العودة   منتدى النرجس > المنتديات الإسلامية > منتدى الفقه الاسلامي والفتاوي الدينية والاعجاز العلمي والصوتيات



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 14-09-2009, 12:40 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو






الـشافعي غير متواجد حالياً

 

الرحمة والتسامح في ضوء القرآن الكريم

الشيخ / خلف بن علي بن حسين العنزي



الحمد لله رب العالمين ، كتب على نفسه الرحمة، قال تعالى: ((كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ )) [الأنعام : 12] ، شفقة منه بعباده سبحانه وتعالى بألا يقنطوا من رحمته ، بل رحمته سبقت غضبه ، قال صلى الله عليه وسلم «لما خلق الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي»
ورحمة الله سبحانه وتعالى تفضل منه وإحسان منه على عباده ، وهي رحمة واسعة تفيض على جميع خلقه وتسعهم جميعا ، قال تعالى: (( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ )) [ الأعراف : 156 ] .

وما الرحمة التي تتراحم بها الخلائق منذ نشأتها وحتى يرث الله الأرض ومن عليها إلا جزء واحد من مئة جزء من رحمته سبحانه وتعالى بعباده ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» . وفي رواية لمسلم «إن لله مائة رحمة فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم وتسعة وتسعون ليوم القيامة» .
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لله مائة رحمة قسم منها رحمة بين جميع الخلائق فبها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها تعطف الوحش على أولادها وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» .
ومن أسمائه جل وعلا ، الرحمن الرحيم ، قال تعالى: (( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )) [ الفاتحة :2 ] والرحمن أخص من الرحيم وأكثر مبالغة منه ولذلك لا يسمى به غير الله تعالى ، قال تعالى: (( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى )) [ الإسراء : 110 ] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال الله تعالى : أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشقتت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته» .
ومعناه ذو الرحمة لا نظير له فيها ، وهي تعم جميع العالمين مؤمنهم وكافرهم ، تعم جميع الخلق صالحهم وطالحهم .
والرحيم رحمته تخص المؤمنين لقوله تعالى (( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا )) [الأحزاب : 43 ] .
ومن رحمته سبحانه وتعالى أن أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ، قال تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ))[ الأنبياء : 107 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة» .
ولقد امتن الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين أن بعث فيهم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فقال (( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )) [ آل عمران : 146 ] ، وقال تعالى: (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )) [ التوبة الآية : 128 ] .
فكان صلى الله عليه وسلم رحيما بأمته يرشدهم للخير ويحذرهم من الشر ، لينا معهم ، عطوفا عليهم ، رفيقا في تعامله معهم ، قال تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )) [ آل عمران : 159 ] .
ولقد أمرنا الله سبحانه وتعالى باتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بسنته ، قال تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )) [ الحشر : 7 ] .
والإسلام هو دين السماحة واليسر والسهولة ، ولقد كان من سماحة الإسلام أن جعل أحكامه وتشريعاته مبنية على التيسير ورفع المشقة والحرج ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )) [ الحج : 78 ] ، وقال تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )) [ البقرة : 185 ] ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» .
ولقد جاءت الشريعة الإسلامية السمحة بالتيسير على الناس وعدم إرهاقهم وتحميلهم ما لا يطيقون ، قال تعالى: (( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )) [ البقرة : 286 ] .
وسماحة الإسلام هي رحابة مبادئه وسعة تشريعاته ، ونزوعه إلى اللين واليسر في كل أوامره وأحكامه دون إفراط وتفريط ، وتلبية لنداء الفطرة واستجابته لمتطلباتها في وسطية واعتدال ، والعدالة والمساواة بين البشر جميعا ، إذ لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى قال تعالى: (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )) [ الحجرات : 13 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم: « لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى »
ومن سماحة الإسلام الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن قال تعالى: (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )) [ النحل : 125 ] ، وقال تعالى: (( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )) [ العنكبوت : 46 ] وقال
تعالى: ((وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ)) [الحج : 68 ] ، قال صلى الله عليه وسلم « يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا» .
ومن سماحة الإسلام عدم إجبار أحد من الكافرين بالدخول في الإسلام عنوة أو إكراها ، قال تعالى: (( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )) [ البقرة : 256 ] ، وقال تعالى: (( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )) [ الكهف : 29 ] .
ومن سماحة الإسلام العدل مع المخالف ، وجعل ذلك دليلا على التقوى التي رتب عليها أعظم الجزاء قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ )) [ المائدة : 8 ] .
فالله سبحانه وتعالى غزير الرحمة واسع العلم والاطلاع على مبادئ الأمور وعواقبها ، فهو سبحانه الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات ، قال تعالى: (( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ )) [الأنعام : 18 ] .

المفاهيم

المعني اللغوي :
الرحمة : الرقة والتعطف والمرحمة مثله وقد رحمه بالكسر رحمة ومرحمة أيضا وترحم عليه وتراحم القوم رحم بعضهم بعضا .
والرحمة : رقة القلب وعطفه ورحمة الله : عطفه وإحسانه ورزقه .
الرحمن والرحيم من أسماء الله سبحانه وتعالى ، وهما اسمان مشتقان من الرحمة ، الرحمن بجميع الخلق ، والرحيم بالمؤمنين .
الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب الأول ولم يكونوا يعرفونه من أسماء الله .
ومعناه عند أهل اللغة : ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في الرحمة ، لأن فعلان بناء من أبنية المبالغة ، ورحيم فعيل بمعنى فاعل ، وكذلك رجل رحوم وامرأة رحوم ، قال الأزهري " لا يجوز أن يقال رحمان إلا لله عز وجل " وفعلان من أبنية ما يبالغ في وصفه ، فالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء فلا يجوز أن يقال رحمن لغير الله . قال تعالى: (( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ )) [ الإسراء : 110] .
والرحيم قد يكون بمعنى المرحوم كما يكون بمعنى الراحم والرُّحم بالضمة الرحمة قال تعالى: (( وَأَقْرَبَ رُحْمًا )) [الكهف : 81 ] .

السماحة : السماحة في اللغة : الجود ، سمح سمحا وسماحة أي جاد وسمح له أي أعطاه ، والمسامحة المساهلة وتسامحوا تساهلوا .
والسهل ضد الجبل وأرض سهلة ، وأسهل القوم صاروا إلى السهل ورجل سهل الخلق والسهولة ضد الحزونة وقد سهُل الموضع بالضم سهولة.
والتسهيل التيسير والتساهل والتسامح ، واستسهل الشيء عده سهلا .
اليسر : ـ هو ضد العسر ، والميسور ضد المعسور ، وقد يسره الله لليسرى ، أي وفقه لها
قال تعالى: (( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى )) [الليل : 7 ] .
اليسر : اللين والانقياد يكون ذلك للإنسان والفرس ، وقد يسر ييسر وياسر ، لاينه ، وياسره أي ساهله ، واليسر السهل ، قليل التشديد .
العفو : وهو من عفا الشيء يعفو إذا صفا وخلص
من أسماء الله تعالى العفو ، من العفو وهو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه وأصله المحو والطمس.
وهو من أبنية المبالغة يقال عفا يعفو عفوا فهو عاف.
فالعفو محو الذنوب ، وهي أي يعفوا عن الناس ويعفوا هم عنه .
الأدلة من الكتاب والسنة على الرحمة والتسامح :
1 – أدلة الرحمة :
قال تعالى: (( قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ )) [ الأنعام : 12 ] ، وقال تعالى: (( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ )) [ الكهف : 58 ] ، وقال تعالى: (( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ )) [ البقرة : 163 ] ، وقال تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا )) [ مريم : 96 ] ، وقال تعالى: (( تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )) [ فصلت : 2 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم « لا يرحم الله من لا يرحم الناس » . وقال صلى الله عليه وسلم « من لا يرحم لا يرحم » .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبى أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار» قلنا : لا والله هي تقدر على أن لا تطرحه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لله أرحم بعباده من هذه بولدها » .
2 – أدلة السماحة :
قال تعالى: ((وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )) [ التوبة : 118 ] ، وقال تعالى: ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)) [ الأعراف : 199 ] ، وقال سبحانه وتعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) [ البقرة : 185 ] .
وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قلت يا رسول الله ما الإسلام قال : " طيب الكلام ، وإطعام الطعام ، قلت ما الإيمان قال : الصبر والسماحة قال : قلت
أي الإسلام أفضل قال : " من سلم المسلمون من لسانه ويده " قال قلت أي الإيمان أفضل قال : خلق الإنسان ، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : إن رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا نبي الله أي العمل أفضل قال " الإيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيله ، قال أريد أهون من ذلك يا رسول الله قال : السماحة والصبر ، قال أريد أهون من ذلك يا رسول الله قال : لا تتهم الله تبارك وتعالى في شيء قضى لك به " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " دخل رجل الجنة بسماحته قاضيا ومتقاضيا » .

من صور الرحمة في الإسلام

1- رحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق :
كان صلى الله عليه وسلم يعامل بالرحمة الصغير والكبير والمؤمن والمشرك ، ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق أن أعرابيا جاء وبال في المسجد ، فزجره الناس ونهروه بشدة ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى الأعرابي بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب " دلو " من ماء فأريق على البول ، ثم دعا الأعرابي فقال له « إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن » قال فأمر رجلا من القوم بدلو من ماء فشنه عليه . .
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوبخ هذا الأعرابي ولم يأمر بضربه ، بل إنه تركه حتى قضى بوله ، حتى لا يتأذى الأعرابي من احتباس البول وحتى لا يتسع موقع النجاسة ، ثم أعلمه أن المساجد لا تصلح لما فعل إنما هي للصلاة والذكر وقراءة القرآن .
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالصبيان أنه كان يرحم الصبيان ويقبلهم ويلاطفهم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنه من لا يرحم لا يرحم » .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم « أوأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة » .
ومن ذلك دعوته للغلام اليهودي إلى الإسلام ، روى الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه قال " كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال " أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم فخرج صلى الله عليه وسلم وهو يقول « الحمد لله الذي أنقذه من النار » .
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالصغار الأمر بحفظ الله تعالى بحفظ حدوده وحقوقه وأمراه ونواهيه ، عن عبد الله بن عباس قال: ركبت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «يا غلام إني معلمك كلمات أحفظ الله يحفظك أحفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» .
وكان صلى الله عليه وسلم حسن المعاشرة لنسائه ويوصي بالنساء خيرا قال صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا» .
فكان صلى الله عليه وسلم في خدمة أهله ، قالت عائشة رضي الله عنها قالت: «كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» .
وكان صلى الله عليه وسلم خير الناس لأهله ، فقد تحدث عن ذلك بنفسه وهو الصادق المصدوق قال «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» .

الأخوة في الإسلام :

إن الله سبحانه جعل المؤمنين إخوة متحابين في الدين، ونهاهم عن التفرق والاختلاف ، قال تعالى: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )) [ الحجرات : 10 ] .
قال صلى الله عليه وسلم «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكانوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» ، وقال صلى الله عليه وسلم : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
فالمؤمن يسره ما يسر أخاه ويحزنه ما يحزنه ، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير ، وهذا إنما يأتي مع سلامة المسلم من الغش والغل والحسد.
فمن صفات المؤمنين سلامة قلوبهم من الغل والحسد ، سلامة ألسنتهم من الغيبة والنميمة ، لإخوانهم المؤمنين السابقين واللاحقين والثناء عليهم والدعاء لهم بالمغفرة مع الدعاء لأنفسهم ، ولا سيما السابقين الأولين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .
قال تعالى : (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )) [ الحشر : 10 ].
وللمسلم على أخيه المسلم حقوق منها زيارته إذا مرض ، ومساعدته في قضاء حوائجه ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحق بقوله «حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس» .
ونهى صلى الله عليه وسلم عن هجران المسلم أخاه المسلم وإعراضه عنه ، وبين أن خير المسلمين هو من يبدأ بالسلام ، فالسلام ليس مجرد كلمة تقال : بل هو ذو معاني ودلائل يغرسها الإسلام في قلوب المسلمين للحيلولة دون كل ما يبعث إلى التنافر والتباغض بينهم .
فمن أعظم ما شرعه الله في الإسلام إفشاء السلام الذي هو تحية أهل الإسلام ، وتحية الملائكة ، وتحية أهل الجنة ، وتحية المؤمنين يوم يلقونه ربهم قال الله تعالى: (( وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ )) [ إبراهيم : 23 ] .

والسنة أن يسلم الراكب على الماشي على القاعد ، والقليل على الكثير ، والصغير على الكبير ، والسلام على حقوق المسلمين بعضهم على بعض قال صلى الله عليه وسلم : «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» .
وأما الكفار فتحرم بداءتهم بالسلام ، فإن بدءونا قنا وعليكم ، قال صلى الله عليه وسلم : « إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم » .

3- الرحمة بالطير والحيوان :

إن الرحمة في الإسلام تجاوزت عالم الإنسان إلى أجناس الطيور والحيوان ، فلا ينبغي أن يؤذي حيوان أو يضرب أو يجوع أو يظمأ، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال : من حرق هذه قلنا نحن ، قال : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار » .
وقال صلى الله عليه وسلم « عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض » .
ودخل الجنة رجل بكلب وجده يأكل التراب من شدة العطش فسقاه ماء ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له» قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا ، قال: «نعم في كل ذات كبد رطبة أجر» .

4- صلة الرحم :

من صور التراحم في الإسلام الأمر بصلة الأرحام وهم الأقارب والأنساب ، وذلك بزيارتهم وتفقدهم والعطف عليهم ، فصلة الرحم سبب لدخول الجنة وصلة الله للعبد في الدنيا والآخرة ، وهي تدعم أواصر المجتمع وتقويه ، وهي سبب لطول العمر وكثرة الرزق ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه » .
قال الله تعالى: (( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ )) [ الرعد : 21 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم : « الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله » .
والذي ينبغي على الإنسان أن يصل أرحامه وإن قطعوه ، ويحسن إليهم ولو أساءوا إليه إذ ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها .
ولذلك حذر الإسلام من قطيعة الرحم وبين أنها سبب للعنة الله وعقابه ، قال الله تعالى: (( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ )) [ محمد : 22 ] . قال صلى الله عليه وسلم: « لا يدخل الجنة قاطع » .

وأعظم القطيعة (قطيعة الوالدين) ثم من كان أقرب من القرابة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر " ثلاثا قالوا: بلى يا رسول الله قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين " وجلس وكان متكئا فقال " ألا وقول الزور " قال: فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» . .

5- بر الوالدين :

من أعظم الحقوق على الإنسان بعد حق الله سبحانه وتعالى حق الوالدين : فقد جعل الله ذلك في المرتبة التي تلي حقه سبحانه ، المتضمن لحقه وحق رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى: (( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )) [ النساء : 36 ] .
وقال تعالى: (( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ )) [ لقمان : 14 ] .
ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين مقدما على الجهاد في سبيل الله ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : «الصلاة على وقتها قال ثم أي؟ قال: بر الوالدين قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله » .
وبر الوالدين يكون بالإحسان إليهما بمخاطبتهما باللين والتلطف معهما ، وقضاء حوائجهم والسعي في خدمتهما ، وطاعتهما في غير معصية الله ، والإحسان إليهما وبرهما ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من قال: ثم أمك قال: ثم من قال: ثم أمك قال: ثم من قال: ثم أبوك» .
ولقد أوصى الله سبحانه وتعالى بصحبة الوالدين بالمعروف حتى وإن كانا كافرين ، بل وإن كانا يأمران ولدهما المسلم أن يكفر بالله ، لكن لا يطيعهما في الكفر ، قال تعالى: (( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا )) [ لقمان : 15 ] .
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال : «نعم صلي أمك» ، وإن بر الوالدين كما يكون في حياتهما يكون أيضا بعد مما تهما قال صلى الله عليه وسلم « إن من أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه » .

6- حسن الجوار :

أوصى الإسلام بالجار وأمر بالإحسان إليه ، وحذر من إيذائه قال صلى الله عليه وسلم « مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه » .
فالإحسان إلى الجار من علامات الإيمان ، قال صلى الله عليه وسلم : « وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ».
وقال صلى الله عليه وسلم « والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن " قالوا ما ذاك يا رسول الله ، قال " من لا يأمن جاره بوائقه " قالوا: يا رسول الله وما بوائقه؟ قال: شره» .
وعلى المسلم أن يتفقد أحوال جيرانه ويساعدهم بما يستطيع ، والجار له حرمة عظمها الله ورسوله ، وإن انتهاكها يضاعف العذاب ويؤدي إلى فظاعة الجرم وتنكيل العقاب ، قال صلى الله عليه وسلم « لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره » قال « ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره » .






   رد مع اقتباس

قديم 14-09-2009, 12:51 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
etoile1980

عضو شرف

 







etoile1980 غير متواجد حالياً

الرابط غير فعال ارجو تصحيحه وشكرا لك






   رد مع اقتباس

قديم 14-09-2009, 01:42 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو







السر الخفي غير متواجد حالياً

تتمة الموضوع

السماحة في الإسلام


معنى السماحة في الإسلام هي التسهيل والتيسير في الأحكام والتكاليف الشرعية وتخفيف الأعباء عن كاهل الإنسان وعدم تحميله ما لا يطيق ، وفقا للضوابط الشرعية ، وتلبية لنداء الفطرة واستجابته لمتطلباتها في وسطية واعتدال ، ودعوته للخير والصلاح ، ورفض العنف وأشكاله .

ففي العقيدة فالإسلام هو دين الوسطية والاعتدال وهو ضد الغلو والتطرف قال الله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا )) [ البقرة : 143] ، وقال صلى الله عليه وسلم « هلك المتنطعون » قالها ثلاث ، وقال صلى الله عليه وسلم « يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا » .
ولقد جاءت الشريعة بحفظ الضرورات الخمس الدين والنفس والعقل والعرض والمال ، ولا يجوز قتل الأنفس المعصومة ، قال تعالى: (( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )) [ الأنعام : 151 ].

وقال صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا » .
ولقد حذرت الشريعة الإسلامية السمحة من التكفير وخطورته قال صلى الله عليه وسلم « أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما » .
في العبادات جاء الإسلام بالتيسير على الناس فمن ذلك في الطهارة شرع المسح على الخفين، وشرع التيمم في حال فقدان الماء أو الخوف من استعماله لبرد أو مرض أو نحوه .

قال صلى الله عليه وسلم: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» .
وفي الصلاة شرع للإنسان أن يصلي بحسب حاله واستطاعته وقدرته ، قائما أو قاعدا أو على جنبه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب» .
وشرع في الصلاة الجمع والقصر عند السفر وعند الحاجة ، وفي الصيام التيسير على المريض وعلى المسافر بأن رخص الفطر لهم تيسيرا عليهم ، قال الله تعالى: (( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )) [ البقرة :185 ].

ومن صور التسامح في الإسلام

1- الرفق : وهو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف ، ولقد تحلى قدوة الدعاة ، وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم بالرفق في أقواله وأفعاله مع من دعاهم إلى الله تعالى ، من ذلك أن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال «يا رسول الله ائذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مه مه ، قال أدنه فدنا منه قريبا قال: فجلس قال :" أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك، قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه» لم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء .
قال صلى الله عليه وسلم « إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه » .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «استأذن رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليك ، فقلت: بل عليكم السام واللعنة فقال: يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله " قلت أولم تسمع ما قالوا قال: " قلت وعليكم" » .

2- الحلم والعفو : كذلك من صور سماحة الإسلام الحلم مع الناس والعفو عن المسيئين ، والحلم وهو أن يضبط الإنسان نفسه ويكتم غيظه ، ويعفو عمن ظلمه ويحسن لمن أساء إليه ، ويصل قطعه ، قال تعالى: (( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )) [ الأعراف : 199 ] .
ولقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه ، فقد كان صلى الله عليه وسلم عظيما في التحلي بصفة الحلم ، وقد كان مطبوعا على الحلم والعفو مع القدرة على الانتقام أو المحاسبة ، فحلمه صلى الله عليه وسلم أوسع من أن يحاط بجوانبه ، فقد كذب وأوذي واضطهد من قومه ، ويوم فتح الله له مكة قال « يا معشر قريش، ما ترون إني فاعل فيكم " قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قال " اذهبوا فأنتم الطلقاء" » .
ولقد عفا النبي عن الرجل الذي أراد قتله ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال « ..... فجاء رجل منم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله عز وجل فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني؟ قال كن كخير آخذ قال : أتشهد أن لا إله إلا الله ، قال: لا ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله قال: فذهب إلى أصحابه قال: قد جئتكم من عند خير الناس » .
قالت عائشة رضي الله عنها: وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل .
يتبين من ذلك فرط شجاعته صلى الله عليه وسلم وقوة يقينه ، وصبره على الأذى ، وحمله على الجهال ، وعفوه وعدم انتقامه ممن أساء له .

3- التسامح مع غير المسلمين :

الإسلام ضمن للجميع حقوقهم حتى لغير المسلمين ضمن لهم حقوقهم والعدل معهم ، قال تعالى: (( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ )) [المائدة :8 ] .
وحذر من الظلم والبغي ، قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ )) [ النحل : 90 ] .
قال تعالى: (( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )) [ النساء : 58 ] ، وصان العهود والمواثيق حتى مع غير المسلمين ، وحرم الخيانة والغدر ، قال تعالى: (( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا )) [ النحل : 91 ] .
وقد طبق ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي معاهدته لنصارى نجران ، ضمن لهم حقوقهم لنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وأرضهم، وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم لا يغير أسقف عن سقيفاه ولا راهب عن رهبانيته ولا واقف عن وقفانيته وأشهد على ذلك شهودا منهم أبو سفيان بن حرب والأقرع بن حابس والمغيرة بن شعبة فرجعوا إلى بلادهم فلم يلبث السيد والعقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري .
وفي المدينة المنورة حيث تأسس المجتمع الإسلامي الأول ، وعاش في كنفه اليهود بعهد مع المسلمين والتعامل معهم بغاية السماحة والحلم حتى نقضوا العهد وخانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد حرم الإسلام الظلم على الجميع ، وحرم ظلم المعاهدين ، قال صلى الله عليه وسلم «ألا من ظلم معاهدا أو انتقضه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة » .
وشدد الوعيد على من هتك حرمة دمائه ، قال صلى الله عليه وسلم « من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما».
ولقد سار الخلفاء الراشدين والسلف الصالح على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملة غير المسلمين المعاملة الحسنة والتسامح معهم وإعانتهم بالمال والنفس عند الحاجة .
ولقد تأسست المملكة العربية السعودية منذ نشأتها على هدي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتطبيق الشريعة الإسلامية ، وصانت لغير المسلمين أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأعطتهم حقوقهم بموجب عقد الأمان الذي دخلوا بها البلاد ، فلا يجوز الاعتداء عليهم أو التعرض لهم بالأذى ، بل يعاملونهم المعاملة الحسنة التي تمليها تعاليم الدين الإسلامي عليهم .

الآثار الايجابية المترتبة على الرحمة والتسامح

- زيادة الانتماء للوطن .
- بث روح الأخوة والتعاون وتقوية أواصر المحبة في المجتمعات الإسلامية والعربية ، وقد طبقت المملكة هذا المبدأ ومن منطلق ثوابتها الدينية من خلال اهتمامها بقضايا المسلمين وخاصة القضية الفلسطينية ، ومن خلال قيامها بتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين من الأشقاء والأصدقاء في البلدان العربية الإسلامية والعربية وغيرها ، بمدهم بما يحتاجون إليه من المؤن الطبية والغذائية والسكنية وغيرها ، على سبيل المثال لا الحصر المساعدة المتضررين من الكوارث في أندونيسيا وتقديم المساعدات للشعب الفلسطيني واللبناني ، حتى أطلق عليها مملكة الإنسانية .
- إيضاح سعة رحمة الله سبحانه وتعالى وفضله وإحسانه ، وانعكاس ذلك في تكوين شخصية الفرد المسلم .
- إيضاح محاسن الدين الإسلامي وأنه هو دين الرحمة والتسامح .
- غرس العقيدة الصحيحة في نفوس الناس .
- تعزيز مبدأ التكافل الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية والعربية .


من صور الرحمة والتسامح في الإسلام تطبيق شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


الحسبة من أهم الولايات الشرعية وأعظمها ، إذ اقترن وصف الأمة المسلمة القائمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالخيرية ، وذلك لأن في إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمان واستقرار لهذه الأمة ، كما أن سبب هلاكها في تضييعه وإهماله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في الجهاد في سبيل الله ، فلذلك أحببنا أن نعرض للرحمة والتسامح في الجهاد ، في هذا الجانب منه .

- التعريف اللغوي:

المعروف : هو ما تعارف عليه الناس وعلموه ولم ينكروه ، والمعروف ضد المنكر ، وهو خلاف النكر ، وقيل المعروف الخير كله ، والمعروف كلمة تتضمن المعرفة والإحسان .
والمنكر : هو ما جهله الناس واستنكروه وجحدوه ، وقيل المنكر : شر كله ، والمنكر كلمة : تتضمن معنى الإنكار والاستهجان .

التعريف الشرعي :

المعروف : هو كل ما أمر به الشرع وعرفه ومدح وأثنى على أهله من الإحسان وأعمال البر ، ويدخل في ذلك جميع الطاعات ، وفي مقدمتها توحيد الله عز وجل والإيمان به ، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه ، من المحسنات والمقبحات .
والمنكر : هو كل ما نهى عنه الشرع وأنكره وذمه وذم أهله ، ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع ، وفي مقدمتها الشرك بالله وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام ، وهو كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر .

عظم شأنه وفضله :

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منزلته في الإسلام عظيمة ، فجماع الدين وجميع الولايات أمر ونهي ، فالأمر الذي بعث الله به ورسوله هو الأمر بالمعروف ، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا ما وصف به الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ )) [ الأعراف : 157 ] .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من آكد الأصول الإسلامية ، حتى عده أكثر العلماء الركن السادس من أركان الإسلام وما ذلك إلا لمنزلته العظيمة في الدين ، وإنما أرسلت الرسل وأنزلت للأمر بالمعروف والذي أصله توحيد الله والإخلاص له ، والنهي عن المنكر الذي أصله الشرك بالله وعبادة غيره .

إذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتوقف قيام الدين ، فلولاه ما قام الإسلام ، ولا ظهر دين الله ، ولا علت كلمته ، ويتوقف قيام الدولة الإسلامية واستقامتها وصلاحها وكذلك صلاح العباد ، على القيام به .
ولعظم شأنه فقد قدمه الله سبحانه وتعالى على الإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام ، ونالت هذه الأمة الخيرية بقيامها به ، كما في قوله تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )) [ آل عمران : 110 ] .
ولعظم الحاجة إليه فقد قدمه الله سبحانه على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وبين سبحانه أن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم من أهل الرحمة، قال عز شأنه (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ )) [ التوبة : 71 ].
وسبب الفلاح القيام به ، قال تعالى: (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) [آل عمران : 104 ] .
وأثنى الله تعالى على القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال : (( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )) [ التوبة : 112 ] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة من مصائب الدنيا وعقوبات الآخرة , قال تعالى: (( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ )) [ الأعراف : 165 ].
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتحقيقه تتحقق المصالح الأمة ونجاتها ، ويكثر فيها الخير ، وتظهر فيها الفضائل ، وتختفي منها الرذائل .

الآثار المترتبة على تركه :

في إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير واختفاء الفضائل وظهور الرذائل ، وبإضاعته تكون الكوارث العظيمة والشرور الكبيرة وتظهر الرذائل وتنتشر ، وتختفي الفضائل ، وتظهر فيها المنكرات ، ويسود فيها الظلم والفساد ، ومنها :
1- أن إضاعته والتفريط به سبب للعن الله سبحانه وتعالى وغضبه ومقته وحلول عقابه في الدنيا والآخرة ، ولما فرط بنو إسرائيل في ذلك أضاعوه ، قال الله تعالى في حقهم: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )) [ المائدة : 78 – 79 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم « كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن علي يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا » .
2- أن عدم القيام به سبب لعدم استجابة الدعاء وعدم النصر من الله سبحانه وتعالى ، كما ورد في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه صلى الله عليه وسلم قال : « يا أيها الناس إن الله عز وجل يقول مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم وتسألوني فلا أعطيكم وتستنصروني فلا أنصركم » .
وقال صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم » .
3- أن المعاصي والذنوب هي سبب المصائب والعقوبات ، وأن الطاعة وإحسان العمل سبب النعمة ، قال تعالى: (( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ )) [ الشورى : 3 ] ، وقال (( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )) [النحل : 112 ] .
وقال تعالى: (( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )) [ العنكبوت : 27 ] ، وقال: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )) [ الأنفال : 33 ] .
4- أن ترك المنكرات تفشو في المجتمع والسكوت على الفساق وعدم الإنكار عليهم سبب لهلاك المجتمع في الدنيا والآخرة .
فالرسول صلى الله عليه وسلم رتب النجاة من غرق السفينة بنهي الذين في أعلى السفينة لأسفلها من أن يخرقوا في نصيبهم خرقا ، وبالتالي تغرق السفينة بمن فيها جميعا ، قال صلى الله عليه وسلم : « مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا » .
فالسكوت عمن أرادوا خرق السفينة يكون جميع الشركاء فيها سواء ولم يتميز المفسدة في الهلاك من غيره ، ولا الصالح منهم من الطالح ، كذلك إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يميز بين مرتكب الإثم وغيره ولا بين الصالح منهم ، عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه وهو يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " وعقد سفيان بيده عشرة ، قلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الحبث» .
فإذا كثر الخبث يعم الله الصالح والطالح ثم يبعث الناس على نياتهم ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء الأرض يخسف بأولهم وآخرهم " قالت: قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟ قال : يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم »
5- أن السكوت على إنكار المنكر يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي والمجاهرة بها ، فتقوى شوكة أهل الشر ويضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر ، فيزاد بذلك الشر وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية.
6- أن بترك إنكار المنكر يندرس العلم ويكثر الجهل .
7- أن ترك الإنكار مع القدرة موجب للعقوبة المعنوية وهي بموت القلوب حتى لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، وللعقوبة الحسية وتكون في الأموال والأنفس والأولاد وتسليط العداء ، فمع كثرة مشاهدته للمنكرات وإلفه لها وعدم إنكاره على أهلها يكون قلبه بذلك مريضا منكوسا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكر ، قال صلى الله عليه وسلم : « تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه » .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمملكة العربية السعودية :

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر به يسود الأمن و الاستقرار ويسمو بها إلى أعلى مراتب الفضيلة ، فهو سفينة النجاة للمجتمع لحفظه من الغرق .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجود بالمملكة منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ( طيب الله ثراه) ، فقد أولاه رحمه الله جل اهتمامه وعنايته بعد فتح الرياض . وإدراكا من قادة هذه البلاد (وفقهم الله) لأهمية رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودورها الرائد في خدمة المجتمع ، أنشأت لها إدارة تعنى بها وترعى شؤونها هي الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقدمت لها الدعم والمؤازرة ، فهي الدولة الوحيدة في هذا المجال الهام ، فالرئاسة تؤدي رسالتها المباركة هذه من منطلق شرعي وفق توجيه إلهي . ثم برعاية ودعم من قادة هذه البلاد ( وفقهم الله) وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين .
واجبات الهيئة :
بينت المادة التاسعة من الباب الرابع لنظام الهيئة ، أن من أهم واجبات الهيئة :
- إرشاد الناس ونصحهم لإتباع الواجبات الدينية المقررة في الشريعة الإسلامية ، وحمل الناس على أدائها .
- النهي عن المنكر بما يحول دون ارتكاب المحرمات والممنوعات شرعا ، أو اتباع العادات والتقاليد السيئة أو البدع المنكرة

الرحمة والتسامح من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
يتضح ذلك من إنجاز الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال :

1- مجال الأمر بالمعروف :

من باب الرحمة بالناس والمجتمع ونشر الفضيلة والخير بين الناس ، ومن باب التعاون على البر والتقوى والسعي لهداية الناس للخير ، تقوم الهيئة بجهود جليلة في مجال توعية وإرشاد وتوجيه المجتمع ويتضح ذلك من خلال ما تم إنجازه في هذا المجال :
حيث تم إقامة (50) مركزا توجيهيا لتوعية أفراد المجتمع ، وعقد ( 741 ) ندوة ، وإلقاء ( 2756 ) محاضرة و ( 21517 ) كلمة وعظيمة قصيرة ، كما تم توزيع ( 5904074 ) مطبوعة مقروءة و ( 1103887 ) مطبوعة مسموعة ، وذلك لتوجيه الشباب عن الوقوع في المخالفات وتحذيرهم من المنكرات لا سيما في المواسم والإجازات .

2- مجال النهي عن المنكر :

تقوم الرئاسة بمكافحة المنكرات الظاهرة والحيلولة دون وقوعها وفقا للصلاحيات المخولة لهم من ولاة الأمور ( يحفظهم الله ) وذلك لحماية المجتمع وسلامته من تفشي المنكرات فيه والمجاهرة بها ، حفاظا على أمن المجتمع من الشرور والآثام .
ويتضح ذلك من خلال ما تم ضبطه من وقوعات ، حيث تم ضبط ( 390117 ) واقعة ، منها ( 24919 ) قضية أحيل أطرافها البالغ عددهم ( 37527 ) شخصا لجهة الاختصاص ، وتمثل ما نسبته 60 % من إجمالي الوقوعات ..ومنها ( 365198 ) مخالفة أنهى وضع أطرافها البالغ عددهم ( 365198 ) شخصا داخل مراكز الهيئة بالمناصحة والتعهد ، وتمثل ما نسبته 94 % من العدد الإجمالي للوقوعات … ، ويتضح من ذلك حرص الرئاسة العامة والعاملين فيها على الستر وتطبيق مبدأ التسامح في الإسلام ، لأن الإسلام لا يتوق للعقوبة كهدف وإنما كوسيلة إصلاح .
في ختام هذا البحث أسأل الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وقفت لتقديم ما ينفع الإسلام والمسلمين ، ويبين الصورة الحقيقة للإسلام ، دين الرحمة والسماحة والعدالة ، والله الموفق .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .






   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الرحمة, القرآن, الكريم, والتسامح


جديد مواضيع قسم منتدى الفقه الاسلامي والفتاوي الدينية والاعجاز العلمي والصوتيات
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 09:24 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير