العودة   منتدى النرجس > المنتديات الأدبية > منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 20-06-2010, 05:30 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً



رحــل عمي الصديق إلــى الأبــــد ولم يتــــرك لصـفية الـتي لم تكــمل حَوْلها السابع والعشرين بعدُ، سِوى الصغــيركمال أو الصـمت الرهيب المُخيِّم على أركان الكوخ الحقــير، لقـد استلقى في مخدعه الهادىء ليستريح من هموم الدنيا وأتعابها، لكــــن طيفــه لم يغـــادر الكوخ ، فكان صـدى كلمات الـوداع يـرنّ فـي أذن صفـية فـي كـل لحــظة، وتلك الحِـكم التي
استسسقاها من مَنهل الحياة تحرِّك خطاها إلى الأمام، وتبثّ في نفسها روح الأمل الــذي طــــالما ردده المرحوم، حتى وهو يصارع سكرات الموت .
كانت تستيقظ من نومها كــل يوم عندما يمدّ الفجرراحته إلى الأفـق ويمسح فـتــيتات الظلام المتناثرة هنا وهناك، فلا تسمع سوى ديك القرية الذي يَصيحُ بأقصى ماتقدر عليه حنجرته ، فيوقظ ذوي النفوس الفاضلة والعقول المُضاءَة بالنور الإلهي، فتقوم لربها خاشعة داعية إيـــاهُ بالرحمة والرفق، أما ذوي النفوس الدنياوية فهي تتلذذ أكثر بالنوم في هـذا الثلث الأخير مــن الليل ، خاصة في أيام الشتاء التي يلسـع صقـيعها الأبدان، ويجمد الأطراف . كانت صفية من بين أولئك العابدين الذين لا يطمعون إلا في يَدِ الخالق البيضاء التي تبسط لهم الرزق الطيب ، وتمُدهم بـزاد التقوى والصبر ، وتغرس في قلوبهم بذور الرحمة والخلق الحميد .
تطيل السجود داعية الله بغـدٍ منير، وعندما تتمّ صلاتها تنهض لتعـصرالحليب من أثداء العنزة الرابضة في حوش صغير يحيط بالكوخ، فلا تكاد تنزل قطرة منها حتى تأبى رؤوس الأصابع أن تنحـني، فتجـمد مستسـلمة لقساوة ذرّات الصقيع المتساقطة على كل المرئيات ، ثم تـقف وتلج باب الكوخ ، وتحمل بعض الأغـصان اليابسة وتضعها في الكانــون، وتُضــرم
النار وتضع عليها إبريق الحليب، بعد ذلك تصنع خبز الشعير وتترقبه حتى ينضج، فتقسمه قطعا قطعا، وتضعه في صحن فخاري ثـم تغطيه، أما كمال فيفتح عينيه عندما تعانق أشعة الشمـس المُنفلتة من جدران الكوخ مُحياه البريء، ويغرد أول عصفور مُرحبا بالصباح ، فينظرإلى أمه ويعبِّر لها عـن تحيته بابتسامة رقيقة ترتسم على شفتيه، فتجلسه في حجرها وتغسل وجهه بقليل من الماء الفاتر ثم تقدم له قليلا من الخبزالمفتت وكأس الحليب، فيتناول فطوره، ثم تعيده إلى فراشه وتغطــيه جيدا، وتجلس بجانبه مرتلة بعض الآيات، أو منشــدة بعض المدائح الدينية إلى أن تنطبق أجفانه من جديد، فتقوم وترتدي عباءة المرحوم التي نسجتها له من الوَبَر، وتلبس حذاءه ثم تلوي عـلى رأسها لحافا، وتلثم بجزء منه، فلا تكاد ترى من جسدها سوى عينيها الكبيرتين المتدفقتين بمـاء الـشباب، فتبدوان كأنــهما مرسومتان بريشة رســـام .
تضع المقلاع على كتفها وتتجه نحو الحقل بخطى متثاقلة حتى تصـل فتنتف بعـض الأعشاب المنتشرة في الأحواض، ثم تروِّيها بميــاه الوادي فيرتشفها الثرى وتمتصها النباتات التي سئمتْ صفعات الصقيع، وقـرّالشتاء، وسرعان ما ينزلق الشق الأول من النهار، وتتوسط السماءَ الشمسُ المختفية وراء نقاب السحب المتراكضة، فلا يكاد أديم الأرض يرى سوى غمزاتها السحرية التي ترسلها في تستر، ثم تعود وتختفي وراء السحب السوداء . تحمل صفية المقـلاع وتتبع مسـلكها المعتاد حتى تصل إلى الكوخ ، فيستقبلها طفلها الذي تجده قد استيقظ من النوم وخرج ينتظرها، فتهرول نحوه وتحمله وتحتضـنه إلى صـدرها كما
تحتضن السّنونوة ُنسائم الربيع، ثم ترمي به في السماء وتدغدع إبطه، فيزداد اغتباطا، ثم تطبع على خده قبلا مفعمة بالحنان، كما تطبعها النحلة على وجنات الورود وتمتصّ رحيقها ، فتنتج عسلا طيبا فيه شفاء للناس، ثم تدخل الكـــــوخ وتحمل الجَرّة الفخارية ، وتــذهب إلــى الينبوع الرقراق الصافي الذي يتفجرمن صلب الجبل المتعالي، فتسـتسقي منه ثم تعود وتتجه إلى ركن من أركان الكوخ لطهي وجـبة الغداء، بينما كمال يبقى يراقب حركات أمه حركــة بحركة، وبين آونة وأخرى يساعدها ويمُدها ببعض الأواني، أما هي فتضع بعض حبات البطاطس واللفت في الكانون فإذا استحالت بشرتها سوداء اللون، تنزعها وتقسم كل حبة إلى نصفين وتأخذ بيضتين مسلوقتين وقطعتين من الخبزوتضع الأكلة في صحن فخاري صنعته بيدها، حينئذ يتقدم كمال ويجـلس في حجر أمه، فتطعمه مما هو موضوع في الصحن حتى يشبع، فتناوله قليلا من عصير الليمون، ثم تمسح فاهُ بقطعة حريرية إحتفظت بها من يوم زفافها ، وتأكل هي ماتبقى في الصحن بعدما تفتح شهيتها بقبلات ترتشفها من الوجه الطفولي الجميل، بعد ذلك تستـلقي على فراشها لتستريح من أتعاب الصباح، وسـرعان ما تغفو بينما يبقى كمال يُحرك بعصاه جَمَرات الكانون حتى يسأم منها، فينـام محاذيا لها محتميا بها مـن البرد، وبعدما تمرّ بعض الساعات تستفيق الأم من غفوتها، فتغسل وجهها بماء بارد، وتتجه إلى مربض العنزة، فتقدم لها العَلف، وتملأ قدحا بحليبها الذي تمخضه وتستخلص منه اللبن والسّمن، فأما اللبن فتشربه، وأما السـمن فتطعـم به وحـيدها الـذي غـلب بياض بشرته بـياض
السَّمْن . وعندما ينقضّ الليل الطويل على الكوخ المقفر قفر الرّمْس المَنسي، ويغطي ببُردته السوداء فسَيْفِساءَ النهار، يَفِرّ الفلاحون إلى مضاجعهم هَرعِـين من قساوته ، لينعموا ببعض الدفء، بينما تكون صفية جالسة قرب الكانون تنتظر الصلاة، فإذا دخل وقتها تنهض وتؤديها مطيلة ًالسجود . ثم تتكىء على وسادتها، وبجانبها البرعم الصغير الذي يستمع إلى ماترويه أمه من الأساطير العجيبة، حيث تحلق به في آفاق بعيدة نسجها الخيال، فتدخل به قــصور السلاطين المبــــثوثة بالزرابي الحـــريرية، والمزدانة بالــــدّرر والـلآلىء، أين يتربّــع العبيد والجواري، ثم تذهب به إلى صَرْح ملك العفاريت، وتحكي له عن الغيلان المخيفة والطيور العظيمة، فينتابه الهلع ويقترب أكثر من أمه التي لا تزال ترْوي وتروي حتى تنطبق أجفانه الناعمة، ويسافر في موكب الأحلام الطفولية الساذجة فتغطيه جيدا ، وتنام بعدما تردِّدُ بعــض
الأدعية والآيات، آملة في صباح يحمل مع أخيلته الخيروالبركة، حالمة بموسم الجَني والحصـــاد .









   رد مع اقتباس

قديم 20-06-2010, 05:31 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً


حـشـد الشتاء جيوشه، وسافـربعيدا بينما أقبل الربيع بلمساته السِّحــــرية ليكـــسو الثرى بحـــلته الجميلة، بعدما نال منه قــرُّ الشتاء مَناله .
جاء الربيع، جاء الربيع، هكذا غردت طيور السّنونـُو مغتبطة سارحة ًفي الأفق الطلق . تحلق بعيدا ثم تحط فتحمل الطين والقش لتبني أوكارها .
يامرحبا بك ياربيع، هكذا استقبلت مملكة الطبيعة ومضات الفصل البهي ، فلاح النسيم بأشذى نسماته، وعزف الخريرأروع سنفونياته فتراقصت الطيور، وابتسمت ثغور الزهور الــــبرية المُخضلة، وتطاولت سيقانها لتلثم تمَوّجات النسيم ، بينما طلعت الشمس، وتوسطــــت السماءَ
الصافية صفاء ترائِبِ الغِـيد، وأرسلت أشعتها على صمت الطبيعة، فصَحَا النبت والشجر من غفوته، وتساقط الندى على وجنات الورود لينعـش بعِطره أديم الأرض .
نهضت صفية باكرًا كعادتها وأقامت صلاتها، ثم تلت بعض الآيات من عــروس القـرآن التي كانت مــولعة بـــها في الأيام الخالية، أيام الطفولة، حيث كانت تختلف إلى المدرسة القرآنية ، شأنها شأن جل أبناء الفـلاحين الفــقراء الذيــن لم يكونوا في غـنى عن الــدراسة في المدارس الأكاديمية، لكن الفـقرحال بينهم وبيـن ذلك، ثم جلست تستمتع بالنظرإلى ابنها النائم، حتى دنا الصباح، فاستيقظ كمال فناولته فطوره، فأكل حتى اكتفى ثم حملته وخرجت به ليستقبلا مـــعا أول شعاع أرسلته الشمس ليُحيِّي الكائنات . أشارت الأم قائلة : أنظر يا بني إلى تلك الزهــور الرقيقة التي تستبشربقدوم الربيع المختال،غدًا سوف ترعى جَدْيَك في تلك الهضبة الخضراء.
هَمَس في أذنها قائلا : ما الربيع يا ماما ؟
- إنه ذلك الرجل المُعتدل القد الذي يرتدي بذلة جميلة، يأتي كل عام ويزور الورى ضاحـــكا مبتهجا، فيســـقي الأرض بالرذاذ الخافــت، فتــتطاول الأزهار، وتــلوح بعَبيرها الفواح الذي يلامس الأرواح فتزداد طيبا وصفاءا .
- وهل سيزورنا نحن أيضا ؟
إبتسمت الأم ونظرت إليه مشفقة عــلى بــراءة الطفولة ، وقالت : نعم، ياصــغيري، سيزورنا نحن أيضا لـيزين محيط كوخنا بأساور خضراء .
- وهل أبي سيكون هنا ؟
لم تطق صفية الإجابة، فقد تلعثم لسانها وارتعشت أناملها وجفّ حلقها، وأحسّـت بمـرارة فـيه كأنما أحدٌ ناولها ماء الحنظل، لكنها تفطنت ورسمت على شفتيها بسمة مزيفة، وتلفظت بعــد جهد جهيد بلا ياحبيبي، إن أباك لن يكون هنا إلا بعد أربـــعة أعــوام أو خمـسة، ثم حملـــته وولجت باب الكوخ لتكــفكـف ماخانتْ به العـيــنُ من دُموع .
ذهبت صفية إلى الحقل بعدما صبّت دمعـها على الجَمْرة المُتقدة في صدرها، وجلست إلى جذع شجرة مُزهرة، تتأمل بهاء أثواب الربيع . وضعت يدها على خدها فأحسّت بخشونة غير معهودة، فـنظرت إلى يدها التي كانـت ناعمة مثل الحرير، فوجدتها قد تورّمـت وانفلـقت
كما تنفلق الأرض الجدباء إذا ما انساب عليها السـيل، فأطلقت تنــــهيدة طويلة وقالـت : آه، آه ! عليك يا الصديق، لماذا تركتني أتعـذب ؟ في تلك اللحظات مَرّ بها رجـل يـحمل في يـده عـصا غليظة، ويرتدي حلة بدوية، بدَا لها كأحد الرعاة فلم تعِرْهُ اهتماما. بادرها بالتحية، فردّت عليه، فانبعث من تحت لثامها صوت نسوي رقيق كأنه لحن موسيقار، فتوقــف الرجل وعـاد إلـــيها مبتسما وجلس بجانبها، فنظرت إليه نظرة يتطاير منها الشرر، فمدّ يده إليها متلطفا وقـــــال : عليكِ كنت أبحث ياريم الفـلا . فـلما سمعت كلامه وعرفت مَـرَامَه ، وقفت وصفعــته صفــعة قوية إحمرَّمنها خده وصرخت في وجهه : أغرب عن وجهي أيها الوغـد الحقير . حينئذ ثارت ثائـرة الرجل ومدَّ يده إليها ونزع عباءتها، ثم أمسكها من شعـرها الأثــيث، ودفعها إلى جـــذع الشجرة، فسقطت، أما هو فبدأ يتمطى ويردد : أين المفـرّ ياحلوة العــيون من مُدلل هائم ؟
وراح يقهقه ويتهاوى عليها بجناحيه شيئا فشيئا، وإذا بها تحمل حفنة تراب وتلقيها في عينيه ، فبدأ يصرخ وينوح قائلا : لقد أعمتْ بصري، لقد أعْمَتْ بصري ياناس ، عندئذ إستندت صفية إلى جذع الشجرة ووقفت، بينما كانت الدنيا مظلمة في عين الرجل، وحملت المقلاع وضربته ضربة واحدة بين حاجبيه فسقط جثة هامدة . وقفت إذذاك على رأسه المتقاطر دمًـــــا تردد : أيحق لك أن تدوس بقدمك النتنة شرفي أيها الجبان ؟ إذهب ضحية شهواتك ، أيحـق لـك أن تفــك الرباط الطاهر بيني وبين الصديق ؟ إذهب إلى الجحيـــــم .
بعد ذلك إتجهت مباشرة إلى كوخها، وجلست ساكنة حتى استيـقظ كمـال فنـاولته الطـعام ، ثـم جعلت من جسـمه دُمـية ًتلعب بها وعقـلها ســارحٌ في فضاء رحـــب، بـين تـأنـــيب الضــمير وطمأنـينة النفس لأداء الـواجب، حـتى ودّعت الشــمس الكائنات وسطعَ النجم القطبي، وبــان البدر ليُنـيردروب الساهرين، فأغمضت عينيها وراحت تسبح في بحر الكوابيس.







   رد مع اقتباس

قديم 20-06-2010, 05:33 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً


إستيسقظ سكان القرية على أزيـز سـيارات البـوليس ومعهـم سـي عمور، تــبدو أشباح الكآبة مرسومة على مُحياه، فخرجت صفية ونزلت عند إحدى جاراتها لتستفسر عـن الأمر .
- مالذي حدث ياكــلثوم ؟
- آه ! يا أختي، إن سي عمور بات يبحث عن إبنه سعيد الذي لم يعُدْ إلى المنزل، فوجده بعدما يئس منه تحت شجرة اللـوز جثة هامدة، تأكل منها الديدان والحشرات وقشاعم الغربان .
- وكيف كان ذلك ؟
- لا أدري ، رجال البوليس مازالوا يبحثون عن القاتل وظروف القتل، لقد رأيت أحدهم يحمل حقيبة في يد وفي يده الأخرى قلمًا، ترى ماذا سيفعـل ؟.
- وأين الجثــــــة ؟
- لاتزال في المكان بأمر من البوليس، ماقــاله زوجـي هـو أن المقـتول ضُرب عـلى مـستوى جبينه بوسيلة حادة .
في تلك اللحظات إقشـعرّ بدنُ صـفية، واصفرَّ وجهها وارتعدت ركبتاها، فلـم تسـتطع النـطق، وأشارت لجارتها برأسها شاكــــرة إياها وانصرفـت .



***



النفس : أحسنتِ يا صفية ، كيف يتجرأ فتى مثل سعيد أن يُدنس عِرضك وهو الذي سقط مــن رحم أمه فوجد نفسه مَلويا بالقطن والحرير ثم نما وترعرع مُدللا يأمر ولا يأمر، ينعم بأشهى المأكولات وتلعب أنامله بكؤوس فضية مملوءة بأغلى النبيذ، تسقيه به فتيات همّهُـن الـــــوحيد هو الدينار، كيف يتجرأ فتى لم يحمل قط هَمّا بين ضلوعه أن يضع بصمة سوداء على ثـــوب أبيض طاهر، أنتِ يا صفية لست مثل فتياته اللواتي يتمايلن أمامه مَكسُوات بالعار، لا يجـــدن ريح الجنة كما قال عنهن خير أنام الله – عليه الصلاة والسلام – .
الضمير : أنت يا صفية إمرأة كـتب الفــقر بمخــارزه على أحداقـك معـاني الفضيلة، وعــلمك الصبر والخلق النبيلة، أتدرين مامعنى أنك أزهقتِ روحا ؟ عظيم، عظيم جدا ، لماذا لم تفِـرِّي وتتركيه لحاله لمّا وضعت التراب في عينيه؟ لماذا عكرت يديك الزكيتـين بدمائه، ربما كـانت ممزوجة بالكحول ، لماذا ؟ أليس الصَّفحُ من شِـيم عـباد الرحمن ؟
النفس : قري في كوخك، ولا تخبري أحدا عن سرك، فإن علم أحدٌ، حتما سيعلم البـوليس أنك القاتلة وستزجين وراء القضبان، أما كمـال سـوف تنقضّ عليه مخــالب التشرد، ثم إنك أبية، لقد سحقت جرثومة لا تستحق العيش وسط الفقراء .
الضمير : البوليس وسي عمور وكل الناس لا يعلمون أنك قاتلة ، لكنك تعرفين ذلك ، آه ! كم هي صعبة المحمل يا صفية ، لقد أثقلت كاهلي هذه الكلمة . حتى وإن لم يعلم البوليس ذلك، فإن هناك من رآك وكتبها في سجل أعمالك ، إنه الله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخـفي الصدور، أما كمـال فحاشى أن تنقـضّ عليه مخالب التشرد، هل رأيت يوما شجرة التــفاح إذا أزهرت وأينعت ثمارها تحولت إلى أشـواك تـلدغ أصابع جـانيها ؟ هــل رأيــت منهلا صافيا رقراقا يتفجر من كبد جبل شامخ تحَوّل ماؤه اللجيني إلى سُم ناقع ؟ ماذا دهاك ؟ أليس لابــنك رزق في هذا الوجود ؟ لا تقلقي ، فإن ربنا يرأف بذوي الأحــداق المـبللة بدمـوع الألم والهم، هيا قومي واعترفي لرجال البوليس بخطيئتك، وكفري اليوم عـن ذنبك قبل غـد، هيا قومي ...
نهضت صفية وحركت رجليها بصعوبة ، كـأن أذيـالها شـدت بجـدران الكوخ، واتجــهت إلى مركز البوليس بعدما ارتشفت عُدّتها من القبلات من كامل جسد ابنها . مشت وغــيمة ســوداء تعبث بأجفانها وتحيل لها تلـك الروضــة الغــناء التي رسمها الربيع بريشـته مـن حـولها إلــى مزرعة أشواك تخز قدميها كل لحظة، إلى أن وصــلت إلى المـركز فأدخلها الحاجــب . دقـت الـــباب .
- نعم ، تفضل .
دخلت مطأطئة رأسها حياءً . دعاها الضــابط للجــلوس فجلســت وكأنــما حُــط على كتفــيها جــبل عظيم .
- ما خطبك ياسيدتي .
- سكتت هنيهة، ثم رفعت رأسها شيئا فشيئا، وإذا بدمعة سقطت من عينها كالجُمانة، فمسحتها وقالت : باختصارياسيدي أنا الـتي قـتلت سعــيد إبن ســي عمور، وهاأنـذا جئت أطـلب جـزاء خطيئتي .
نظر إليها الضابط نظـرة مميزة وقــــال : ألكِ كل هذه الجرأة ؟
- نعم سيدي ، إن حياتنا كلها هـفوات، وخير الناس من يتوب عن هفوته ، لقد فكرت مليّا بـين أن أمحي خطيئتي هذه مهما كانت قساوة العـقوبة، ثـم أنام بـعدها قريرة العين، أو أكـتمها فـي نفسي، وأبقى مجرمة أمام ضمـيري أبد الدهر، والحـمد لله ها قد جئت لأعلمكم بذلك معــترفة بفعلتي أمام الله وأمام القانون .












   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 05:21 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير