العودة   منتدى النرجس > المنتديات الأدبية > منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 20-06-2010, 05:43 PM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً



مرّت أربع سنوات على كمال، وهو بين الأحضان الدافئة لتلك العائلة، ينهل منها العطف والحنان، ويتلذذ بأهنئ عيش، ولقد أعاد إليه الدهر نبراس الأمل الذي خطفه منه في الأيام الماضية بمخالبه، وعادت نشوة الحياة إلى نفسه بعدما طرد الدهر عنه سهام المُنون التي كادت أن تقطع أوردته، وابتسم له الزمـن ابتسامته العريضة، بعدما كان مكفهرا عَبُوسا، ومسحت جسمَه شمس الجمال بنورها مسحة ًطاهرة، فأكسبته قدّا معتدلا، وخدا مزهرا، وملامح بهية تغطي مُحياه، كما يغطي اللحم بقايا الجراح المندملة، بعدما كانت مختفية وراء سِتار الآلام ووخــز الأسقام، وحُرقة الجَــمَرات المنسكبة من الأحداق .
فقد كان احميدة له الأب ببشاشته، والأخ الأكبر بعطفه، والصديق الوفي بنصحه ولطفه، وخديجة، الأم بحنانها والأخت الكبرى بحبها، والعمة برأفتها، وما كان يمرّ يوم إلا وازداد فيه حبهم للفتى الغريب، نظرا لما وهَبَه الله تعالى من خلق كريم، وحكمة في الحياة، وكلام رقيق يذيب الأحجار وترْكدُ مُنصتة ًله الوديان والأنهار، بالإضافة إلى كونه نشيطا حازما، فلقد كان يستيقظ كل يوم قبل أن تغادر العصافير وُكناتها، فيُصلي ويبقى مترقبا إستقبال تلك المملكة الصغيرة المحيطة بعَرشه لبريق الصباح إلى أن تأتيه خديجة بالفطور، فيتناوله ثم يتجه إلى المدرسة، فيظل مُنكبا على العِــلم حتى المساء .
ولقد كان كمال ذكيا ماهرا في اكتساب القلوب، وخطف الأحداق من العُيون، وزرع الإبتسام على الثغور، فمن حين لآخر كان يقطف باقة ورد جميلة ويباغت بها خديجة فتفرح كثيرا، وتضع قلبها في راحته اليمنى، أما احميدة فيفاجئه بباقة أشعار يمدحه فيها فيثـلج صدره، ويضع قلبه في راحته اليسرى، كما كان يعمل بحماس فـيَّاض . فكان في أيام الخريف يلتقط ويرمي بعيدا أوراقَ الأشجار المتناثرة، والتي انتزعتها الريح من أمّهاتها وألقتْ بها على الأرض، ويهيِّءُ الأحواض لاستقبال حبّات الغيث، ويقتلع الأعشاب المتطفلة على لقم الأشجار، أما في فصل الشتاء، فيفرّ إلى غرفته وجلا من سُعَار الفصل المرعب، خاصة عندما تموت الشمس في راحة السماء، وتعزف الريح ألحان الهجاء سُخطا على الكائنات، ويكفـن الثلج كل المرئيات ظنا منه أن هزيم الرعد قد أفقدها الحياة، وكثيرا ماكان احميدة وزوجته يأتنسان بكمال في تلك الليالي البعيدة الأعجاز، والتي تطرد الكرى عن جُفونهم، فيسهر الجميع قرب المدفأة على كؤوس الشاي، ويعيشون الحكايات الأسطورية والطرائف المضحكة، التي تتناوبها الألسنة، والمناظرات الشعرية التي تزخرف المجلس، فكمال واحميدة هما الطرفان، وخديجة هي الحَكمُ الذي يُرجِّحُ كفة القسطاس إلى كمال دائما، غالبا أو مغلوبا .
بينما في فصل الربيع، وعندما تكون الطبيعة عروسا بارعة الجمال مزدانة بأثواب خضراء متحلية بعقود من شتى الورود والأزهار، وحول مِعصمها سِوار قوس قزح . كان الفتى يقضي أمسياته في تلك الروضة الغناء والجنة الفيحاء بين أشجار البرتقال والليمون واللوز، يقلم فروعَها المُتمردة، ويروِّي عروقها الضمآنة بأنقى المياه، ويناجي الطيور المغردة النشوانة بكؤوس النسيم وسِحْر الربيع الجميل، ويتجول بين تلك الغواني المتراصفة في الحديقة والتي أيقظتها زقزقة العصافير، فربَت وتطاولت سيقانها وغمَرعـــبيرُها كل الأرجاء، واختلفت ألوانها وأشكالها وتمايلت، عارضة أزياءها على مَرْأى الربيع، شاكية إليه عذاب الفراق وجُورَ الشتاء، ساكبة على وجناتها دموع الفرحة بقدوم سيِّدها، أما الذابلة منها، فهي تخجل من بشاعة وجهها، فتحاول الإختفاء لتبكي أيامها التعيسة، لكن وَليَّها الربيع يراها، فيتقدم إليها، ويطمئنها ويَعِدُها بالنضارة في العام المقبل .
أما عندما يجيء الصيف حاملا شعاع شمسِه اللافح ونسائمه الحارة وسماءَه الأصفى من المرآة ، وثماره التي تتبرج بها البساتــين، فالفتى في هذه الأيام كان يـخلو بالكــتب والمجلات التي تصادفها أنامله، وأحيانا يذهب إلى البحر لا ليسبح، بل ليقرأ ما يكتبه الزبد على صفحات الرمال، ويتذكر ماضيه الحزين وأيامه السوداء، وعندما تبتعد الشمس قليلا عن الكائنات في آخر النهار رأفة بها، يتجه إلى الحديقة حيث الأشجار الظمآنة التي انتظرته طويلا ليسقيها، ويجني ثمارها اليانعة خاصة أشجار الكروم، التي نفذ صبرها وأثقلت كاهلها عناقـيدها المُتدلية .
وأهم ماميَّـز حياته في تلك السنوات الأربع هو دخول تلك الفتاة التي لا يعرف عنها سِوى سواد عينيها صَرْحَ نفسه الخالي، ووطأت قدماها بَيْداءَ قلبه، فقد كانت تنتظره في مخرج المدينة عندما يعود من الدرس، فتضرب بلثام على وجهها، وتخرج من جيبها أوراقا نقدية تعطيها إياه، فيرفض في بادئ الأمر، لكنها تسبقه دائما بالقسَم يمينا خالصا على ضرورة مَسْكِها، فلا يَهُون عليه أن يرُدّها في يدها المرتعشة، فيمسكها شاكرا إياها بأرق العبارات وأعذب الكلمات فترد عليه بلغة اللحاظ وتنصرف، أما هو فيبقى يلمّ قصاصات شرايينه التي قطعتها تلك السهام التي رمته بها من عينيها، ويمشي مُصارعا جلبة ذاته .
ولقد توسّل إليها مِرارًا أن تنزع لثامها، أو تعرِّفه بنفسها، لكنها أبَتْ، بل سوَّلت له نفسه أن ينزع لثامها عُـنوة ليعرف من تكون هذه الكريمة، لكن صوت الضمير لعْلعَ في أعماقه مُحذرا إياه من مقابلة حفنات التـِّبْر بأطباق الشوك، فكبَحَهُ دويّ الحق وسلم أمره لدوامة القدر آملا منها أن تزيح القناع عن الوجه المسـتور، وتأتي بعــهد السعادة والســـرور .




***



ودّع كمال شتاء العام الخامس بين أحضان تلك العائلة، واستقبل ربيعه الذي أتى بأنفاسه الرقيقة، ونفحاته العَطِرة مُتباهيا بما اكتساه من أثواب مُلونة، فخورا بكثرة عشاقه، مستهزئا بغرور الشتاء وجُهُومَتِه، حاملا معه بذور المحبة ليغـرسها في القلوب الطيبة، وسُرَج الأمل ليضعها في أيدي البؤساء، وتيجان السعادة ليلبسها من إبتسمت لهم الأيام .
جلس كمال ليستريح بعدما روّى الأشجار المزدانة بالبراعم الفتية، وبقي مترقبا لحظة توديع الورود الجميلة لقرص الشمس المُنحدر إلى المغيب، ويستمع إلى هَمْسها وشكواها مَرارة الفراق، فإذا به يسمع وقع خطى خفيفة تتجه إليه، فنهض فلمح فتاة في ريعان الشباب، ممشوقة القد، لها حاجبان كالهلال، وعينان أبهى من الزهر وأعمق من البحر، وشفتان أحلى من مزيج الدِّبس والشهد، تبدو عليها ملامح الغنج . تحمل صينية وتتقدم إليه شيئا فشيئا، فلما وصلت إليه تحرك من مكانه، وإذا بحبّة عَرَق سقطت من جبينه . بادرها بالتحية قائلا : أسعد الله مساءك، فردّت عليه بكلام أرق من لحن العُود، وأنفاس أعطر من ريح المسك وصوت أوقع في النفس من معزوفــات النــــــاي، قائلة : مساء الخير، خذ هذا الشاي، فإنه يزيدك قوة ونشاطا، فأمسكه وألقى على مَسَامعها كلمات الشكر بلسان مُتلعثم وعقـل مسلوب، ثم قال بعد أن خيّم عليهما الصَّمت بضع دقائق : لكن، لو تسمحي لي ياسيدتي، من أنت ؟ فأنا لم أعهَدْ رؤيتك في هذا البيت، فابتسمت وقالت : بل تراني دائما .
ثم أخرجت منديلا حجبتْ به مُحيّاها عنه، فحدّق كمال جيدا في عينيها، فإذا هي تلك الفتاة التي تجُودُ عليه بالنقود في آخر كل شهر، وما إن من تأكد من ذلك حتى جثم محاولا أن يقبل رجليها، لكنها أبتْ، ومدَّت يديها الناعمتين ورفعته عن الأرض فأحسّ أنه يحلق بعيدا بأجنحة السعادة التي دبّت في ضلوعه، وسَرَت في عروقه مع نجيع الدماء، فأصبح كالعصفور الذي كسا الريش جناحيه، فبدأ يتأهّب للطيران لأول مرة، فلما استقام دبَّجَ وجهَه بابتسامة لطيفة، فاستدار مُحياهُ كالبدر وقال : ياالله، خبريني كيف دخلت هذا المنزل، وهل لك صِلة ٌبأهله ؟
فأجابت قائلة : لن أخبرك حتى تأتيني وعْدًا، لتكتمَنَّ ما أقوله لك، فلما وعَدَها وحلف لها يمينا خالصا بمَحْض إرادته قالت : إعلم أنه سقط رأسي بهذا البيت منذ ثمانية عشر عاما، ولقد حجبني أبويّ عن مرآك، ربما لحاجة في نفسيهما، فكنت أتلثم وآتيك بالدراهم لأني أعلم أنك عديمٌ مُحتاج، وكثيرا ما سمعتهما يتحدثان عــن خـصالك الحميدة، فاغتنمت فرصة خروجهما اليوم لأقـدم لك الشاي، والذي صنعـته بيدي، وأتمنى أن يعجبك .
إذذاك بدأ كمال يضرب جبينه براحته ضربات متتالية ويقول : آه ! لقد قضيت خمس سنوات تقريبا في هذا البيت، ولم أعلم أن هناك فتاة لطيفة تسكنه، سبحان الله !
- سأعود الآن قبل أن يعود أبواي وينكشف الأمر .
- لكنك لم تخبريني مااسمك ؟
- لا ، لا هذا لا يهمك ، مع السلامة .
سارت الفتاة باتجاه غرفتها، بينما بقي كمال يترقبها حتى غابت عن أنظاره بعدما ملكت قلبه، وأضرمت النار في مُهجته، وأجّجتها في كبده، فمشى إلى غرفته سكرانا بسُلافة الحُب، ولما وصل رمى بجسمه على السرير، وراح يغازل الطيف المنعكس على مَرَايا نفسه، فمدّ يده ليمسكه، لكنه فــرّ منه، ثم راح يناجيه ويتوسل إليه قائلا : تعال إلي، لماذا لاترأف بي، تعال إلي، لماذا لاترأف بي، تعال إلى دفء روحي وعانقها، واسكبْ في فاها قليلا من ريقك العسلي علك تشفي غليلها، وسُرعان ما استفاق وطرَد وساوسه وقال : مابك ياكمال ؟ هل أنت ولهانٌ إلى هذه الدرجة، أم بك مَسّ من الجن ؟ أتخاطب العفاريت الطائرة أم الجــن الماردة ؟ أين هي هذه التي تجري لاهثا خلفها ؟ ثم ضحك على حماقاته، ونهض لكن الطيف لايزال يراوده .
وجاء الليل، وما أطول الليل في عيون العشاق، وما أبعد فجره ! جاء الليل، فبغشت السماء قليلا، وتناثرت حبات المطر على زجاج النافذة، فنهض وبقي يراقب كيف تمتزج حبيبات الرذاذ بنور القمر الخافت، وكيف ترتشف الورود كؤوس المَطر، ثم عاد واتكأ على سريره محاولا النوم، لكنه لم يجد إليه سبيلا . أحس بقلق شديد، فبقي يجُول في أرجاء الغرفة، كمَن طال انتظاره لشخص عزيــز، ثم تفطن إلى القراءة، فحمل كتابا وراح يقلب صفحاته، لكنه لم يستطع أن يقرأ جُملة واحدة، فحطه في مكانه وشرب كوْبًا من الشاي، فمازاد طير الكرى سوى التحليق بعيدا عن عينيه، إستلقى ثانية على سريره، فسمع قلبه يهمس ويقول : خلصني من أنامل تلك الفتاة إنها تعصرني في هذه اللحظات كالليمونة، فأيقن الفتى أنه جبروت الحب، ولم يستطع أن يفعل شيئا سوى أن يُعـزي قلبه بحفنة دموع فاضت من عينيه، وبعد هنيهة أحس أن قلبه يشتهي أن يسكب عصارته، فاستجاب له وجلس على كرسيه وحمل ورقة بيضاء كتب عليها :


هَواك بين ضُلوعِي مِــشعَلٌ يَلـــهَـــبُ
والدّمْعُ مِنْ مُقــلـتي لـه الـنّوى يَسْكـبُ

فالـــبدروالنجم والـدّجى مـعي تشـــهَدُ
والقـلبُ والجَــفنُ والأنـــامِلُ تكـــــتبُ

هَيْهات، هيهات أنْ أهـْوَى سِـواك أيـا
ناءٍ عـَن العَيْن، إلى مُــهْجَتِي يَقــــرُبُ


ثم كتب اسمه وأخفى الورقة، وفي الصباح خرج باكرا يترصّد مُؤرِّقته عَلها تنظر إليه نظرة الراحم المشفق، لكنه لم يرَ لها خيالا، وكذلك بقي كل يوم لكن بدون جدوى، وكأن السماء اختطفتها أو الأرض ابتلعتها .


***


حمَل الربيع حقائبه وأمتعته ورحل بعيدا، ومرّ على رحيله شهر كامل، فازداد كمال شوقا
وحنينا واحترق لوعة ووجدا، وفي إحدى الليالي النجماء وقد ذهـب هزيعُها الأول، هـزته الصبابة هزا عنيفا، فأزمع أن يرى محبوبته، حتى ولو أدّى به ذلك إلى خروج روحه من لحمه، فقام وجعل القصاصة الشعرية في جيبه، وخرج من غرفته وتسلق السور، ومشى حذرا خائفا من انكشاف أمره . تجلى له ضوء خافت تشق أشعته عتمة الظلام، فاتجه نحوه إلى أن انتهى به المسير إلى مصدر النور . أطل من النافذة فإذا هو شبح الفتاة التي رآها في أوائل أيام الربيع، جالسة على كرسيها تنظر إلى الورقة البيضاء الموضوعة على الطاولة وإلى قلمها، وتشدّ رأسها بقوة عَلَّ شؤبوبَ الإلهام يتدفق، فنظر إليها الفتى مُتحيرا من أمرها، ثم أدخل الورقة التي كتب عليها عصارة قلبه من تحت الباب، وانصرف خائفا، ونام حالما بالـــرد والوصال .
وعندما ألقى الصباح وشاحَهُ على صدر الكون، قامت " كاميليا " وغسلت وجهها المُبرقع بالسّهاد، وجلست إلى المرآة، فاكتحلت وذهبت لتناول فطور الصباح، ولما همّت بفتح الباب، حمل النسيم إليها ورقة مطوية، ففتحتها، وقرأت سطورها بتمعـن، فعرفت أن الفتى يحمل لها أكثر مما تحمله له، فقبلتها ووضعتها في حافظتها، وقلبها يخفق بشدة، وكأنه لأول مرة أشرق فيه بريــق السعادة في سمائه، ودبّت في أوردته نشوة الحياة .
ولما جاء الليل، جاء بأثقاله وحطها فوق كتفيها، فأصبحت تترقب بلهفة مجيء الصباح علـَّهُ يزيح تلك الأعباء، لكن الصباح أبى المجيء، فحملت يَراعها وكتبت حروفها المتأوهة، وكلماتها النابضة بالصدق، ثم حملت ورقتها، ونزلت وفتحت الباب الخلفي، واتجهت نحو غرفة مؤرِّقـــها، لتنظر في وجهه الجميل، ثم تنام مطمئنة .
أخذت تمشي بحذر، بينما هو كان يُسامر النجوم، فلما رأى نورا يضيء أرجاء الحديقة وشبحا يتقدم شيئا فشيئا، إختفى خلف شجرة وبقي يترقبها، فلما وصلت إلى غرفة كمال أطلت من النافذة، فلم ترَ سِوى الدّوَاة، أو بعض الكتب والأوراق المبعثرة على الطاولة، فمسحت عينيها جيدا، وأعادت النظر ثانية، فإذا هي خاوية ٌعلى عُروشها . راحت عندئذ تطلـق تنهيدات متتالية أسَفا وحسرة . في تلك اللحظات تقدم إليها كمال، ووضع يده على كتفها، فالتفتت مندهشة مذعورة وقالت متلعثمة بعدما حدقت جيدا في وجهه الجميل : إسمح لي، لقد ضاق صدري الليلة، فنزلت بهذا المكان علني أروِّح عن نفسي، أو أجد راحتي في هذه الحديقة الساحرة، فابتسم ونزع بلطف من يدها تلك الورقة، وقرأ كلماتها، فأدرك أن سهمه قـد أصاب الهدف فقال : حمدا لك يارب ! لقد استجبت دعائي ، هيا تعالي ياثمرة حياتي نجلس جنبا إلى جنب، هيا اجلسي يا منارة ذاتي المظلمة، يا ...
- لا ، لا إني خائفة، سأنصرف الآن، ما أوصيك به هو إن أردتَ الكتابة إلي، فضع رسائلك في الصندوق الأحمر الموجود قرب المخرج الرئيسي للمنزل، فكلامك الحُـــلوالجميل وحده يكفيني .
- مادمت تودِّين الرواح، فلا أقدر أن أمنعك، لأنك إن طلبت عيوني فهي ملك يديك، ولو طلبت روحي فهي بين راحتيك، لكن دعيني أرنو بضع ثوان إلى عينيك علني أغــرق، فإني أشتهي الغــــرَق الآن !.
إنتعشت الفتاة بخمرة الحب، فابتسمت وقالت في دلال وبذكاء وفي كبرياء : ياسلام، أنت مُحِب إلى هذه الدرجة ؟ الحب ياعـــزيزي إحساس نبـــــيل لا تتلفظ به الألسنة، بل يبوح به احمرار الوجنات وعسل العيون، إذن لواعجُك التي تسكبك بين يدي ليست إلا زيف، وابتداءا من هذه اللحظة يمكنك أن تنساني، مع السلامة ...








   رد مع اقتباس

قديم 20-06-2010, 05:44 PM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً



من كمال إلى كاميليا :

هل أنســـاك ؟
أمْ أنـــسَى دَمْدَمَــة كــــلِمَاتِكِ فِــي فـــــــــــؤادِي
أو أنسى طيفكِ وهُو يرقصُ على مَسْرَح سُهَـادِي
كيـف أنـسى أنشـودة ًبعثتـني مِنْ سَكرةِ رُقـــادِي
وسُــــــنونوة ًهِـــي كــــل أمَـــلي وَمـُـــــــرادِي
هل أنســـاك ؟
أم أنسى ابتــــسامات الصّـــــبَاحْ
وسَخاءَ الرّبيع بعِطرهِ الفــــوّاحْ
أم أنسى هَمَسَاتِ الزهور المِلاحْ
في مَسـامِـــــــــــــــــع الأرواحْ
هل أنساك ياوردة ًمُبتسمة
أم أنسى الأمواجَ وهي مُتناطحة أمَــامِي
أبمَقـدُوري أن أنسى أيّامي وأسْـــــقامِي
عجزت أن أنسى طيفكِ وكـلماتِك
ولا المَوْجَ والزهرَ والربيعْ
عجزتُ أن أنسى ولو إحدى هذه الأكمام الصفراءْ
فكيف أنساك ؟ كــــيف أنســـاك ؟
وكلها جزءٌ منكِ
وكـلها أكمامكِ التي تزين مُحَيَّاكْ !!.


***


مضى شهر كامل، وكمال ينتظر الرد، لكن من يسمع أنينه أو يُواسي شجونه ؟ ولقد أصبح طيف تلك الصبية لا يكاد يغادره، وأضحى يعيش في بحر الأوهام التي تهجم عليه، كلما تقدم إليه الليل، فتارة تراه يسير جارّا أذياله بين الأشجار، وتارة يكفكف الدموع المُهراقة من عينيه، وطورا يخاطب الطيور والصخور والحشرات والنجوم كالمجنون، ولمّا نفذ جَلده إلتجأ إلى يراعه فكتب إلى محبوبته يقول :
عـــــندما تـــــنطق الحُـروفُ والكــــــــلماتْ ...
عندمَا يُطلق اليَرَاع ُكل ما يَحْويهِ مِن ْزفـرَاتْ
عندما تـتِــــــيهُ في دفـــــاتري العِـــــــباراتْ
وعندما ترسُــم الدّمـعة إسـمكِ على الوجـناتْ
ثـم تسـقـط ُ...
لمّــاعة ًسَــمْــــحاءْ
فتـمــتـزجُ معَ المِـــداد ويرسُــــمان إســمكِ
ثم يكـــتبان مع صَــمت الـــــدُّجى :
عيناك أوقيانوس عميق، رُحت أبْحِر فيه حيث اللانهاية، فلما وصلتُ إلى ذاك السِّحر الذي يزينه، أصبحت عالقا به، وبعد استراحة قصيرة، أكملت سَفريتي بزورقي الصغير، فرأيت ألوان الجمال، تحيط بها الأشواك والأهوال فوليتُ فـزعًا .
ياوردة مُبتسمة في وجهي، أنا لا أقول لك أحبك، وكلِفٌ بك، و ، ...بل أقول باختصار أن حبكِ أحالني إلى قطرة ندًى حقيرة، فأتوسل إليك أن ترتشفيني من ثغورك عساني أحضى بقليل من دفء أكمامك المتفتحة !








   رد مع اقتباس

قديم 20-06-2010, 05:46 PM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً


من كاميليا إلى كمال :

بعد التحية والسلام :
كتاباتك يا – كلمة لاشجاعة لي بقولها الآن – وصلتني، وهي محفوظة في ضياء عيوني، وكلماتك خبأتها بين طيات جفوني وحروفها جعلتــها ذخرا أواسي شجوني .
أقول لك خليلي في كتابي هذا أن هواكَ لا محالة قاتلي، وحُبك إضطجع مفاصلي، وطيفك توسّد مُـقلي، وإني لأرى الحياة بدونك زهرة ذابلة، والأيام كذبة زائلة والصباح ظلمة داكنة .
سألت دائي القمر والنجوم والسماء، فقالت : دواؤك بسمة ٌمن ثغر الحبيب، وسألت الطيور وقسْطلة المِياه الجارية، فقالت : شفاؤك همسة مـن جفون الخليل، ولقد تجلدت، ولطالمَا صارع كبريائي القلب، لكنه خرج منهزما، وبقي القلب ينادي بأعلى صوت : إنتصرت، إنتصرت، وهزمت ألدّ الخصوم، وبانتصاره أعلنت أنا بدوري هزيمتي .
لا تؤاخذني، لقد كنت قاسية معك بعض الشيء، لكن في غضون قسوتي قلبٌ يعتصر ألما، وينصهر وجْدًا !! صدقني، هربت مِرارا من مخالب الحب لأني أهابُهَا كثيرا لكن هذه المرة، وفي هذه اللحظات بالذات أصرخ وأقول : إني مهزومة، وأنادي بأعلى صوتي : إني أضعف مخلوق أمام شعاع عينيك، فإن كنت ذو أنفاس طيبة، فاجعل صدرك صندوقا لمْلِمْ فيه أشلاء روحي المتكسرة، ولسانك باب صدرك الذي تغلق به على ماتبوح به فتاة مسكينة سكب الحب بريقه على قلبها الصغــــير .




" سلامٌ عليك من التي تحمل
لــك أكــثر مما تحمل لها "



***




رن ّالجرس، ثم طرق الباب مَرّات مُتتالية طرقا خفيفا، فنهض احميدة من على الأريكة متثاقلا ليفتح الباب مُرددا : ترى من سيزورنا في آخر النهار ؟ فسبقته خديجة وقالت : إجلس لتستريح، سأفـتح أنا الباب .
- آه ! أمينة، أختي العزيزة، تفضلي، تفضل سي احمد مرحبا بكما .
- أهلا وسهلا بكما، ماهذا الغياب الطويل ؟ تفضلا، قال احميدة بعـدما قام لاستقبال ضيوفه .
ردّ أحمد مبتسما : الحمد لله يا أخي احميدة، أعذرنا فالظروف كما تعلم تعرقلنا على زيارتكم .
جلس الجميع في غرفة الإستقبال يتبادلون أطراف الحديث، بعد ذلك حُط سماط العشاء، فأكلوا ثم وضع إبريق الشاي، فصبّ احميدة لكل واحدٍ كوبا، وراحوا يتسامرون في بَهجَة وسُرور حتى كاد أن يذهب النصف الأول من الليل، فقررت أمينة أن تفتح الباب إلى لباب الحديث فقالت : أين كاميليا ؟ ألا تريد أن تــرى خالتها، وتطمئن عليها ؟ فردت خديجة : بلى، إنها تنام في أول الليل، وتستيقظ عند الفجر لتحضر للإمتحان النهائي، فهو أحسن وقت للمذاكرة .
أشعل أحمد سيجارة وطرد بها أول نفــس ثم قال : والله يا أخي احميدة، منذ خمس وعشرين سنة إقترنتُ بأمينة، ولم أرَ فيها سوى أسْمَى الخِصال من ذكاء، وخِفة روح وحسـن خلق، وكذلك فعلت أنت بأختها خديجة، وأظن أنك لم تـرَ فيها عيـبا قط، أليس كذلك ؟ فهزّ احميدة رأسه ثم أطلق : بلى، فأكمل أحمد حديثه قائلا : وكما قال الأولون : إذا عرفت الأم، فإنك عرفت ابنتها، فقاطعت أمينة كلامه قائلة بلهجة المُتوسِّل : وقصْدُنا في هذه الليلة المــباركة أن نطلب يدَ ابنتكم، ونزفها في الأيام المقبلة إنشاء الله عــروسا لابننا " سامي " الذي تعرفون عنه الوسامة والجد، و....،.....، وما كادت تكمل مَديحَها لابنها حتى قامت خديجة وأطلقت زغاريدا متتالية، ثم أحضرت زجاجة عِطر رشتها بأريجها، فمدَّ احميدة يده إليها وأجلسها وقال : لا أريدك أن تكوني جاهلة، دعـينا نرى رأيَ الفتاة أولا .
- وهل أنت في ريْب من عدم موافقة الفتاة التي عجنتها بيدي، وأين ستجد بعْلا أحسن من ابـن خالتها ؟
- هيا، قومي واخبري الفتاة بالأمر .
نهضت خديجة، وبعد هنيهة جاءت بكاميليا إلى المجلس، فسلمت على خالتها وزوجها، وجلست بمحاذاة أمها .
أمينة : أبشري يا بنيتي، غدًا سوف تصبحين عروسا جميلة لابن خالتك، هيا تعالي إجلسي بجانبي ياحبيبتي، فلما سمعت البنت تلك الكلمات التي نزلت عليها كالصاعقة، جَمدتْ ولم تستطع النطق، وبقيت صامتة لبعض الدقائق، ثم قامت وهرولت إلى غرفتها دون أن تنبس بكلمة، حينئذ أطلق أحمد قهقهة عالية وقال : السكوت علامة الرضا، هيا بنا نعود يا أمينة إلى المنزل، فالفتاة تبدو خجولة، وفي الأسبوع القادم إنشاء الله سنعود لإعلان الخطوبة الرسمية .
- مع السلامة، نحن في انتظاركم، قالت خديجة، ثم أوصدت الباب مُودِّعة الضيوف ثم اتجهت مباشرة إلى غرفة ابنتها مَسْرُورًة وجلست تداعـب خصلات شعرها وتردد :
- مبروك يا جمـيل .
- لكنني لم أتمِمْ دراستي بعـدُ يا أماه .
- اللعنة على دراستك هذه التي تجُرّك شيئا فشيئا إلى هُوّة العُنوسة، طيب، أي شيء أحَبّ إليك ؟ أتلك الكراريس والكتب التي تتوجهيـن بها كل يوم إلى قاعة الدرس، أم رضيع صغير أمامك في مهده، يحدثك بلغته، ويبتسم فينير لك أرجاء البيت ؟
- دراستي قبل كل شيء .
- في الأسبوع القادم، ستكون خطبتك الرسمية، وبعدها تزفين إلى بيت زوجك، وستعرفين بعد ذلك ألوان السعادة، وسوف تتذكرين كلامي، وتقولين لامَحَالة : أنت على حق، لأنك اليوم لا تزالين غِرّة، لا تعرفين سِوى قشور الأمور، هكذا أطلقت خديجة كلماتها، وانصرفت فوجدت احميدة في انتظارها .
- هل وافقت الفتاة ؟
- بالطبع، إسمح لي الآن، إني ذاهبة للنوم، كي أقوم في الصباح باكرا لأرتب لها أثوابها وحُليّها ولوازمها .
أما كاميليا فقد أغلقت الباب بإحكام، وارتمتْ على السرير، وطفقت تسكب العبرات من عينيها شؤبوبا لا يجف، إلى أن أحست أن الكرى قد هجم على أبويها، خرجت متسللة صوب غرفة كمال، ودقت الباب فخرج، ولم يصدق كيف ساقَ إليه القدر محبوبته في هذا الوقت بالذات، والذي كان فيه مُنادمًا لطيفها، فارتعدت مفاصله وخفق قلبه خفقانا شديدا، ثم رسم ابتسامة جميلة وقال : لا أصدق أنني في حقيقة، وكأن القدر أشفق علي، فمدّ يدهُ وحملك إليّ، هيا تفضلي ولا تخافي، فالكل أظنهم نيام .
دخلت الفتاة، ثم تشجعت وحدقت في عينيه الواسعتين لأول مرة، فنظر هو بدوره إلى عينيها وإذا بدمعة رقصت بضع ثوان على حدقتها ثم سقطت على خدها، فمدّ يده ومسحها بلطف وقال : سمعت الزغاريد، بُـشرى خير إنشاء الله .
- وأي خير ؟ خالتي جاءت تطلب يدي على لسان إبنها سامي .
- وماذا ترين ؟
- لا أرى سِوى النور ظلاما .
طأطأ الفتى رأسَهُ وفكر قليلا ثم قال : عُودي الآن إلى غرفتك، وفي الصباح أخبري أمك عن موافقتك القِـــران بابن أختها ! .
- وأنت ؟.
رفع كمال رأسه، ونظر إليها نظرة يائس من الحياة، فانهمرت الدموع من عينيه غزيرة، وجرَتْ على خديه وقال : أنا، لكـن مَنْ أنا ؟ لقد عرفتُ في هذه اللحظات فقط من أنا، ومن أنت ؟ وليتني لم أعرف، كم كنت مخطئا لمّا استجبت لصُراخ قلبي، ونسيتُ خليتي في مملكة الوجود، وكم كنت غبيا، عندما أردت أن أجلس بجانب القمر على تختٍ واحد، ونسيت أنني مَوْجة ٌحقيرة تتلاعب بها الرياح كما تشاء، حقا نسيت نفسي فقادني قلبي إلى مَسْرح أحلام تتبخر بدُنوي منها، والآن فقط عرفت من أنا ومن أنت ؟ وليتني لم أعرف، ليتني لم أعرف ..
فأزمعتُ أن أحفر بأظافري ضريحًا لقلبي أواريهِ فيه، وأصغي إلى سلطان العقل الذي طالما حذرني من رؤية الأشواك ورودا !
- ماذا تقول ؟ أتشك في حبي لك ؟
أطبق كمال رموشه، وكأنما يريد أن يُرجع تلك الدموع المنسكبة من عينيه إلى أعماق قلبه وقال : آه ! لو تعلمين مَدَى حُبي لك، لقلتِ أنه فاق حُب الندى للورود، وحُب البلابل للأغاريد، لكن عرفت أنكِ السماء وأنا الأرض، أنكِ البسمة تفتح القلوب وأنا الدمعة تجرح الخدود، سامحيني يا كاميليا لأنني لم أحْسِن إستقبالك، هيا ارجعي الآن إلى غرفتك ونامي قرير العين، وفي الصباح تزيّني واخرجي إلى صديقاتك وانبإيـــهن بخبر خطوبتك، فإنهـن سيفرحن كثيرا، أتركيني من فضلك لوحدي أطعَن قلبي الطعنة الأولى والأخيرة عساهُ يَسْتفيق من حماقاته، أما أنا فأعِدُك أن أبقى البستاني الوفي لأبويك، وأتولى خدمتهما مادمت حيا - لا تقل هذا يا كمال، فأنت مثقف وتعلم أن الحكماء قالــــــوا : خادم الناس سيدهم . - أتركيني من فضلك لوحدي . مدّت الفتاة يدها ومسحتْ دموعه وقالت : حسنا، سأتركك لوحدك، لكن إعلم أنك السبب إن غرستُ خنجرا في صدري، الوداع .....
بعد ذلك انصرفت، وسرعان مااختفت عن أنظاره، وتركته حاملا من الهموم ما يشلّ قدميه، أما هي إتجهت صوب غرفتها وجلست تواسي أحزانها بينبوع من الدموع حتى جاء الصباح، فخرجت لتروِّح عن نفسها، لكن غـيمة حجبت عن عينيها نور الشمس، وهكذا ظلت تراودها طيلة أيامها، فأحالت نهارها أسْوَدًا بعدما كان مشرقا جميلا، وليلها أشدّ وحشة وعـــتمة، كما أصبحت ذات أطوار غـريبة، فتارة تترك الخبز يحترق سَهوًا، وتارة تقدم أطباق الأكل مالحة فتعتذر لأبويها كل مرة بأعذار كاذبة .










   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:20 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير