العودة   منتدى النرجس > المنتديات الإسلامية > منتدى الفقه الاسلامي والفتاوي الدينية والاعجاز العلمي والصوتيات



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم March 28, 2017, 11:49 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
منتهى الحنان
عضو مجلس إدارة
 






منتهى الحنان غير متواجد حالياً

 

الفقه الإسلامي - العبادات الشعائرية - مناسك الحج والعمرة : ساعات الامتحان - باب الوصي

الفقه الإسلامي - العبادات الشعائرية - مناسك الحج والعمرة : ساعات الامتحان - باب الوصية بالنساء - سيرة النبي.


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلفا ً:
أيها الأخوة المؤمنون ؛ في رياض الصالحين، وفي باب الوصية بالنساء حديث شريف:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
والحقيقة أن هذا الحديث يُعدُّ من أصول الدين، فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث آخر:

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: كِلاهُمَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ أَمَّا هَؤُلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ، وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا قَالَ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ ))
[الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
(( وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً ))
[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[ مسند البزار عن أبي هريرة]
فمكارم الأخلاق تحتل أكبر مساحة من الدين، بل إن الدين كله خلق، فإذا انتفى الخلق ذهب الدين، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾
( سورة الماعون )
(( مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ))
[ أحمد وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وسيدنا جعفر عندما قابل النجاشي قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حقيقة الدين:

(( أَمَرَنا ِبِصْدقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ))
[أحمد عن أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]
فيكاد يكون الدين كله مكارم أخلاق.

الخلق مقياس الإيمان عند الإنسان:
ومادام النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً ))
[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[ مسند البزار عن أبي هريرة]
من هنا قال عليه الصلاة والسلام في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي عن أبي هريرةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فإذا أردت مقياساً لإيمانك فهو خلقك، وحينما تمثَّل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بالأخلاق الفاضلة رفرفت راياتهم في المشرقين، وحينما فهِم المسلمون الدين صوماً، وصلاةً، وحجاً، وزكاةً ليس غير، تراجعوا وغُزوا في عقر دارهم.

درجات الإيمان:
الشيء المهم هو أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا ))
فيوجد إيمان كامل، وإيمان أكمل، ويوجد إيمان ناقص، والإيمان درجات، والدليل قول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ﴾
(سورة النساء)
يا أيها المؤمن آمن، أي استكمل إيمانك، والإيمان له درجات، وقبل الإيمان هناك الإسلام، قال تعالى:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾
( سورة الحجرات )
وبعد الإيمان التقوى.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
( سورة الحشر )
والتقوى درجات، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾
( سورة آل عمران )
تفاوت المؤمنين فيما بينهم بحسن خلقهم:
فمن قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
فإذا تفاوت الإيمان فإنما يتفاوت بحسن الخلق، والمؤمنون جميعاً يصلُّون، و جميعاً يحجون ـ طبعاً المستطيع ـ و جميعاً يزكون، و جميعاً يأكلون مالهم حلالاً، و جميعاً ينفقون مالهم في الوجوه الصحيحة، فهذا كله متوافر، ولكن أين يختلفون ؟ في الخلق، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
[الترمذي عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أخي يصلي، ويصوم، وتجارته مشروعة، ومن بيته إلى محله، هذا لا يكفي، فكيف أخلاقه ؟ هل هو سموح ؟ حليم ؟ كريم ؟ عطوف ؟ رحيم ؟ ودود ؟ إذاً حينما قال عليه الصلاة والسلام:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
فقد جعل الأخلاق مشعِراً في التفاوت بين المؤمنين، لأن الفرائض كلها تؤدى من قِبَل جميع المسلمين والمؤمنين، فكيف يتفاوتون فيما بينهم بحسن خلقهم ؟
وقد جمعت لكم بعض الأحاديث المتعلقة بحسن الخلق، فوجدت أحاديث هامةً وكثيرة، منها حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ:

(( قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَبِي سَمُرَةُ جَالِسٌ أَمَامِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنَ الإسْلامِ وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ))
[أحمد عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
حتى في الإسلام تتفاوت مراتب المسلمين فيما بينهم بأخلاقهم، وإن أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً، تتفاوت مراتب الإسلام فيما بينها بحسن الخلق.
" إن من أحب العباد ـ أحب اسم تفضيل، أي أكثر الناس الذين يحبهم الله عز وجل ـ إلى الله أحسنهم، وإن من أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً، وإن خير ما أعطي الإنسان خلق حسن "
هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم هل أنت مصدقٌ له ؟

الغنى يوم القيامة غنى العمل الصالح:
وقال أحدهم:

(( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقَعَدْتُ، قَالَ: فَجَاءَتْ الْأَعْرَابُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالُوا " يَا رَسُولَ اللَّهِ نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ، قَالَ: وَكَانَ أُسَامَةُ حِينَ كَبِرَ يَقُولُ هَلْ تَرَوْنَ لِي مِنْ دَوَاءٍ الْآنَ ؟ قَالَ: وَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ هَلْ عَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ إِلَّا امْرَأً اقْتَضَى امْرَأً مُسْلِمًا ظُلْمًا فَذَلِكَ حَرَجٌ وَهُلْكٌ، قَالُوا: مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: خُلُقٌ حَسَنٌ ))
[أحمد عن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فيعطى الإنسانَ الدنيا وما فيها، وقد يعطى القوة، وقد يعطى المال، و الذكاء، والجمال، هؤلاء العلماء الكبار الذين يقبعون في مخابرهم ليصنعوا الأسلحة الكيميائية، أو الأسلحة الجرثومية، أليسوا أذكياء ؟ واللهِ قمم في الذكاء، ولكنهم يصنعون سلاحاً يجعل حياة الإنسان جحيماً، قد يعطى الإنسان ذكاءً، ومالاً، وقوةً، ووسامةً، وجمالاً، وقد يعطيه حظاً في الدنيا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن أن خير ما أعطي الإنسان خلقٌ حسن، من كان له أخلاق حسنة طيبة فهو أغنى الأغنياء، لأن الغنى يوم القيامة غنى العمل الصالح:

(( مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ))
[أبو داود عن أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
(( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ ))
[أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]
فصاحب الأخلاق الفاضلة في مستوى الصائم القائم، بصيام وقيام مستمرين، بل إن العبد كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ عَظِيمَ دَرَجَاتِ الآخِرَةِ وَشَرَفَ الْمَنَازِلِ وَإِنَّهُ لَضَعِيفٌ فِي الْعِبَادَةِ ))
[الطبراني عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
هذه كلها أحاديث شريفة تبين أن الخلق الحسن هو كل شيء في الدين، بل يكاد يكون الدينُ خلقاً حسناً.

أعظم رأسمال في العمل الخلق والحسن والخلق الحسن مؤادة ان يثق الناس بك:
حينما فهِم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الدينَ هذا الفهْم رفعهم الله وأكرمهم، فكن صادقاً، ولا تقُلْ: إن البيع والشراء يحتاجان إلى كذب، بل كن صادقاً في البيع والشراء، وتحدَّى الكاذبين، واللهُ سبحانه وتعالى يوفِّقك، فلا تقل: الحياة تحتاج هذا، فإنّ الحياة تحتاج إلى استقامة تامة، ولا تضع تغطية فلسفية للانحراف، أخي إذا لم نغش لا نربح، هذا كلام فارغ، وهذا كلام الشيطان، وكلام الغافل الجاهل.
في كل عمل تجاري، وصناعي، وزراعي، ووظيفي، ومهني، في كل حقل في الحياة الخلقُ الحسنُ أعظم رأسمال في العمل، وبعد فترة تكسب شيئاً لا يقدَّر بثمن، هو ثقة الناس بك، فالخلق الحسن مؤدَّاه أن يثق الناسُ بك، فإذا وثق الناس بك فهذا أعظم رأسمال تتحرك به، قال عليه الصلاة والسلام:

(( الأمانة غنىً ))
[الجامع الصغير عن أنس ]
الأمين غني والله يغنيه لأن الناس يثقون به، وهذه أحاديث دقيقة جداً.

(( وإن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، والخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ))
[الطبراني في الكبير عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
الموقف الأخلاقي للإنسان يكسبه سعادة لا توصف:
شيء آخر ؛ إذا وقفت موقفاً أخلاقياً، أو كنت كريماً في موطن الكرم، أو شجاعاً في موطن الشجاعة، أو سخياً في موطن السخاء، أو حليماً في موطن الحلم، أو مضحياً في موطن التضحية، أو ودوداً في موطن الود، إن موقفك الأخلاقي هذا يكسبك سعادةً لا توصف، تشعر أنك إنسان، و فيما سوى هذه الأخلاق يشعر الإنسانُ أنه حيوان، فلو تخلى الإنسانُ عن أخلاقه لشعر بحيوانيته، كبهيمة تبحث عن طعامها، وشرابها، ولذتها فقط، فتأخذ طعامها، وشرابها، ولذتها من أي سبيل، وبأي ثمن، فلا تشعر إنك إنسان، وأنك المخلوق الأول المكرم إلا بالخلق الحسن، لذلك فمواقف الحِلم أكثر إسعاداً للنفس من مواقف الانتقام، ومواقف التواضع أعظم إسعاداً للنفس من مواقف الكبر، ومواقف البذل أعظم من مواقف المنع، لذلك لو أن الإنسان عرف ما يجنيه من خلقه الحسن لكان همُّه الأول أن يكون ذا خلق حسن.

كل إنسان مأمور بالعدل والإحسان:
نعود للحديث الشريف:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
قال تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾
( سورة الفرقان )
تأمل قبل أن تقول هذه الكلمة، قبل أن تقول له: أنت لا تفهم، قبل أن تغضب، وقبل أن تنتقم، وتؤذي، وتتجاهل طلبَ الآخرين، وقبل أن تقف هذا الموقف الذي لا ترضى عنه فكِّر ملِيًّاً، بماذا يأمرك الله ؟

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾
( سورة النحل )
كما أنك مأمور بالعدل فأنت مأمور بالإحسان.

الموقف الأخلاقي هو اهم عامل لدخول الناس في دين الله أفواجاً:
إذا أردت أن يتهافت الناس على الإسلام ويدخلوا في دين الله أفواجاً كما دخلوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام عليك بالمواقف الأخلاقية، وإذا أردت أن تنفِّر الناس فبالغ في العبادات الشعائرية، وافعل ما تشاء مع الناس من إيذاء، وشتمٍ، فهذا الذي جاء يوم القيامة بصيام، وصلاة، وحج، وزكاة، ماذا كان مصيره ؟

(( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وعندئذٍ يبكي النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: إن هذا لموقف عصيب.

الخلق الحسن هو عامل الترجيح بين أي إنسان وأخر:
حضر مجلس علم، وصلى أربع ركعات، ودفع زكاة ماله، وانتهى الأمر ؟ لا لم ينتهِ شيء، هذا الدين جاء ليتمم مكارم الأخلاق، لا يوجد حديث أوضح من هذا الحديث:

(( بُعِثْتُ لأتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاقِ ))
[مالك في الموطأ]
مع زوجتك، وأولادك، وجيرانك، وزبائنك، وأصحابك، والقاصي، والداني، مع أي إنسان ومخلوق، وحيوان، كن ذا خلقٍ حسن، أطعِمه، وتَرَفَّقْ به، والذي يؤكده القرآن الكريم:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾
( سورة الماعون )
هو نفسه، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾
( سورة القصص )
فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
ألف مؤمن صنفُهم في درجات، عامل التصنيف الخلقُ الحسنُ، كلهم يصلُّون، وعامل الترجيح في شكل أدقَّ هو الخلقُ الحسن، والنبي عليه الصلاة والسلام كان خلقه القرآن، وقال:

(( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي ))
[السيوطي في الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
فقد أَحَبَّه أصحاُبه حُبًّاً جمّاً كما قال أبو سفيان:

(( ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ))
[السيرة النبوية لابن هشام]
قال عليه الصلاة والسلام:

(( وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فالقول الشهير: الزواج رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته...:

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
القرأن الكريم كتاب موجز:
ربنا سبحانه وتعالى يقول متحدِّثاً عن سيدنا آدم وزوجته فقال:

﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾
( سورة طه )
كان ينبغي أن يقول: فتشقيا، لا يخرجنكما، اثنان، من الجنة فتشقيا، ولكن ربنا سبحانه وتعالى قال: فتشقى، بالمفرد، فاستنبط علماء التفسير من هذه الآية أنّ: شقاء الرجل هو شقاء للمرأة، فإذا شقي الرجل شقيت معه امرأته، والقرآن الكريم موجز.

دقة القرأن الكريم وإعجازه:
هناك لَفَتَاتٌ في اللغة دقيقة ؛ مثلاً يقول لك: أنا لا أكنز الذهب والفضة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)﴾
( سورة التوبة )
فهذه الآية مِن القرآن الكريم نصَّتْ على الذهب والفضة حصراً، والذي يكنز العملات الورقية يا ترى هل له علاقة بهذا الموضوع ؟ بنص هذه الآية ليس له علاقة، ولكن القرآن ماذا قال ؟ الذهب والفضة ولا ينفقونها، كان من الممكن أن يقول: ولا ينفقونهما، أي الذهب والفضة فلما قال: ولا ينفقونها بالجمع، كان هذا من قبيل إعجاز القرآن، ليشمل أيَّ شيء في المستقبل، لأنّ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان المال المتداول هو الذهب والفضة، وفي العصور اللاحقة أي شيءٍ اتُّخِذ نقداً فحكمه حكم الذهب والفضة، فربنا عز وجل أشار إلى هذا بضمير الجمع

﴿ والذين يكنزون الذهب والفضةَ ولا ينفقونها ﴾
وليس: ولا ينفقونهما، فالعملات النقدية والورقية داخلةٌ مع الذهب والفضة، لذلك قال العلماء: لو أن الناس اتفقوا على أن النحاس نقداً لحرم كنزه، ولو اتخذ الناس الجلد نقداً لحرم كنزه.
فالقرآن الكريم دقيق جداً ؛ فكلمة

﴿ فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ﴾
تعني أنَّ شقاء الرجل هو شقاءٌ للمرأة.
بالمناسبة فالمبلغ مهما كان كبيراً إذا دفعتَ زكاته فليس بكنز، والمبلغ مهما كان صغيراً إن لم تؤدَ زكاته فهو كنز، فتعريف الكنز: هو المال الذي لا تؤدَّى زكاته، وأنت ليس لك حق أن تتهم إنسانًا بالبخل إذا أدّى زكاة ماله، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( من أكثر من ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن أبي هريرة ]
(( من حمل سلعته فقد برئ من الكبر ))
[ كنز العمال عن أبي أمامة]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
لفتات لغوية من القران الكريم:
وهناك لفتاتٌ لغوية أخرى، يقول الله تعالى:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾
( سورة التوبة )
أن يرضوه، بضمير المفرد الغائب، وكان ينبغي أن يقول: والله ورسوله أحق أن يرضوهما، ولا يخرجنكم من الجنة فتشقيا، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونهما في سبيل الله، هنالك قال: فتشقى، وهناك قال: ينفقونها، وهنا قال: والله ورسوله أحق أن يرضوه، ومنه استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن: إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله، وأن إرضاء الله عز وجل هو عين إرضاء رسول الله، لذلك قال: " أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله ".
إنه تطابق كامل، والحقيقة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام ليس له مطلبٌ شخصي أبداً، بل مطلبه أن يهتدي الخلق إلى ربهم، وليس له توجيه خاص من عنده، فهو رسول لا ينطق عن الهوى، فمحبته هي محبةٌ لله عز وجل.

الخلق الحسن والإحسان إلى الزوجة عاملان مرجحان لتفاوت المؤمنين:
إذاً:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وثمَّة أحاديث كثيرة وردت في إكرام النساء، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل عامليْن مرجِّحيْن لتفاوت المؤمنين ؛ العامل المرجح الأول الخلُقُ الحسن، والعامل المرجِّح الثاني الإحسانُ إلى الزوجة، وخياركم خياركم لنسائهم، لأن الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، فإذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، وهي الخلية الأولى، لذلك اعتنى الإسلام بها عناية كبرى، حتى كانت أحكام الطلاق تشغل حيزاً كبيراً في القرآن، ولأن أحكام الطلاق، والزواج، وغض البصر، وآداب الدخول والاستئذان، والخروج، والخلوة ، وحد الزاني، وحد القاتل، كلّها متعلقة بالأسرة، وكلها صوناً للأسرة.

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو عبادات ومعاملات واخلاق معاً:
هناك شيء نتج عن بعض التقسيمات التي قسمها الفقهاء، فقالوا: أوامر الله عز وجل بعضها عبادات، وبعضها معاملات، وبعضها أخلاق، عبادات، ومعاملات، وأخلاق، فالعبادات هي هذه الأوامر الشعائرية ؛ فالصلاة أن تقف، وتكبِّر تكبيرة الإحرام، وتقرأ الفاتحة وسورة، وتركع، وتسجد، والصيام أن تمتنع عن الطعام، والشراب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنِية، والحج كما تعلمون له مناسك، والزكاة لها نصاب، ولها مصارف، وما إلى ذلك، فهذه العبادات بعضها بدني، وبعضها مالي، وبعضها بدني ومالي، وبعضها مكاني، وبعضها زماني كالحج، فالفقهاء فصلوا الأوامر الشعائرية التعبدية فسمَوها عبادات، والأوامر الاجتماعية في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾
( سورة الحجرات )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾
( سورة الحجرات )
فالنهي عن الكذب، والغيبة، والنميمة، والإفك، والكبر، والاستعلاء، والإيقاع بين الناس، والتفريق، هذه الأوامر الاجتماعية هي الأخلاق، والمعاملات من أحكام البيوع والطلاق، والزواج، والعدة، والنفقة، واللقطة، والعارية، والهبة، والإيجار، هذه كلها أحكام، فلما قسم الفقهاء الأوامر إلى عبادات، ومعاملات، وأخلاق، سبق في ظن الناس أو توهموا أن الدين هو العبادات، مع أن الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو عبادات، ومعاملات، وأخلاق، وأن الذي يقوم ببعضها ويدع بعضها الآخر فهو كبني إسرائيل.

الإسلام بناء شامخ كبير وقواعده خمس:
قال تعالى:

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾
( سورة البقرة )
يصلي حاضراً ويغتاب الناس ؟! فوُجِد تناقض، فالذي يصلي لا يغتاب، أما أن يصلي ويكذب في البيع والشراء:

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
فصلاة وكذب، وصلاة وخيانة، وصلاة وقسوة في المعاملة، صلاة وكبر لا تجتمع معاً، فلما ضيَّق الناسُ مفهومَ الدين إلى أربع عبادات خسروا و ضاعوا، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))
[البخاري عَنْ ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
إنَّ الإسلام بناء شامخ كبير، وقواعده خمس، الشهادتان والصوم والصلاة والحج والزكاة، وهي دعائم وليست البناء، فإذا توهمنا أنها هي البناء، فنحن في وهم كبير، لهذا نصَّ عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الذي قرأتها على أسماعكم وفي هذا الحديث الذي هو موضوع هذا الدرس على هذا الأمر:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))
[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
كيفية اكتساب الأخلاق الحسنة:
يوجد سؤال ثانٍ ؛ يا ترى هذه الأخلاق الحسنة كيف تُكتسب ؟ عندنا أخلاق حسنة تقليداً، وأخلاق حسنة أصيلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه ))
[الجامع الصغير للسيوطي عن أبي الدرداء ]
أي اكظم غيظك، فأنت من الداخل متأجج، وتغلي غلياناً، ولكنك مؤمن، فاضبط أعصابك واسكت، وإذا غضبت فاسكت، وتوضأ، أو اغتسل، أو اخرج من البيت، فهذا صار حلماً، ولكن التحلم تصنُّع حلم قسري، والثمن أن تكون حليماً أصيلاً، وأن تكون متحلماً، فأول مرحلة بأن تتحلم، وإنما الكرم بالتكرم، أنْ تصطنع الكرم، فأنت متكرم، ولكن إذا تكرمت وعاكست هوى نفسك، ووقفت موقفاً مناهضاً لرغبتك، فهذه هي البطولة.
إنَّ المؤمن وقَّاف عند كتاب الله، وهذه الحالة الداخلية ؛ الغليان الداخلي مع الانضباط الخارجي، هذا اسمه تحلُّم، فإذا فعلت هذا شعرت أنك جاهدت في سبيل الله، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: مجاهدة العبد هواه ))
[الجامع الصغير عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
إنه عمل بطولي أن تجاهد نفسك وهواك، وهذا التحلُّم يعينك على أن تُقبِل على الله في صلاتك، يا رب أنا كظمت غيظي من أجلك، وإرضاءً لك، كظمت غيظي وأنا أستطيع أن أفعل به الأفاعيل خوفاً منك، وبإمكاني أن أدمره فكظمتُ طلباً لرضاك، و بإمكاني أن أسحقه، لكني كظمتُ من أجل أن ترضى عني، انظر إلى هذا التحلُّم، فإذا تحلَّمت ووقفت بين يدي الله عز وجل شعرت أن الله راض عنك، عندئذٍ إذا تجلى الله عليك بأنواره أصبحت ذا حلم أصيل، والمرحلة الثانية: إذا استفزك إنسان شعرتَ بهدوء داخلي، وشعرتَ أن هذا مسكين بعيد عن الحق، هذا إنسان جاهل أرعن، هل تحبون أن تعرفون حقيقة الحلم ؟ لو كنت طبيباً وجاءك مريض مصاب بمرض جلدي خطير، هل تغتاظ منه ؟ لا، بل تشفق عليه، وترثي بحاله وتتألم له، فكلما ارتقى مستوى المسلم بدل أن يغضب من الناس يغضب على عملهم، وبدل أن يحقد عليهم يرثي حالهم، وبدل أن يغلي تشفياً منهم يبكي حزناً على جهلهم، وعلى بُعدِهم عن الله عز وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: إنما الحلم بالتحلم، تتحلم، وهذا يحتاج إلى إرادة قوية، تُقبِل على الله عز وجل، فيلقِي الله في قلبك بعضاً من مكارم الأخلاق، لذلك فإنّ مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله عز وجل، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، وإنَّ الحليم موصول، والكريم موصول، والسخي موصول، والودود موصول، والرحيم موصول، وإنّ القاسي مقطوع، والغضوب مقطوع، والبخيل مقطوع، والجبان مقطوع، فمكارم الأخلاق آثار الصلة، ومساوئ الأخلاق أعراض الإعراض، والإعراض له أعراض، وأعراض الإعراض البخل، والقسوة، وحبُّ الذات، والأنانية، والاستعلاء، والتشفِّي، والحقد، فهذه كلها أعراض الإعراض، وثمار الإقبال مكارم الأخلاق.



والحمد لله رب العالمين






   رد مع اقتباس

قديم July 24, 2017, 09:05 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
وليدالحمداني
إدارة الموقع
 







وليدالحمداني غير متواجد حالياً

سبحان ربي الأعلى وبحمده






   رد مع اقتباس

قديم December 17, 2017, 02:32 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
^كــاتم أســرار^
المدير العام
 






^كــاتم أســرار^ متواجد حالياً

شكرا لك والله يعطيك العافية


كاتم أسرار






   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى الفقه الاسلامي والفتاوي الدينية والاعجاز العلمي والصوتيات
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 11:13 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير