العودة   منتدى النرجس > المنتديات الأدبية > منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 20-06-2010, 05:34 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً




خـيّم الصمت على القاعة الفسيـحة وساد الهدوء أرجاءها كأنها خاوية على عـروشها. في بطن القاعة تراصف عدد كـبير من الـناس جالـسين على كـراسي خشبية، منهم مـن هو ببـدلة حضرية رابطا عنقه برباط مـن أجْـوَد القـماش، ومنــهم من يرتــدي حلة بدوية، هـنالك عـلى الجدران التي سكب سوادُها على القاعة وحشة أشدّ من وحشة القفر، منقوشـة ٌبعـض الآيــات الكريمة التي تحث على العدل والإنصاف بين الناس، أما في صــدر المـجلس بان القاضي ذو عينين حادتين بدأ الشيب يخالط شعره الأسود ليجُرَّ به إلى باب الهَرَم، لكنه ما زاده إلا وقارا، من خلفه مرسوم ميزان القسط على الحائط ،وعلى يمينه مستشارومحلف وكذلك على يساره.
نادى القاضي شابا في مقتبل العمر باسمه، فتقدم إليه مُكبَّـلا بالأغلال وامتثل أمــامه وعـــلى وجهه ضبابة من الكبرياء، يبدو هادئا بارد الطرف، كأنما صُـبّت عـلى رأســـه عُـصارة مـن سحاب " يناير" أطفأت النار التي في قلبه .
القاضي : أيـن دفاعــــــك ؟
الشاب : ليس لي دفاع يا سيدي، وليس بحوزتي الدراهم الكافية لذلك ، ولهذا سأتولى الدفاع عن نفسي بنفسي، ومستعد لتحمل عـقوبتي .
القاضي : كم عـــمرك ؟
الشاب : خمس وعــشرون ربيعا .
القاضي : لماذا قـتلت أختك يافـتى ؟ أهي مُومَسٌ حـــــقا كما صرَّحْت ؟
الشاب : سيدي القاضي، إن الله سبحانه وتعالى خلقنا وخلق مَعَـنا نعمة الماء، فإذا نــزل عـلى الأرض إهتزت وأنبتت فومها وعدسها وقثاءها وشجرها موزا ولوزا وصفصافا، فإذا ودّع الصفصاف أترابه ، وعلا وازداد شموخا في السماء حتى كادت أفنانه تلامس السحاب وأرسل ظلالا وارفة تــقي الأبدان من بطــش الصيف، بان في جـــذعه فرع ٌ أعوج يتمايل كالأعرج أو كذنـب الكبش ، هل أبْـتِره أم أتركه ؟
إلتفت القاضي إلى مستشاريه وتبادلوا الهمس ثم نظر إلى الفتى نظرة حادة بعدما فهم قصْدَهُ وأطلق : لكن القانون سوف يقطع زهرة شـبابك بسـيفه الحاد، ولـقـد رجّح ذنبك كفة القسطاس إلى عـشر سنوات نافـذة .
نظر الحضورإلى وجه الشاب نظرة حسرة وأسف عليه، فالتفت إليهم وأومأ لهم بلحاظ حزينة تحمل معنى الألم والصـبر، ثم انصـرف ومعه رجل من رجـال البـوليـس يقــوده إلى الغــرفة المظلمة، ونظرت إليه صفية متأسّفة على لحمه الذي سوف تسافر عليه حشرات شريدة وراء القضبان، فأطلقت تنهيدة طويلة، كأنما لمـحت أمـامها وردة جـميلة تقـتـلعها ريـاح الأيـام مــن جذورها شيئا فشيئا وهي تصرخ مستغيثة، لكن لا مجيب، وماكادت تطرد تلك الأنـفاس كــلها من صدرها الحنون حتى ناداها القاضي، فوقفت أمامه جامدة كالتمـثال .
القاضي : عرِّفـينا بنفسك .
صفــية : صفية بنت السابع والعشرين، أقــطن بكـُـدية سيدي محـمـد، أم لـطفل عــمره ثلاث سنوات، رحل عنه أبوه إلى دار القرار منذ شهرين .
- لماذا قـــتلتِ سعـــيد ؟
- سيدي القاضي، بينما آنَ لي أن أستريح من كـدّ الحقل تحت ظل شجرة، رأيت لـيـثا هَصُورًا يزأر ويتقدم إليّ ولعاب العار يسـيل من فاهُ، يريـد أن ينـهش لـحمي الطـاهر بأنـيابه، فـرفعت المِقلاع وضربتـُـــهُ ضربة أرْدَتـــــه قــتيلا .
في تلك اللحظات هجم عليها سي عمور، ونـيران الغـيظ تتطايرمن عيــنيه، وهــويـــقول : أنا شريف وابني أشرف، كيف تتجرئين على قــول هذا أيتها اللعــينة ؟
حاول ضرْبها بعـُكازته، فأمسكه أحد رجال البوليس وأجلسه في مكانه، عندئذ دق القـــــاضي مكـتبه بمطرقـته وأطلق : رُفـعت الجـــــلسة .










   رد مع اقتباس

قديم 20-06-2010, 05:35 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً




فــي الجلسة الموالية حكم القاضي على صفية بسِتّ سنوات سجنا نافذة، ثم نقلت إلى غرفة لا تكاد أشعة الشمس تنفلت من حيطانها، ولقد نسجت العناكب في زواياها نِوالا واتخذت من ظلمتها أنيسا، بعيدا عـن أنامل البشر التي تعبث بكل شيء وتهدم بيوتها أينما كانت .
رمتْ صفية وسادتها على الأرض، فانبعثت آهات ٌمتتالية لصُرْصُور يسكن المكان منذ أمَدٍ بعيد ثم فـرّ هاربا مُتمتما باحثا عن مكان آخر يجد فيه الدفء والأمان، ويعزف أشجى ألحانه بنايهِ الحزين .
نظرت صفية يمينا وشمالا فقابلتها الجدران، ونظرت خلفها فلم ترَ سِوى القضبان، بابها مُحكم الإقفال، فجلست وراحت تهز كيانها عواطف شتى، بين شدة الألم الذي يخزها في كل لحظة في هذا المكان الذي لا أنيس فيه ولا جليس، وبين القلق الشديد على صغيرها الذي تركته وحيدا، عصفورا لم يكسُو الريش بَعْـدُ جناحيه، فلا هو يستطيع التحليق في الأفق البعيد، ولا هو يقوى على قطع المسافات بحثا عن بذور الرحمة، أحسّت بصدى صرخة سعيد الأخيرة يرن في أذنها، ولم تكد تشعـر حتى تغرغرت عيناها بالدموع التي سقطت جمـرات حارة لافحة الوجنات، فما زادت نار فؤادها سوى تأججا، عند ذلك تفطنت وأخرجت من جيبها المصحف الصغير الذي ماكان يفارقها، وذهبت مذهبَها في التلاوة، فأحست بالسكينة الربانية تنزل عليها شيئا فشيئا كما ينزل ماء السماء على الأرض فتنبت من الطيبات ماشاء الله، إلى أن سمعت وقع النعال، فإذا بالسجَّان يلقي إليها وجبتها، وماذا عــن وجبة سجين ؟ فنظرت إليه نظرة عبوس، ثم تلت وتلتْ حتى غفت وغفا معها جرحها المُوجع إلى صباح جديد .
ولما جاء الصباح إستقبله الأنام مغتبطين كما يستقبل الثرى قطرات الندى المتساقطة من خدود الورود، بينما أوصدت الزنزانة أبوابها في وجهه، وقالت : هيهات، هيهات أن تــزور المساجين، فلتكن الحياة عليهم قاتمة الظلام إلى أن يرث الله الأرض وأهلها .
فتحت صفية عينيها على قرع نعال أشدّ إزعاجا من نعيق الغربان، فرُمِيَت إليها قطعة خبـز أشد صلابة من الحديد وماء، وبساط إتخذت منه اليتيمة وطاءا فصَلتْ به بينها وبين التراب، من كل الزوايا تنبعـث حشرجة الحشرات، قامت وصلت داعية رب الأرض والسماء اللطف بعصفورها التائه في مُومَهٍ بلقع . إنبعث إليها صوت رهيب شبيه بفحيح الأفاعي، فذعرت وما باليد حيلة، غير أنها حملت كتابها وراحت تتلو وتتلو حتى انقضى من عمرها سِوى ليـل ونهار....



***



عــاد الفلاحون إلى أكواخهم بعدما بدأت الشمس تغادر الوجود متمايلة حنينا إلى خدرها،
فتسابقت السحب إليها مودعة إياها إلى لقاء جديد، في إشراقة جديدة، بدورها رقت وأرسلت أشعتها لتقبـِّلها، فخالطت بياض السحب، فبانت كالعِهن أو كقطع قطنية سُكبت عليها عُصارة الحنـــــاء .
عاد الفلاحون ليسترجعوا ما سلبه منهم كدّ الحقول من قواهم بين ذويهم، حيث بشاشة الخليلات، وبراءة الأبناء الصغار وسذاجتهم التي تفضي على الأكواخ البسيطة سِحْرا خاصا، وتزينها بزخرف أبهى من زخرف القصورالجوفاء، فترى كل الثغورعليها مَسْحة ملائكية جميلة، تبشر بدنوِّ موسم طال انتظاره، لحصد ما تزينت به الأرض من خيرات، وجني ما تحلت به الأشجار من ثمرات .
كان محمد من بين أولئك الفلاحين الفارِّين إلى بيوتهم من مشاق الحقول، وكله شوق لرؤية الصغـيرة " رحمة " بنت الثــلاث سنوات، وكأنها شمــعة تصــارع قــتمة الظلام، وزوجــته
" كلثوم " التي استقبلته بصدرها الرحب، ونظرتها المتميزة النابعة من القلب والتي مسحت بها أشباح الحياء عن مُحياه، ثم قدمت له الماء فغسل، ورشته بماء الورد، وأعدّت له مُتكئا، فأحس بارتياح كبير وابتسم وقال: أين رحمة ؟ فنهضت الأم، وأتته بها في لمح البصر، فجعل يقبلها بين عينيها ويدغدغها، ويلعب بها ضاحكا مبتهجا، بينما حطت الأم وجبة العشاء، فبدأ يأكل ويطعم ابنته، أما كلثوم بقيت جامدة الطرف لم تمد يدها إلى الصحن، فانتبه إليها محمد وسألها عن سبب امتناعها عن الأكل، فأطلقت زفرة من خلفها ألف حسرة وقالت : كيف يطيب لي الطعام ؟ وجارتي صفية زجت وراء القضبان، وتركت وحيدها كمال، ترى كيف حاله ؟ وهل هو حي أم كان التراب مآله ؟عندئذ نهض محمد وصارت الدنيا مظلمة في عينيه وقال : كيف العمل إذن ؟
- ماتراه ياسيدي .
- هيا قومي، قومي يارقيقة القلب، واذهبي إلى الكوخ وائتي به عسانا نتخذه ولدا لنا وأخا لرحمة، وإن كانت الفاقة قد أثقلت كواهلنا، فلا بأس مادام رزقه على الله، ومن يدري، ربما يحمل إلينا البركة والقوت الوفير، بتدبير من العلي القدير، فكل شيء عليه هين يسير، هيا قومي قبل أن يهوى علينا الدّيجور العظيم، فلا تجدين له أثرا .
فلما سمعت كلثوم تلك الكلمات إستطار قلبها حُبورا، وقالت : حمدا لك يارباه، ما أطيب قلبك يامحمد !! ثم نهضت صوْبَ فراش رحمة، فرفعت الغطاء، فإذا هو طلأ صغير نائم، ذو وجه ملائكي بريء، يعكس نور القنديل المعلق في ركن البيت، فلما رآه الزوج كادت الدموع تفــر من عينيه من شدة الفرح، ونظر إلى زوجته نظـرة كلها إجلال وتقدير وقال : ما أحنّ قلبك يا أم رحمة ! رعاك الله، حفظك الله ، لو كان بوسعي الآن لزينتك من رأسك إلى رجليك بأغلى اللآلىء، وأنفس الجواهر، جزاءا على جميلك هذا، فابتسمت وانصرفت تشكر الله على سلامة الصغير كمــال .












   رد مع اقتباس

قديم 20-06-2010, 05:36 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً



مرّت ثلاثة أعوام على صفية في السِّجن، ذاقت فيها مرارة الأيام، وكابدت جَمّا مـن الهموم والآلام، إلى أن دخلت السجن معها عجوز شمطاء، لا تكاد ترى في رأسها شعرة سوداء، وعلى خدها الأجعد شامة كبيرة، فسلمت عليها وبقيت تسليها وتحكي لها عـن رحلتها في الحياة وتجاربها ودواهيها، فتعجبت صفية غاية العجب من تلك العجوز التي كانت أكثر حكاياتها خزعبلات طواها الدهر في لفائف العدم، وما كان يحيِّرها هو غــبطة العجوز وابتساماتها العريضة، وتلك القهقهة التي لا تزيدها وجهها سوى بشاعة، وهي غـير مبالية بنوازل الدهر، فكانت صفية تضحك تارة وتبكي تارة حنينا إلى وجه ابنها، فلما أتمّت عاميـن رفقة العجوز جاءها الملك الكريم ليسقيها كأس المُنون ويرحل بها إلى جوار خالقها فكانت نهايتها، كما قالت الأقدار، وسطر العزيز الغفار، فجلست العجوز عند رأسها تندبها وترثيها قائلة :


غزالُ الفــلا فجَعْـتـنِي فـيهِ يادهْــــرُ
سألـــتـك بالله فِـــــداهُ أيـا قـــــــــبْرُ

جَــــــميلٌ بأقــداح المُــنون مَـــددْتهُ
وأعْرَضتَ عمَّنْ مَلهُ اليَوْمُ والشـهْرُ

ينامُ الصـَّــــباح فـــوق شهْدِ شِـفاهِهِ
فـــإنْ لاحَ بابــتسامةٍ يــبزغ ُالفــجرُ

يُضِيءُ دُجًى ظلماء مِن بَطن خِدرهِ
وإنْ بانَ يستحِـــيلُ مِن حُـسنِهِ البَدْرُ

إلهي سَئِمْتُ صَبَّ دَمْع مَحَا جَفـــنِي
فمَا عـَـــمَلِي رَبِّي وقـدْ نفِـذ الصَّـبْرُ


إلى أن جاء السجانون وحملوها إلى لحْدها لتستريح بجوار مُصوِّرها، هذا ماكان من أمرها .
أما ماكان من أمر كمال، فقد نمَا وترعـــرع مع " رحمة " في أحضان كلثوم التي غمرتهما بعطفها وحُنوِّها، فكان الإثنان ينادينها ماما، وينادي أحدهما للآخر أخي، وكانا يأكلان معا، ويلعبان معا، ولا يكاد أحدهما يفارق الآخر كأنما سُكبت روحاهما في قالب واحد، وأصبحا كالجسد الواحد، وكانا يخرجان معا في آخر النهار ليستقبلا محمد العائد مـن الحقل، فيحمل كمال بيمناه ويحتضنه إليه، وكذلك يفعـل لرحمة بيسراه، ويقبلهما بشفاه مِلؤها الرقة والعطف إلى أن يصل إلى كوخه فيجد كلثوم كعادتها تنتظره بالإبتسامة الوضاءة، فيُحيّيها ويدخل الجميع ويجلسون في انتظار وجبة العشاء، وبعدما يتناولونها يُصلون وينامون حتى الصباح، الذي يجيء ليطرد خيالات الدجى عن وُكنات اليَمَام وأفاحيص القطا وأكواخ الفلاحين، ويقـبِّل نورُه ثغور الكائنات، فينهض محمد ويتجه كعادته إلى الحقل بعدما يتناول فطور الصباح، أما الأم فتتفرغ لشؤون البيت من طحن وعجن وطهي وغيرها، بينما يخلو الولدان لبعضهما البعض، فتارة تراهما يتسابقان أو يطعمان الجَدْي الرابض، وتارة يتداعبان بسذاجة طفولية بريئة تتبعها ضحكات تنير الكوخ المُقـفر .
وهكذا استمرت حياة تلك العائلة البسيطة إلى أن بلغ الولدان السادسة من العمر، فالتحقا بالمدرسة، فكانا يتجهان إليها مع كل صباح قبل أن تغادر الطيور أوكارها للوصول إليها في الوقت المُحدد، في البداية كان يرافقهما محمد، ولما تعوَّدا الذهاب وحدهما، كانت كلثوم تصل بهما إلى منتصف الطريق، بعدما تملأ محفظتيهما ببعض المأكولات عُدة لهما، ثم تعود إلى الكوخ .
وأجمل مشهد يمكن أن تراه هو منظر الطفلين البريئين، وهما متجهين إلى المدرسة يدًا بيد، جنبا إلى جنب خاصة في أيام الشتاء، ترى " رحمة " تحتمي بكمال وكأنها تشير له وتقول : البرْد يا أخي، فيرُد عليها : لا تخافي ياأختاه، أنا معك، وهو يضمّها إلى جنبه، ويظهر قوّته متحديا تلك الأهوال، متصديا لها كما تتصدى زهور العبّاد لحرارة الشمس الحارقة والتي لا تزيدها سوى تفتحا وفوْحًا وحُبورا .
وفي المساء يعود الطفلان وعيونهما مكتحلة بالفرح والغبطة لدخولهما هذا العالم الفسيح الغريب، فلقد أصبحت أناملهما تخط على الورق بعض العـبارات والجُمل البسيطة، وترسم الطيور والأشجار والجبال وكل مانطقت به الطبيعة من حولهما، وكانا يجلسان للمذاكرة في كل مساء عملا بتوجيهات المعلمة، لا حبا في المذاكرة نفسها، بل شوقا إلى تلك الكلمات التي دوّناها في الصباح، وإلى تلك الصور المرسومة على صفحات الكتاب الذي أعطته إياهما المعلمة، وكثيرا ماكان النعاس يمد راحته ويمسح جفونهما بلطف وهُما على تلك الحال، فيذهبان في نوم عميق حالميْن بالجلوس على الكرسي المدرسي، والتأمل في تلك الأضواء التي لم يعهدوها، ولم يروا لها مثـــيلا في الأيام الســـابقة، بعد ذلك تنهــض كلثوم فتغــطيهما وترتب كراريسها، ثم تتجه إلى مضجعها لتـنال قـسطا من الراحة على أمل لقاء الصباح .
وعلى تلك الحال تربّى كمال في وسط العـش الدافئ الذي عوّضه ما فقده من حنان، وهو يكبر شيئا فشيئا مع رحمة، وكأنهما زهرتان في أوائل أيام الربيع، حتى بلغا السادسة عشـر من العمر، فبدأت ملا مح الرجولة ترتسم على مُحيا الفتى، ولقد ألهمه الله بنور العلم، وحبَّبَهُ إلى نفسه، فانكبّ على الإطلاع حتى فاق أترابه كلهم، حيث أتقـن الرسم والخط ومال إلى الشعر والكلام الرقيق واللفظ الأنيق، وكثيرا ما كان يكتب بعض المقاطع، ويغنيها على مسامع رحمة، فتبتهج أيّما ابتهاج، ولقد كانت له نظرة عميقة إلى الحياة رغم حداثة سنه، فما كان أبدا ينظر إلى سطوح الأمور، بل إلى نواتها، ولا إلى وردة الحياة فقط، بل إلى أشواكها أيضا، فكان يبدو لزملائه إنسانا غريبا ولقبوه بالفهيم، بالإضافة إلى ذلك، فإنه عرف تقنيات الحرث والزرع والحصاد، وأنواع الحبوب، ومواسم زرعها، ومختلف الأشجارومواقيت غرسها، بعدما كان يتجه إلى الحقل في وقت فراغه ويساعـد محمد في أعماله الشاقة .
أما رحمة فقد اعتدل قدّها، وامتلأ جسمها وتورَّدت وجنتاها، وازدادت روحها خفة وحلاوة، بوجه وسيم، وصوت رخيم وفكر سليم، فقد إنقطعت عن الدراسة بعد سنوات معدودة، وتفرغـت لمشاغل البيت رفقة أمّها، كما تعلمت فنون الطبخ، وألوان الأطباق من خلال الكتب التي كانت تقرأها، فكانت أمها تثني عليها كلما قدمت أطباقها البسيطة الشهية، وما كان يزيد الفتاة البريئة سعادة وغـبطة هو أن ترى كمال يتلذذ بما قدمته له من مأكولات، فيشكرها على ذلك ويمدح إياها .
ولقد كان الولدان يخرجان يوم الجمعة للتنزه خاصة في أيام الربيع عندما ترتدي الطبيعة أجمل حلة لها، فيذهبان إلى ينبوع ينفث من صلبه بماء نقي صافي، ويجلسان بقربه يتفرجان على تلك المناظر الخلابة، والطيور تناغي وتنشد قصائد السعادة المرفرفة على روحيهما الطاهرتين، وكثيرا ماكان كمال يقطف باقة زهور، ويقدمها لرحمة، فتمسكها شاكرة إياه، لتضعها في المساء في مزهريتها التي صنعتها لها أمها من الفخار، وكان الولدان يقصدان قبل الرواح الكوخ الذي وُلد فيه كمال، ويودعان أسراب الحَمَام التي اتخذت منه أوكارا، ثم يعودان إلى الكوخ بعودة الشمس إلى مخــدعها والطيور إلى وكناتها، والأنعام إلى مرابضها، وكلهما شوق لسماع قصص الألى، التي يرويها محمد إذا ماالليل جن، وغشي الظلام الكون وساد السكون والهدوء .










   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:18 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير