العودة   منتدى النرجس > المنتديات الأدبية > منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 03-06-2010, 11:16 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
وليدالحمداني
إدارة الموقع
 







وليدالحمداني غير متواجد حالياً

 

Sss20 مَلامِحُ النّقد الأدبي وَمقاييسهُ في العصر الجاهِلِيِّ

النقد الأدبي . مقاييس النقد في العصر الجاهلي . الأدب العربي

النقد الأدبي ملكة وذوق
وفطرة، قبل أن يكون علماً وأصولاً وقواعد، وكما وجد الأديب المنشئ الذي وهب ملكة
الإنشاء والإِبداع الأدبي، الذي يستطيع أن يصور في أسلوب مثير ما يجيش به خاطره،
وما يَعتمل في فؤاده من أفكار وخواطر وأحاسيس..- كما وجد الأديب المنشئ المبدع، فقد
وجد- كذلك- الإنسان الذواقة، المرهف الإحساس، النافذ النظر، الذي يستطيع أن يكشف
عما في العمل الأدبي من جمال أو قبح، وأن يصل إلى ما خفي من سماته وشاراته، التي
تكسبه المكانة العالية إن كانت سماته وشاراته جميلة، أو التي تنزل به إلى الدرك
الأسفل في باب الفن الأدبي، إن كانت قبيحة.

ونخلص من هذا إلى القول
بأنه إذا كان العرب قد وهبوا ملكة الإنشاء والإبداع الأدبي، وجادت ملكتهم بروائع
الشعر والنثر، فقد وهبوا- كذلك- ملكة النقد والتذوق الأدبي، لما أنشأه المنشئون من
شعرائهم، ونخلص- أيضاً- إلى القول بأن النقد الأدبي نشأ مع النتاج الأدبي جنباً إلى
جنب، وأن الناقد الأدبي وجد في الوقت الذي وجد فيه الأديب المنتج.

وهذا يعنى أن العرب
القدامى قد عرفوا النقد الأدبي وزاولوه، عرفوه فطرة وطبيعة، وزاولوه ذوقاً
وإحساساً، وطبقوه على نتاجهم الشعري، ولكنهم لم يعرفوه علماً وفناً، له أصوله
وقواعده إذ لم يسموا عملهم هذا نقداً، ولم يصفو هذا الوصف، لأن كلمة (نقد)- مقصوداً
بها تمييز جيد الكلام من رديئه- لم تستعمل إلا في القرن الثالث الهجري حيث أضيفت
إلى الشعر مرة، وإلى النثر ثانية، والى الكلام مرة ثالثة، وأخذ الناس يقولون: نقد
الكلام، وهو من نقدة الشعر ونقاده، وانتقد الشعر على قائله [1] واستعمل الشعراء النقد بهذا المعنى كذلك، فقال
بعضهم:

رف صعب فكيف نقد
الكلام [2]
إن نقد الدينار
إلا على الصي

واستخدم المؤلفون هذا
التعبير، وأول من استعمله (قدامة [3] بن جعفر) وذلك
حين أطلق على كتابه (نقد الشعر) ثم مضى الناس على إثره، فوجدنا كتاب (نقد النثر)
فالأرجح أنه لغيره وليس له، ووجدنا (ابن رشيق [4] ) يعنون كتابه ب (العمدة في صناعة الشعر ونقده
).

ملامح النقد
الجاهلي:

والناقد الأدبي يعنى النظر
الدائب الفاحص في النتاج الأدبي، للكشف عما فيه من جوانب الجمال، أو مواضع القبح ،
ولذا كان أول شيء مارسه العرب القدامى من شئون النقد الأدبي، هو نظر الشعراء منهم
إلى نتاجهم، فكان أغلبهم يتناول شعره بالنظر والتأمل، فلا يزيده النظر والتأمل إلا
احتفاءً به وحباً له، ورغبة في تثقيفه، ومحاولة دائبة لصقله، حتى يصل به إلى درجة
يشعر معها أنه راض كل الرضا.

وقد اشتهر من هؤلاء
الشعراء الذين عنوا بأشعارهم، ووقفوا بأبواب قوافيه، بل باتوا بها- كما كانوا
يقولون- اشتهر من هؤلاء زهير [5] بن أبى سلمى،
وكعب [6] بن زهير، والحطيئة [7] .. فكان الواحد منهم يمضى عاماً كاملاً ينقح قصيدة
واحدة، حتى يصل بها إلى درجة يظن معها أن قصيدته نالت رضاه واستحسانه، وقد سميت هذه
القصائد – لذلك- بالحوليات والمنقحات والمحككات.

فها هو ذا كعب بن زهير،
يذكر الشعر وحاجته إلى التقويم والتثقيف، ويذكر فضله وفضل الحطيئة في هذا الشأن
فيقول:

إذا ما ثوى كعب وفوز
جرول [8]
فمن للقوافي
شانها من يحوكها
فيقصر عنيا كل ما
يتمثل [9]
يقومها حتى
تلين متونها

والحطيئة يذكر صعوبة
المرتقى إلى جيد الشعر، وحاجة الشاعر إزاءه إلى الجهد والخبرة؛ إذ يقول: [10]

إذا ارتقى فيه الذي لا
يعلمه
الشعر صعب
وطويل سلمه
يريد أن يعربه فيعجمه
[11]
زلت به إلى
الحضيض قدمه

وهو الذي يقول: "خير الشعر
الحولي المنقح المحكك " [12]

وعناية الشاعر الجاهلي
بشعره: بالنظر فيه وتقويمه وتثقيفه منحي نقدي جاهلي، سار على نهجه كثير من الشعراء
الذين تتابعوا عبر العصور.

ومن هؤلاء الشعراء الذين
جروا في طلق الشعراء الجاهليين عدى [13] بن الرقاع،
وسويد [14] بن كراع، ومروان [15] بن أبي حفصه، فها هوذا عدى بن الرقاع يتحدث عن
تقويمه لشعره وتثقيفه له فيقول:

حتى أقوم سيلها وسنادها
[16]
وقصيدة قدبت
أجمع بينها
حتى يقيم ثقافه منادها
[17]
نظر المثقف في
كعوب قناته

هذا سويد بن كراع يصف نزعة
الصناعة وصفاً أدبياً في وجه البداهة والإرتجال إذ يقول: [18]

أصادي بها سرباً من الوحش
نزعا [19]
أبيت بأبواب
القوافي كأنما
يكون سحيراً أو بعداً
فأهجعا [20]
أكالئها حتى
أعرس بعد ما

ثم يقول:

فثقفتها حولاً حريداً
ومربعا [21]
وجشمني خوف ابن
عفان ردها
فلم أر إلا أطيع وأسمعا

وقد كان في
نفسي عليها زيادة

وأما مروان بن أبي حفصة
فيتحدث عن صناعته لشعره، ومعاودة النظر فيه وتقديمه، فيقول: "كنت أعمل القصيدة في
أربعة أشهر، وأحككها في أربعة أشهر، وأعرضها في أربعة أشهر، ثم أخرج بها إلى الناس،
فقيل له: فهذا هو الحولي المنقح " [22] .

ولم يقف الأمر بالشعراء
الجاهليين عند حد شعرهم بالتأمل فيه والنظر إليه، ومحاولة تنقيحه وتهذيبه... بل
تعدوا ذلك ، فكان منهم من يتجاوز النظر في شعره إلى النظر في شعر غيره، فيتناوله
بالفحص والتدقيق وإنعام النظر فيه مرة بعد مرة، ثم يعقب على ذلك، بما يرى من
استحسان أو استهجان.

ومن الأمثلة التي روتها
كتب الأدب لحكم بعض الشعراء على بعض، ما روى أن النابغة [23] الذبياني فقد حسان [24] بن ثابت، حصان أنشده قوله:

وأسيافنا يقطرن من نجدة
دما
لنا الجفنات الغر يلمعن في
الضحى

نقده بقوله: أقللت جفانك
وسيوفك (لأن الجفنات هي الجمع لأدنى العدد، أما الكثرة فتجمع على جفان، وكذلك
الأسياف لأدنى العدد، والكثرة سيوف) وقلت يلمعن في الضحى) ولو قلت: يبرقن في الدجى
لكان أبلغ، لأن الضيف في الليل أكثر، وقلت يقطرن من نجدة دما) فدللت على قلة
القتل، ولو قلت: يجرين لكان أكثر لانصباب الدم.

ومنها ما روى أن أهل
المدينة نقدوا شعر النابغة الذي وقع فيه (الإِقواء) [25] وهو قوله:

عجلان ذا زاد و غير
مزود [26]
من آل مية رائح أو
مغتد
وبذاك خبرنا الغراب
الأسود [27]
زعم البوارح أن رحلتنا
غداً

وقوله:

فتناولته واتقتنا باليد
[28]
سقط النصيف ولم ترد
إسقاطه
عنم يكاد من اللطاف يعقد
[29]
بمخضب رخص كأن
بنانه






   رد مع اقتباس

قديم 03-06-2010, 11:28 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
وليدالحمداني
إدارة الموقع
 







وليدالحمداني غير متواجد حالياً

ويروي أبو عمرو[30]
بن العلاء أن الذبياني، لما قدم يثرب على الأوس
والخزرج - وكان أهل الحجاز من المعجبين بشعره، وكانوا قد عرفوا الإِقواء في شعره-
دسّوا له قينه( جاريه) تغنيه به، فغنته ومدت صوتها بالقوافي، فظهر الإختلاف في
حركتها ؛وتنبه النابغة لما جاء منها مضموماً، وهى مكسورة كلها، فأصلحه على الوجه
الآتي :


وبذاك تنعاب
الغراب الأسود

زعم البوارح أن رحلتنا
غداً
عنم على أعضائه لم
يعقد


بمخضب رخص كأن
بنانه




وقال: "قدمت الحجاز وفي
شعري هنة، ورحلت عنه وأنا أشعر الناس" [31] .


و منها نقد طرفة [32] بن العبد لقول المتلمس: [33]

بناج عليه
الصيعرية مكدم [34]

وقد أتناسى الهم عند
ادكاره


نقده بقوله: (استنوق
الجمل) [35] يعني طرفة أن الشاعر قد وصف الجمل بما توصف به
الناقة ، لأن الصيعرية سمة تكون في عنق الناقة لا الجمل.


ومن الأمثلة على هذا اللون
من النقد- أيضاً- ما روى أن الحطيئة سئل: من أشعر العرب؟ قال: الذي
يقول:


يفره ومن لا يتق الشتم
يشتم [36]

ومن يجعل
المعروف من دون عرضه


يقصد بهذا زهيراً، وسئل:
ثم من؟ قال الذي يقول:


و سائل الله لا يخيب

من يسأل الناس
يحرموه


يقصد عبيد بن الأبرص [37] .

وليس ما تقدم من نظرات
جاهلية نقدية- من نظر الشاعر في شعره، ومحاولته تهذيبه وتثقيفه، ومن نظره- أحياناً-
إلى شعر غيره والحكم عليه- ليس ما تقدم هو كل ما قام به النقد الجاهلي من دور في
تقويم الشعر العربي الجاهلي، والوصول به إلى درجة من الكمال الفني... بل إن النقد
الجاهلي قد ساهم بلون آخر من ألوانه التي عملت على النهضة بالشعر العربي، هذا اللون
هو المفاضلة أو الموازنة بين الشعراء.


وتروي كتب الأدب أن
النابغة الذبياني، كانت تضرب له قبة في سوق عكاظ، حيث يفد إليه الشعراء يعرضون عليه
نتاجهم، فإذا به يستمع إليهم جميعاً، ثم يحكم في النهاية لمن نالت قصيدته الرضا
والاستحسان.


وقد ساعد على هذا اللون من
النقد، وعمل على وجوده دواع كثيرة، ومواقف متعددة، منها (تلك المواسم والأسواق،
والمجامع الجامعة، والمحافل الحافلة، التي كان العرب يحضرونها بما لديهم من
المفاخر، يتبادلون عندها المنافع، ويتناشدون الأشعار، متباهين بجودتها، وقد جلس
للحكم بينهم وتفضيل بعضهم على بعض فيها سادة مقدمون، ولسن معاول [38] ) ومنها تلك المواقف التي كثيراً ما(يلتقي فيها
شاعران على بساط المنافسة الأدبية، أو يجريها اللجاج حول بعض الأمور إلى التماس
الفوز عن طريق الحكم لأحدهما بالأصالة والمنزلة الشعرية)[39].


وتروى لنا كتب الأدب
مشهداً من تلك المشاهد التي كانت بين النابغة والشعراء في عكاظ، أنشده الأعشى مرة،
ثم أنشده حسان بن ثابت، ثم شعراء من بعده، ثم الخنساء أنشدته قصيدتها في رثاء أخيها
صخر التي منها:


كأنه علم في رأسه
نار

وإن صخراً
لتأتم الهداة به


فأعجب بالقصيدة، وقال
لها:" لولا أن أبا بصير- يعني الأعشى- أنشدني لقلت: إنك أشعر الجن والإِنس ".
فالأعشى إذن أشعر الذين أنشدوا النابغة، والخنساء تليه منزلة وجودة شعر[40] .


ومن الأمثلة على هذا اللون
من النقد الذي يقوم على المفاضلة بين الشعراء ما روى أن رهطاً من شعراء تميم
اجتمعوا في مجلس شراب، وهم: الزبرقان [41] بن بدر،
والمخبل [42]
السعدي، وعبدة [43] بن الطبيب،
وعمرو[44] بن الأهتم، اجتمعوا قبل أن يسلموا وبعد مبعث
النبي صلى الله عليه وسلم ، وتذاكروا أشعارهم، وقال بعضهم:" لو أن قوماً طاروا من
جودة الشعر لطرنا "، فتحاكموا إلى أول من يطلع عليهم ، فطلع عليهم ربيعة بن حذار
الأسدي أو غيره في رواية، وقالوا له:" أخبرنا أينا أشعر؟" فقال:" أما عمرو فشعره
برود يمنية تطوى وتنشر، وأما أنت يا زبرقان فكأنك رجل أتى جزوراً قد نحرت، فأخذ من
أطايبها، وخلطه بغير ذلك، أو قال له: شعرك كلحم لم ينضج فيؤكل، ولا ترك نيئاً
فينتفع به، وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من الله يلقيها على من يشاء من عباده، وأما
أنت يا عبدة فشعرك كمزادة أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء" [45] وفي رواية أخرى أنه قال لعمرو: "وأما أنت يا
عمرو فإن شعرك كبرود حبر، يتلألأ فيها البصر، فكلما أعيد فيها النظر نقص البصر،
وقال للمخبل: وأما أنت يا مخبل، فإن شعرك قصر عن شعرهم وارتفع عن شعر غيرهم، وقال
لعبدة: وأما أنت يا عبدة فإن شعرك كمزادة أحكم خرزها، فليس تقطر ولا تمطر"[46] .


ومن الأمثلة على هذا
اللون- أيضاً- ما روي أن امرؤ القيس[47] كان جالساً
بخبائه، وعنده زوجه (أم جندب) الطائية، فجاءه علقمة [48] بن عبدة التميمي، وتذاكرا أمر الشعر، وادعى كل
منهما لنفسه فيه ما ليس عند صاحبه، فاتفقا على أن ينشدا، وتحكم بينهما (أم جندب)
فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:


نقضي لبانات الفؤاد
المعذب

خليلي مرا بي
على أم جندب


ومنها في وصف
جواده:


وللزجر منه وقع أفرج
منعب [49]

فللسوط ألهوب
وللساق درة


وقال علقمة
يعارضه:


ولم يك حقاً كل هذا
التجنب

ذهبت من
الهجران في كل مذهب


ووصف فيها جواده
فقال:


يمر كمر الرائح
المتحلب [50]

فأدركهن
ثانياً من عنانه


فلما فرغا قضت (أم جندب)
لعلقمة على امرىء القيس، فسألها:" بم فضلته علي؟" فقالت: "فرس ابن عبدة أجود من
فرسك، فأنت زجرت وحركت ساقيك، وضربت بسوطك، أما علقمة فأدرك بفرسه غرضه، ثانياً من
عنانه، لم يضربه بسوط ولم يجهده ".


مقاييسه:

ولسائل أن يسأل ويقول: على
أي نحو كان هذا النقد الجاهلي؟ أكانت له أصول وأسسه يتم على أساسها تقويم الشعر
الجاهلي، أم كان مجرد نقدات فطرية، ونظرات ذوقية ؟


نستطيع أن نقول: إن النقد
الذي مارسه قدامى النقاد العرب- في بدايات النقد وأولياته- لم تكن له أصول معروفة،
ولا مقاييس مقررة، بل كان مجرد لمحات ذوقية، ونظرات شخصية، تقوم على ما تلهمهم به
طبائعهم الأدبية، وسليقتهم العربية، وأذواقهم الشاعرة، وحسهم اللغوي الدقيق بلغتهم،
وإحاطتهم بأسرارها، ووقوفهم على ما للألفاظ من دلالات وإيحاءات في شتى صورها،
بالإضافة إلى ما تزودهم به الطبيعة العربية الجاهلية من معارف وتقاليد، تساعدهم
كثيراً في لمحاتهم النقدية، ونظراتهم الشعرية.


وحينما نحاول تطبيق هذه
المقاييس الذوقية الفطرية التي على أساسها كان الناقد الجاهلي يستلهم أحكامه، ويبنى
نقده..- حينما نحاول تطبيق ذلك على ما تقدم من لمحات نقدية، نجد ذلك واضحاً تمام
الوضوح.


فنقد النابغة الذبياني
لشعر حسان بن ثابت- والذي أوردناه من قبل- كان مستمداً من فهم النابغة لطبيعة اللغة
العربية، ومعرفته التامة بدلالات الألفاظ، وما توحي به أبنية الكلمات من معان
وإيحاءات.


ونقد أهل المدينة لشعر
النابغة، لما فيه من إقواء، كان نابعاً من فهم العربي لطبيعة الشعر العربي، ولما
ينبغي أن يكون عليه من انسجام في الوزن، واتساق في النغم، الأمر الذي يتطلب- ضمن ما
تتطلبه قواعد الشعر العربي- وحدة حركة الروى، التي تكسب الشعر اتساقاً وانسجاماً ،
ولذا كان اختلاف حركة الروى- الإقواء- في شعر النابغة مذهباً لروعة الوزن، واتساقه،
بل محدثاً لنوع من التنافر في النغم، مما جعله غير متسق ولا منسجم.


ونقد طرفة لشعر المتلمس
لوصفه الجمل بصفة الناقة، كان مبنياً على فهم واع بطبيعة البيئة العربية ومعرفة
تامة بالسمات والصفات، التي تتميز بها الحيوانات العربية، لاسيما الحيوانات التي
كانت مرتبطة بحياة العربي، وكان العربي مرتبطاً بها.


وعلى الرغم من وضوح تلك
الحقيقة- وهي أن العربي الجاهلي كان خبيراً بلغته، عالماً بأسرارها ولطائفها- على
الرغم من ذلك نلاحظ بعض نقادنا المعاصرين، يحاولون التشكيك في صحة ما نسب إلى بعض
نقاد العرب القدامى من أحكام نقدية، خاصة تلك التي نسبت إلى النابغة الذبياني في
نقده لحسان بن ثابت بدعوى أن ما فيه ينضح بالروح العلمية، والنظرة الدقيقة، التي
تتسم بدقة التحليل والقدرة على الإستنباط، وتلك أمور تأباها طبيعة العصر الجاهلي،
الذي يعتمد نقده على الذوق وحده.


يقول المرحوم الأستاذ/ طه
أحمد إبراهيم: "ملكة النقد عند الجاهلين هي الذوق الفني المحض، فأما الفكر وما
ينبعث عنه من التحليل والإستنباط، فذلك شيء غير موجود عندهم. وبعيد كل البعد عن
الروح الجاهلي، وعن طبيعة العصر الجاهلي ما يضيفه بعض الرواة إلى قصة النابغة مع
حسان في عكاظ...


عيب على حسان أن يفتخر فلا
يحسن الافتخار، وأن يؤلف بيته من كلمات غيرها أضخم معنى منها، وأوسع مفهوماً: ترك
الجفان، والبيض، والإِشراق، والجريان، واستعمل الجفنات، والغر، واللمعان، والقطر،
وهى دون سابقاتها فخراً، وعيب عليه غير ذلك، وتختلف القصة طولاص وقصراً، وتختلف
فيها وجوه النقد، وكل ذلك تأباه طبيعة الأشياء، وكل ذلك يرفض رفضاً علمياً من عدة
وجوه [51] ".


ومن هذه الوجوه التي ذكرها
قوله: "فلم يكن الجاهلي يعرف جمع التصحيح وجمع التكسير، وجموع القلة والكثرة، ولم
يكن له ذهن علمي يفرق بين هذه الأشياء، كما فرق بينها ذهن الخليل وسيبويه، ومثل هذا
النقد لا يصدر إلا عن رجل عرف مصطلحات العلوم، وعرف الفروق البعيدة بين دلالات
الألفاظ، وألم بشيء من المنطق " [52] .


ومنها- أيضاً- قوله: "ولو
أن هذه الروح- يقصد روح النقد التي اتسم بها نقد النابغة- جاهلية ؛ لوجدنا أثرها في
عصر البعثة، يوم تحدى القرآن العرب وأفحمهم إفحاماً، فلقد لجأوا إلى الطعن عليه
طعناً عاماً، فقالوا: "سحر مفترى"، وقالوا:" أساطير الأولين"، ولو أن لديهم تلك
الروح البيانية، لكان من المنتظر أن ينقدوا القرآن على نحوها، وأن يفزعوا إليها في
تلك الخصومة العنيفة التي ظلت نيفاً وعشرين عاماً " [53]


أما بالنسبة للوجه الأول
فنقول: إن هذه الدعوى التي أطلقها هذا الناقد- وهى أن العربي الجاهلي لم يكن يعرف
جمع التصحيح وجمع التكسير...- إن هذه الدعوى، فيها تجن على مقدرة العقل العربي الذي
كان يعرف- بلا شك- دلالات الألفاظ والفروق الدقيقة بينها، وذلك بمنطق الفطرة
والطبيعة، التي فطر عليها، لا بمنطق العلم ومصطلحاته، والعربي الجاهلي لم يكن- في
استعمالاته لكلمات لغته- بحاجة إلى هذه المصطلحات التي وضعها من بعد علماء اللغة
والنحو، بدليل أنه كان يرفع الفاعل، وينصب المفعول، ويجر المضاف إليه بفطرته
وسليقته، دون أن يدرك هذه المصطلحات: الفاعل، المفعول، المضاف إليه، الرفع، النصب،
الجر. إذن فالعربي الجاهلي لم يكن بحاجة في استعمالاته للغته لهذه المصطلحات: جموع
القلة والكثرة، والتصحيح والتكسير وما إليها، ولم يكن استعماله لها متوقفاً على
معرفته بها، كي يدرك دلالات الألفاظ والفروق الدقيقة بينها.


وأما بالنسبة للوجه
الثاني فنقول: إن هذه- أيضاً- دعوى، تحمل بين طياتها إنكار كون العرب قد أوتوا حظاً
من الفصاحة والبلاغة والبيان، ولو كان الأمر كذلك لما تحداهم الله بالقرآن، وهو
المعجزة البيانية الرائعة، إذ كيف يتحدى الله بالبلاغة قوماً لا حظ لهم منها؟! وإذ
تحداهم الله بالبيان في قرآنه العظيم، فهذا دليل على مبلغ بلاغتهم، وطول باعهم في
صناعتها.


أما عدم ردهم على القرآن
بنحو بلاغته وفصاحته، فهذا دليل واضح، وسلطان بين على مبلغ إدراكهم لبلاغة القرآن،
وأنهم لن يستطيعوا أن يجاروه فيها، ولذا لم يكن أمام عجزهم الواضح عن ملاحقة بلاغة
القرآن، والرد عليها بنحوها أو مثلها إلا قولهم العاجز:" سحر مفترى"،" أساطير
الأولين". ولعل قصة الوليد بن المغيرة، حينما تلا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم
صدراً من سورة (فصلت)وكيف سجد لفصاحة القرآن. وقال فيه قولته الشهيرة: "والله لقد
سمعت من محمد آنفاً كلاماً، ما هو بكلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إن له
لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى
عليه " [54] لعل هذه القصة خير دليل على مدى فهمهم للبلاغة،
وقوة بيانهم، وإلا فكيف أدرك الوليد هذه البلاغة القرآنية، لو لم تكن لديهم هذه
الروح البيانية، التي ينكرها عليهم ويسلبها منهم هذا الناقد!!


إن هذه دعوى تنقصها الحجة
الواضحة، وتنقضها مخالفة الواقع، بل فيها مماراة مكشوفة، وظلم للعقل العربي
الجاهلي!


طبيعة أحكامه:

لعلنا نستطيع- من خلال ما
تقدم من حديث عن ملامح النقد الجاهلي ومقاييسه- أن نستشف طبيعة الأحكام النقدية في
هذا العصر، وأن نقف على سماتها وملامحها.


وأول سمة لهذه الأحكام: هي
سمة العموم: ونعنى بها أن يطلق الناقد- في أحيان كثيرة- أحكامه، ويرسل آراءه، دون
أن يذكر سبباً، أو يردف علة، وخير مثل لذلك قول الحطيئة- وقد سئل عن أشعر العرب-:
أشعر العرب الذي يقول:


يفره ومن لا يتق
الشتم يشتم

ومن يجعل
المعروف من دون عرضه


يقصد زهيراً. وسئل: ثم من؟
قال الذي يقول:


وسائل الله لا
يخيب

من يسأل الناس يحرموه

ومن ذلك حكمهم على بعض
القصائد بأنها بالغة منزلة عليا في الجودة بالموازنة بغيرها، كقولهم في قصيدة سويد
[55] بن أبى كاهل اليشكري التي مطلعها:


فوصلنا الحبل
منها ما اتسع

بسطت رابعة
الحبل لنا


قولهم عنها أنها من خير
القصائد، ودعوها اليتيمة [56] .


وكقولهم عن قصيدة حسان
اللامية التي مدح بها أبناء (جفنة)، والتي قال فيها:


يوماً بجلق في
الزمان الأول

لله در عصابة
نادمتهم


قولهم عنها إنها من أحسن
ما قيل في المدح، وتسميتهم لها بالبتارة، لأنها بترت المدائح[57] .


هل ما علمت وما استودعت
مكتوم؟


وقولهم عن قصيدة علقمة بن
عبدة التي يقول فيها:


قولهم عنها: إنها سمط
الدهر. فلما أنشد قصيدته التي مطلعها:


بعيد الشباب عصر
حان مشيب

طحا بك قلب
في الحسان طروب


قالوا: هاتان سمطا
الدهر[58] . إلى غير ذلك من الأحكام العامة، التي لا توضح
علة، ولا تذكر سبباً

.






   رد مع اقتباس

قديم 03-06-2010, 11:31 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
وليدالحمداني
إدارة الموقع
 







وليدالحمداني غير متواجد حالياً


السمة الثانية: الإيجاز:
ونعني بها أن الناقد كثيراً ما يغلف حكمه النقدي بعبارة موجزة، يفهم منها ما يراد،
ولكن دون شرح أو تفصيل، وذلك يتضح من نقد طرفة لشعر المتلمس السابق، حينما
قال:"استنوق الجمل" فهذه عبارة موجزة تحمل حكماً نقدياً، عيب به شعر المتلمس الذي
وصف الجمل بسمة الناقة.


السمة الثالثة: الجزئية:
ونقصد بها تناول الناقد لجزئيات من الجوانب الفنية للقصيدة، كجانب الألفاظ أو جانب
المعاني، أو جانب الوزن، مثلاً، دون تناوله للقصيدة كلها تناولاً متكاملاً كما يتجه
إلى ذلك النقد الحديث. فيتناول الناقد الجاهلي لفظة، أو ألفاظاً، فيصفها- مثلاً-
بالسلاسة أو الجزالة، أو يتناول معنى أو معاني وردت في القصيدة، فيسمها بالصحة أو
الخطأ، أو بالوضوح أو الغموض، وخير ما يمثل ذلك مما قدمنا من أمثلة: نقد طرفة لشعر
المتلمس، فقد استهدف فيه طرفة جانب المعنى، ونظر فيه فوجده خطأ.


ومنه- أيضاً- نقد أهل
المدينة لشعر النابغة، فهو نقد استهدف جانب الوزن- أو الشكل الموسيقي- ورأى فيه
نشازاً في الوزن ، حيث اختلفت حركة الروى في الأبيات، فأحدثت هذا النشاز في الوزن،
والتنافر في النغم، مما آذى السمع، وأذهب بشيء غير يسير من روعة الوزن.


وكذلك نقد النابغة لبيت
حسان السابق الذكر، كله منصرف إلى ألفاظ وكلمات دون تناول النقد للنص كعمل فني
متكامل.


وذلك لأن الشعر عند نقدته
من الجاهليين صياغة وفكرة، كان نظماً محكماً أو غير محكم، ومعنى مقبولاً أو غير
مقبول، فمعنى المتلمس فاسد، لأنه أسند صفة لغير ما تسند إليه، ومعاني المهلهل التي
غالى فيها فاسدة ، لأنها فوق المعقول، وشعر الزبرقان يجمع بين الطيب والرديء، أو هو
ألفاظ مرصوصة، لا قوة في معانيها، ولا روح تؤلف بينها، وشعر عبدة بن الطبيب قوي
الأسر، متين النظم، متماسك متلاحم، فالصياغة والمعاني، هي ما ينتقد في الشعر
الجاهلي... فإن لم يتعرض الجاهلي في النقد للشعر تعرض للشاعر، فآثره على غيره، أو
وازنه بغيره من الشعراء... هذان هما الميدانان اللذان جال فيهما النقد حولات خفيفة
في العصر الجاهلي: الحكم على الشعر والتنويه بمكانة الشعراء، فأما غير ذلك من البحث
في طريقة الشاعر، أو مذهبه الأدبي، أوصلة شعره بالحياة الاجتماعية، فذلك ما لم
يعرفه العصر الجاهلي، وغاية نقدهم أن يأخذوا الكلام منقطعاً عن كل مؤثر، بل منقطعاً
عن بقية شعر الشاعر، ويتذوقونه وفاقاً لسليقتهم، ثم يفصحون عن رأيهم ..) [59].


السمة الرابعة: التأثرية
والذاتية: ونعنى بهما أن الأحكام النقدية كثيراً ما تكون قائمة على إحساس الناقد
بأثر الشعر في نفسه، وعلى مقدار وقع الكلام عنده، فالحكم مرتبط بهذا الإِحساس قوة
وضعفاً، وإحساس العربي بأثر الشعر إحساس فطري، وتذوقه له طبيعة وجبلة ، ومن هنا
يكون حكمه- في كثير من الأحايين- قائماً على ذوقه وفطرته، فهما اللذان يهديانه إلى
الجيد من فنون القول، وإلى المبر زمن الشعراء. وهذا يعنى أنه ليست لديه مقاييس
مقررة، ولا أصول معروفة للحكم على الجيد من الكلام، أو المبر زمن الشعراء، ليس لديه
غير طبعه وذوقه، وإلا فعلى أي أساس كانت قريش تقبل من الأشعار ما تقبل، وترد ما
ترد؟ وما الخصائص الفنية في قصيدتي علقمة حتى تكونا نفيستين؟ وما الذي كان رائعاً
في قصيدة الخنساء حتى فضلت على حسان؟ وماذا حوت قصيدة حسان في أبناء (جفنة) حتى
بترت جميع المدائح؟ تلك أحكام لا تقوم على تفسير أو تعليل، ولا تستند على قواعد
مقررة، وليس لها من دعامة إلا الذوق العربي المحض 60 .


وبعد: فمهما يكن من شيء
فإن هذه اللمحات النقدية الأولية، التي مارسها النقد في العصر الجاهلي، قد لعبت
دوراً لا بأس به في تقويم الشعر العربي القديم وهدايته ومعاونته على الوصول إلى
الكمال، أو على الأقل إلى أولى درجات الكمال، وأنها أشارت- أيضاً- إلى أن كلاً من
الشاعر العربي والناقد العربي الجاهليين، كان يعرف الأسرار الدقيقة لهذا الفن
الأدبي، فأهل يثرب (المدينة) يعرفون الإقواء، والنابغة الذبياني يلحظ- في دقة-
الفرق بين جموع القلة وجموع الكثرة، وإن كانوا جميعاً يعرفون ذلك ذوقاً وفطرة لا
علماً وفناً.


ولاشك في أن هذا التحليل
الدقيق، إنما هو لون من ألوان النقد الأدبي الصحيح، الذي يقرب النص الأدبي، إلى
الملتقي ويقدمه إليه، وإلى صاحبه نفسه- كذلك- بعد شرحه وتفسيره.


وليس كل ما تقدم هو كل ما
قام به النقد الجاهلي، من دور في تقويم الشعر العربي والوصول به إلى درجة عالية من
الكمال الفني- بل إن هذا النقد، قد أسهم بلون آخر من ألوانه التي عملت على النهضة
بالشعر العربي، هذا اللون هو المفاضلة، أو الموازنة بين ا لشعراء.


وكان من ثمرة هذا اللون
الذي ولد في العصر الجاهلي أن سرى تيار المفاضلة بين الشعراء والموازنة بينهم،
وهيمن على نتاج أدباء القرن الرابع، وزخرت المكتبة العربية - بفضله- بروائع
الموازنات بين الشعراء، من أمثال: (الموازنة بين أبي تمام والبحتري) للآمدي [61] ، و(الوساطة بين المتنبي وخصومه) للجرجاني [62] بالإضافة إلى كتب (نقد الشعر) لقدامة، و(العمدة)
لابن رشيق وغيرها من الكتب التي حوت كثيراً من هذه الموازنات







   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 11:47 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير