارتو«، وهو في رأينا جدّ صحيح، فإننا يمكن أن نقيس عليه ونفترض أن هناك محاولات شعرية عمورية أخرى شبيهة بهذه المحاولة، أو مختلفة عنها في قليل أو كثير، ولكنها لم تصلنا، أو لعل بعضها قد وصلنا ولكننا لم ننتبه إليه، فوضعناه في عداد الأدب السومري لأنه مكتوب باللغة السومرية، ولأنه مطابق لهذا الأدب في سماته وخالٍ من عناصر تساعد على اكتشافه مثل هذه التي ساعدتنا على اكتشاف حقيقة هذه الأسطورة، وما الترتيلتان اللتان سبق الحديث عنهما إلا مثل دال على ذلك.


وعلى أية حال، إننا نجد في ما قدمناه قرائن تكفي للقول ان الشعراء البابليين الأوائل، قد كتبوا أشعارهم الأولى باللغة السومرية لسببين :


أولهما : أن التحول من اللغة السومرية إلى اللغة الأكدية لم يكن قد نضج بعد وأخذ مداه إلى الحد الذي تصبح فيه اللغة الأكدية لغة مؤهلة للكتابة الأدبية، مثلما أهلت لتدوين التواريخ وكتابة المعاملات الإدارية والاقتصادية، وقد استغرق هذا التحول عدة قرون ومر بمراحل زمنية طويلة.


وثانيهما : أن اعتزاز البابليين بالثقافة السومرية، وشغفهم بها جعلاهم يجنحون في البداية إلى تعلم أدبها واستيعابه في المرحلة الأولى، ثم نسخه وترجمته وتقليده في المرحلة الثانية، حتى إذا تراكمت خبراتهم وتطورت مهاراتهم تفجرت مواهبهم في كتابة أدب بابلي أصيل باللغة الأكدية. وهذا يعني أن كتابة البابليين أشعارهم الأولى باللغة السومرية كان مرحلة انتقالية لكتابتها باللغة الأكدية، وهي مرحلة تبدو لابد منها من وجهة نظر تاريخية على الأقل.







   رد مع اقتباس

قديم 24-02-2012, 12:39 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
 







حنان عبدالرحمن غير متواجد حالياً

الهوامش :


٭ هذه الدراسة فصل من كتاب لم ينشر بعد عنوانه »نظرات جديدة في أدب العراق القديم«.


(1) استقر رأي الباحثين العراقيين، بعد اجتهادات كثيرة عقيمة للباحثين الأجانب، على أن السومريين من سكان وادي الرافدين الأصليين، وليسوا من النازحين إليه من خارجه. وقد ناقش هذا الموضوع بإسهاب الدكتور فاضل عبد الواحد علي في كتابه : من ألواح سومر إلى التوراة / دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد /1989/ ص ص26-39
(2) راجع : جورج رو/العراق القديم/ت. حسين علوان حسين/دائرة الشؤون الثقافية والنشر _ بغداد/1984/ص 207 وكذلك : هاري ساكز/ عظمة بابل/ت.د. عامر سليمان إبراهيم/جامعة الموصل _ الموصل/1979/ص 68
(3) د. فاضل عبد الواحد علي/سومر - أسطورة وملحمة/ط٢/دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد/2000/ ص 159
(4) نفسه/ص53 وراجع ص ص 287 -293
(5) طه باقر/مقدمة في أدب العراق القديم/دار الحرية للطباعة - بغداد/1976/ص206
(6) د. فاضل عبد الواحد علي/من ألواح سومر إلى التوراة/مصدر سابق/ص42
(7) قاسم الشواف/ديوان الأساطير - الكتاب الأول/دار الساقي - بيروت/1996/ص ص148 -149
(8) »بيت الألواح« هو الاسم الذي سميت به المدرسة في العراق القديم، ولعل هذا الاسم كان يطلق على ورش النسخ والترجمة أيضا.
(9) طه باقر/مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة/مصدر سابق/ص413
(10) قاسم الشواف/مصدر سابق/ص ص 179-183
(11) د. فاضل عبد الواحد علي/ سومر _ أسطورة وملحمة/ص 309
(12) طه باقر/ مقدمة في أدب العراق القديم/ص 213
(13) د. فاضل عبد الواحد علي/سومر _ أسطورة وملحمة/ص 314-315
(14) طه باقر/مقدمة في أدب العراق القديم/ص218
(15) نفسه/نفسها
(16) فاضل عبد الواحد علي/ سومر _ أسطورة وملحمة/ص142
(17) طه باقر/ مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة/ص 364، ص 373
(18) نفسه/ ص383
(19) جورج رو/مصدر سابق/ص234
(20) صموئيل نوح كريمر/الأساطير السومرية/ت. يوسف داود عبد القادر/مطبعة المعارف - بغداد/1971/ص ص150-151
(21) تقي الدباغ/الفكر الديني القديم/دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد/1992/راجع الفصل الثالث وما فيه حول الإله »مارتو« والمعتقدات الدينية للعموريين، خاصة ص ص 105-107
(22) صموئيل نوح كريمر/مصدر سابق/ص150
(23) نفسه/ص150-151
(24) طه باقر/مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة/ص408
(25) صموئيل نوح كريمر/ص15






   رد مع اقتباس

قديم 02-03-2012, 02:18 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
! سمو الإحساس !
إدارة الموقع
 







! سمو الإحساس ! غير متواجد حالياً

شكرا جزيلا لك ع الطرح
وبارك الله فيك ..






   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 01:22 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير