العودة   منتدى النرجس > المنتديات الأدبية > منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 20-06-2010, 05:27 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً

 

Sss20 سطور من جمر العيون .الكاتب الجزائري علي عبد الواحد






الإهداء :

إلى كُل ذِي عَيْن ذرَفتْ عَبَـرات الرّحمة فبَللت الأحْداق والآمَاق، ثم انسَكبتْ على الخدود مُنْفلِـتةً مِن الجـُفُون التي تحاول إرجاعَها لِتـؤنس البُؤْبـؤ، لكن هيهات.....
إلى كُل مَن ذاق مَرَارة الألم وتجرّع كأس الهُموم التي يأتي بها الليل الأسود بنَسْجِه، والبَحر الصارخُ بموْجِه، والشتاء البـارد بـهَرَجِه ....
أرفع قـلمي ...



مقدّمـة :


ما أجملَ أن نقــرأ وأن نكـتــــــب !
وما أجـملَ تلك اللحظات السِّحرية التـي تسـيل فيها الرّوح مِدادًا على الـورق، فترسُـم حُـروفا نـورانية تلامسُ لِحاف القلوب فتهْتز طرَبًا وتفِيضُ إحساسا . تلك الحُروف تـُحَاكي نور شمس الصـباح الــذي يُــعانق واحــة نخــيل، فتـستفــيقُ أطــيارها وتـرسل إلــى مـَسَامِــــع الطبـيعة أعــذب الألحان .
الكـلمة أيـها الـناس رَسُـولٌ يدخل إلى الـذاتِ البشرية دون استـئذان، فيترُك فيها ســعادة ًمَالهَا نظير، أو يمـــلأها حَــسْرة ًوألمًا لــــذيذ يْن !
فمَـنْ منّا لا تكسِبُهُ وجدانيات ابـن الفارض وعُمر إبن أبي ربيعة أجنة يطير بها في عـــــالمِه، ولا تحْمِله كلمات جبران خليل جبران إلى أبعـد من الخيال، ولا يَهـيمُ في حُبّ بـنت المُستكفي إذا قرأ لابن زيدون، ولا يَصُول في صُروح المُلوك ومَقاصـير الجَواري إذا تصفـح ألـف ليلة وليلة .
ومَنْ مِنّـا لا تمــتلأ مُهْجَــــتهُ بسَيْــــل مـن العواطــــف إذا قـرأ " الــبُـــؤساء " لِهيــــجُو ولا تتحرّك أوتارُ فـــؤادِه إذا سَمِــع أشعــار الفحُول، فمِـــنْ لامِــية العـرَب للشـــنفرى ومُعـــلقات الجاهليين، إلى روائـع العَــدَويّة في الحُـــبّ الإلــهي، ومدائح إبن ثـابت والمتـنبي وطرائـــف أبـو نـواس ورُبـاعِــيات الـــخيّام ولـُزُومِيات إبـن المَعرّة، وحِكــم شوقـــي وحَمَاسـة الشـــابِّي وثـوريات مُفــدي زكريا وغـيرهم من نُحّـات الكـــــلام .
الكــلمة الحـلوة يا إخواني – أعزّكــم الله – حُزمة ُنور تتسـرّب إلى ظلــمة القـلوب، فـتنــيرها وتجعــــــلها لألاءَة ًفي أجــــسادكم، فــأدّوا للكـــلمة حَــقها عِـنـدكم تجعــل قلوبــــكم سُــــرَجًا تـمشـون بــها .








   رد مع اقتباس

قديم 20-06-2010, 05:27 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً

مَعْـزُوفةُ الكِتاب



أسطورة رجـُل كلِفَ بامـرأة مِثاليةٍ نسَجَها مِن خُيوط أوْهَامه، وظـلّ يــبحث عَنها طِـوال أيامه فلم يجدْها، ولقد زارته ليلـة ًفي أحـلامه، فكانـت من أسْعدِ ليالـيه لكنها سُرعان مـارحَلتْ بمُــجرّد أن فتــح عينــيهِ نـُورالصـّـبح فأقام عليها الحِـداد طــول العـُــمْر، وظـل ّعــــازبا إلى أن جرّعَـــتهُ يــدُ الزمـن كـأس الحِمَــــــــام !! .


مَشيْتُ في رَوضةٍ بها الوُرُودُ تفـُوحْ
عِطرًا يُـذيـقُ سُـلافـة َالحَـيـاةِ الرُّوحْ
فعَنَّ لِي بُـلـبـل ٌبيْنَ الطيُور يَنـُــــوحْ
ويَسْـكبُ الدّمْعَ فوْقَ زهْرَةِ الأقحُوانْ
فقلتُ : دَعْ عـَنكَ هذا ياجَميلا ًطـَمُوحْ
فمَا عَوائِـــــــدُ بُلـــــبُلٍ البُكـَا والنـُّوحْ
فـقالَ : ذرْنِي وهَمِّي أيّها الإنســــانْ
ذرْنِي أداوي جراحِي بالدِّمَا والدّمُوعْ
وأزرعُ بالأسَى والحُزن كل َّالرّبُـوعْ
فمُؤنِسِي مَالهُ بَعْدَ اليَـوْم رُجـُـــــــوعْ
فقلتُ : أيْن غـَــدَا ؟
هَذا الـــذي تبكــــيهْ...
هيَّا أجـــبْـنِي يافـــــنـَنَ البَــــــــــانْ
وامْلأني غِـبطة ًبصوْتِك َالـــــرنـَّانْ
وبعْـدَ صمْْتٍ طويـــلٍ
أجابَ بالقوْل '' صَـــهْ ''
واسْمَعْ إلى مَا أقولُ عَنْ مُعلـِّـــلتِي
عُصْفورتي بُرعُمٌ مِنْ أيْكةِ الرّمــــانْ
وبَسْمَة ٌمِنْ ثغور الزَّهْر والرّيحـَـــانْ
جاءتـْنِي ليْلة ًفي مُبتسِم المَنــــــــامْ
فبانَ لي وَجْهُها في ضيْعةِ الأحْـلامْ
وزارَني طيْفـُها الجَميلُ في هَجْعَـــــتِي
فأضرَمَ ألفـَحَ النيران ِفِي مُهجَــــــــتِي
وأكـْسبَ قلبي سَمَاحَــــــــة ًوصَفـــــاءْ
وأدْخلَ النورَ إلى ظلمَةِ وحْـــــــــدَتِي
فجُلـْتُ بها فِي أغـوَار قلبي الفسِــــيحْ
ثمّ الهُوَيْنى مَشيْنا في ريَاضِي الــــتي
نسجتـُها من خيــــــــــــــالْ
وصُغـتُ فـيها الجَمَـــــــــالْ
مِــنْ ذرّات الغــــــمَامْ
واللـّيْلـَــــكَ مِن ضَــــــــبابْ
وفي فؤادي لهَا بنيتُ صَومَعة ً
مِن آهـــــاتِ النـــــــــــايْ
وعَذبِ لحْــن الرّبـــــــــــــابْ
فعِندَما أجْـلستـُها عـلى عَــرْشِها
ومَـدَّها الليْـلكُ الغــرامَ في كـــــأسِهِ
تبــسّم الصّـبْحُ فطـارتْ عُصفورَتي
نعمْ ، لقد طـــــــارتْ وَرَاءَ السّـــــــحَابْ
فيَــالهُ مِنْ صُــبح ٍزارَنِي حَامِـــــلا ً
هـَمًّا وحُـزنا ودَمْـعًا حَارقا فِي انسـِــكابْ
وَيَالــهُ مِنْ لــيلٍ أسْــودٍ خـــــادع ٍ
أذاقـنِي طـعْم حُبّ حَاكـَهُ مِن سَـــــــرَابْ .






   رد مع اقتباس

قديم 20-06-2010, 05:29 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً

الوَفـــاء


هَوَى الظلام الدّامس في ليلة من ليالي الشتاء الباردة على إحدى القرى الجزائرية، فغطـّت ستائرُه السوداء كل المرئيات، ما عَدا تلك العِمارات التي بقيت تلوح بأضواء خافــتة، فتظهرمن بعيدٍ متلألئة كحبّات اللؤلؤ. نام سكانها في دفءٍ تحت الأغطية الناعمة نوما عـميقا، بعيداعن قرِّالشتاء وعواصفه التي تكاد تقتلع بيوت الفلاحين البُسطاء الذين يتخذون من جذوع الأشجار فحْمًا يستدفـئون به، ومن أغصانها اليـابسة كـانونا لِطهي بعض المأكولات الشعبية .
غطى الليل البَهيمُ كليا أكــــواخ الفلاحــين الذين يستسلمون للنــوم بعد عودتهم من المزرعة، وتناولهم وجبة العشاء، وأي وجبة ؟ قطـعة خبز شعيروكأس لبن إن وُجد، ثم يستيقظون باكرا ويتجهون إلى المـزرعة ليحصلوا في آخر الموسم على بعــض القوتِ مُقابل أعمال شاقــة .
تهبّ الريح بشدة، فلا تسمع سِوى القطط تمُوءُ وتحتمي بالجدران من البــرْْد، أو تسمع خريـر مياه الوادي الذي يُخـيّل لك في التوائـه وانسحــابه كالثعـبان يلاحــق فريسته . من حين لآخـر ينبعث نقـيق الضفادع الصارخة في وجـه الطبيعة، فتقـشعِرّ منه الأبـدان، هنالك على هــضبة صغــيرة ليست ببعــيدة عـن الـوادي يتـراءى لـنا كـوخ صغـير كعُـــشّ فـي أعــلى شـــــجرة الصنوبر، تتلاعب به أنامل الريح، فتذهب به يمينا وشِمالا، لكنه يبقى متشـبِّثا بغصنه، صامدا متحـــدِّيا هــول الشتاء وقســـــوة الطبيعة .
جلست " صفية " مُتكئة على وسادة بالــية قرب الكانون الـــذي ابْيَضَّ جمْرُه بعدما كان أحمرًا يرسل الدّفء في أرجــاء الكــوخ الصغير، تنظر تارة إلى ذلك المنظر الكئيب، وتـارة إلى وجه إبنها البريء وطورا آخــر إلى زوجها العَــــليل الذي يُـرسل أناتٍ متـتالية تعـبّرعـن الحُزن والأسى، وتلعَـن يَدَ الدهرالتي صفعته بقوة، فأرْدتـه طريح الفــراش لمــدة شهر كامل، عمي الصديق – كما يلقبونه – في العقد الرابــع من عمــره، ذلـك الفلاح الذي ورث عن أبيه قطعة أرض مصدر قـُوتِه، كان ينهـض باكرا، ويتجه إلى العمل بها عندما تلوح الشمس بأول بســمة من ثغـرها المُنير، فيســقي الأرض بعــرق جـبينه حـتى غـروب الشمـس ليحصُـل في آخرالموسم على بعض المحاصيل التي يسُدّ بها رمَقه وعائلتَه المتكــونة من زوجـــته صفــية اليــتيمة وابنه الوحيد "كمال" الذي أتمّ الشهر الرابع والثـلاثين منذ ثلاث ليــال .
إنـقـلب عمي الصــديق يمينا وشمالا فـوق حَصير مزروع بأشـواك الآلام، وإبــر الأســــقام .
حاول النوم فـلم يجد إليه سبيلا، نظر إلى طفله وإلى صـفية نظرة تحـمل معنى الألم والشفقة .
تمنى لو كان بوُسْعِهِ أن يحملهما ويطير بهما إلى عالم السِّحْر والجمال حيث الحدائق الغـَـــناء والعصافير تشدو وثغور الورود مبتسمة، والنسمات تنعــش النفوس بعيدا عـن رياح الشــــتاء الباردة المُتسرّبة من ثغور جدران الكوخ، تمنى لو رحــــل إلى قصــور الملوك والأباطــــرة وجلس هو وصفية وابنهما على أرائك مُريحة، وناموا تحت الأغطية الحريرية واستمتعوا بألذ المأكولات وأطيَب الأطعمة عِوَضا لخبز الشعير الذي يتحجَّرُ في الأمعاء، فترسل أصواتا مسموعة شاكية طالبة وجبة شهيــة تريحُها . تمـنى لـو كان يسـكــن عِـمارة مـن العمارات المقابلة، ينعم بالدّفء والراحة ويتجـول في سيارة خاصة مُرتديا أفخر الثـياب، و يستدعي الطبيب كلما تطلب الأمر ذلك .
أبحر عمي الصديق في بحر عميق، ثم عـاد ليُقاسم عائلته الصـغيرة هُمومها، إنه الرّجُل الذي عُرف بالرزانة وسَدَاد الرأي، وحِكمته في الحــــياة التي عـلـمتهُ الكــثيرمن جَــرَّاء خــــوض التجارب الجَمّة . حاول النهوض فلـم يستطع . نظرت إليه صفية نظرة مميزة وذرفـت دمـعتين طالـمَا تجمّدتا في الأحداق، فانسكبتا على وجنتيها اللتان اشتدّت حُمرتـهُما مــن شـدة البرد، ثم مـدّت يدها إليه لتعصِّب جبينه، فأمسكها ووضعها على شعررأسه الذي طغى عليه الشيب، فـلمَسَت جبهته بلطف، فأحسَّـت بحرارة أشدّ من حَـرِّ الكانون . ناولته كوب الحليب الذي كان بجانبه، فشرب قليلا منه ثم ردّ لها البقية وقال : أعطيها لكمـال، عنــدئذ ضمّت إبنها إلى صـدرها وأعطته كوب الحليب، فشربه مُبتسما، ثم أدارت رأسـها إلى زوجــها، ونظــرت إلى وجهه الشاحب، ثم طفقت تذرف دُموع الإحساس بالفراق الأبدي وقالت بصوت خافت : لا، لاتترك وَحيدَك يتعـذب .
نظـرإليها وابتسم ابتسامة مُصطنعة وأرسل صوتا هادئا يقول :
ما أمرّ طعم الحياة ! التي عكر صَفوَها الألم الذي يقطـع جسـمي إربـا إربـا، وما أبخـس هــذه اللحظات التي رأيتُ فيها دمعـــــة خالصة الشفافية، وكأنها تحاول أن تعـــود إلى مَضــجعِــها الهادىء، لكنها تنهــزم وتسقـط حارّة لافحة الوجنات، فتذيب الــروح وتصـــهر القـــلب، ثــم تضحي باردة تخمد النـيران الملتهبة، والتي تترامى ألسنتها إلى كامــل الجسد، آه ! ماأتـــعس مَن يرى نفسا بريئة تتكلم فيها السكينة، وتنطق عن لسانها مُـقل ٌمُبلـلة وجُــفون ذابلة، ويعـبِّر
عن حالها مُحيّاها المُوحي بالكآبة، فـيبدو أصــفراكالزهرة الذابلة في عالم الزنبق والأقحوان، لكن مَهْمَا يكنْ ياصفية، فالفــرح والقرح ضِدّان متبارزان على مسرح الحياة، والحيــاة بستان فسيحُ الأركان واسع الجنبات، مَـلِيء بــورود الربيع وسِحْره ومُعكر بهوْل الشتاء وكدَره، فإذا ما جاء الربيع تفتحت أكمام الورود ضاحـكة مُــستبشرة وتطاولت سيـقانها وازدانت بأثـــواب شذية، وراقصت الطيور على إيـقاع الخرير، أما إذا ثارت الطبيعة تكــسرت سـيقان الزهـور المتباهية، وسقطت على الأرض طالبة النجدة، ورغـم ذلك فهي تنـثر بـذورها من جـــــــديد، ساخرة من زوابع الحياة حاملة لواء الأمل، فـليكن الأمل شعارك ياعزيـزتي، فالحياة بلا أمـل كالأشـــجار بلا براعم ولاثمار، والعيش بلا رجاء كالبحر بلا أنهـــار .
ردّت صفية بصوت تنتابهُ الغصّاتُ قائلة :
- أيّ أمل يا " خُـويَا " ، أي أمـل في هذه الحياة التي فجعَـتـني في والدي، فعــشتُ صِبَايا بـلا حــنان، يتيمة مثقلة بالأحزان، رمت بي الأيام في دهاليز لا مخرج لها، فأضحــيت تائهة لولا أن مَدَدْتني بيدك، فاهـتديتُ إلى هذا الكــوخ أين وجدت فيه رحمتك، فسَعِدتُ – والحق أقول - بأيــامي معك، وشعرت بأمان صدرك المُغـدق عليّ رغم الفـقر المُدقع الذي قاومناه يـــدا بيد، فآهٍ وآه على الأيام الحلوة حلاوة القبلة التي أرتشفها من خدّ كمال الصغير، وأظن يا سيدي أنه
قد حان الوقت الذي سيضربني فيه الدهر ضربة قاسية . ماكادت صفية تكمـل حديــثها حــتى عاودتها الدموع وتساقطت من عينيها غزيرة، فمدّ يده إلى وجنتيها بصعوبة ومَسَحها وقــال :
لا تبكِ، فالدموع لن ترجع المفقود، ولا تـقنطي من رحمة الخـالق الــذي سَـــوَّى كــل شــيء، واعلمي أن السعادة والحزن، الغِـنى والفقر، اللـقاء والفراق كلها كلمات سرمدية مكـتوبة على جـبين الحياة .....هكـذا انبعثت من حنجرة عمي الصديق تلك الكلمات بشـق النفس ممـــزوجة بالآهــات، ثم انقلب يسارا وأرسل أنة طويلة كانت نهاية للآلام، بداية لِرحلةٍ لا ينـــفع فـــــيها شقيق أو خليلة، لقـد لفظ أنـفاسه الأخيرة تاركـا وراءه جُرحـا عميقا وأمانة على عاتق الزمن، فهل يرعاها ؟ أم يرمي بها إلى الشارع ويكون مصيرصفية مصيرالوردة الجميلة التي يجرفها الوابل ؟ إقتربت صفية منه أكثرووضعت يدها على أنامله فأحسّـت بها جامدة، ثم أمعـنت النظرفي وجـهه فرأتـه كورقـة التين التي رمت بها رياح الخريف على أديم الأرض . نادتـــه باسمه، فلا مجيب ولا حياة للصديق، ذلك الزوج الحنون الذي وهَبَ حياته يكدّ من أجل لحـظات جميلة يقضيها عشية يخلو بزوجه وولده . لم تتمالك صفية نفســها وأرسـلت صــرخة مـدوية أيقـظت الفلاحـين من نومهم، فكان من تقـدم بأول خـطوة صوْبَـهاهــوالشـيخ " عــمر" ذو اللـحية البيضاء والعِـباءة البنية، الذي بدأ يُهدِّئها ويُعزيها ويكفكف دموعها الممتزجة بدمـاء خديــها المخدوشـتـين .
- إهدئي يا بنيتي، فالموت حقيقة لا مناص منها، إنا لله وإنا إليه راجعون .
أقبل بعدُ الجيران يتسابقون مُردِّدين : لقد رحل عمي الصديق، حقا مارأينا أطـيب قلبا منه ولا أصدق وأعفّ منه، رحماك ياربــاه، إنــا لله وإنا إليه راجعون .
تقدم الشيخ عمرمن عمي الصديق وأغـمض عـينيه وقـرأ بعض الآيـات القــرآنية والأدعـية، ثم اتجه إلى بيته وأحضر رداءا أبيضا واراه به، وجلس بجانبه يدعو الله له المغفرة وحُســـن المآل، أما الجيران فقد انصرفوا إلى بيوتهم حاملين معهم هَمّ الأيِّم، بينما صفية جلست بجانب
المـيت، وراحـت تـخمد النـيران المـتأججة في صـدرها بتـلك العَـبَرات المنسكبة من عـــينيها كالشلال، إلى أن لاح الفجر بأول نسمة من نسماته، وأرسل خيوطه النورانية على أطـراف الليل مُبَشرا بصباح جديد، قامت والدموع لا تزال تنهمر من عينيها وحملت قدحا من المــــاء تطهّرت به وأقامت الصلاة خاشعة لله، متضرعة إليه أن يـرحـم زوجــها ويغـفرله خــطاياه ، وكذلك بقيت عاكفة إلى أن إنصبَّ الصباح، فأقبل الفلاحون يُعَـزونها ويشاطرونها أحـزانها، فلا تكاد تسمع سوى آهاتهم النـاطقة بالحسرة والتأسّف والترحم .
إتجهت صفية إلى بيت " سي عمور "، وطرقت بــاب منزله فخرجت الخادمة وقالت :
- نعم، آه عمتي صفية، أهلا بك .
- هل سي عمور إستيقظ من النوم ؟
- نعم، إنه يتناول فطور الصباح .
في تلك اللحظات، إنبعث صوت جَهُوري يقول : مَن بالباب ؟
الخادمة : - إنها عمتي صفية زوج عمي الصديق .
تقدم مِن الباب، فسبقتهُ كرشه التي تثاقـلت شحـومها علـيه، فأصبح لا يطيق المشي كثيرا . مسح شواربه الغليظة وقال : ماذا تفعــــلين هنا ؟
فأجابت : سي عمور زوجي توفي البارحة ( سمعتها الخادمة، فراحت تبكي ) ولقد جئتـك لتحمل نعْـــشهُ بسيارتك إلى ...
ما كادت تكمـل كلامـها حـتى قاطـعها غاضـبا : أغـربي عن وجهي، هـيا اغربي، سيارتي لا تطيق حمل الجثث النتنة ، هيا ارحلي...
حينئذ عادت صفية إلى كوخها كالعصفورالذي لم يظـفر بزاده، فعاد إلى عُـشه جـائعا متألما ، فوجدت الشيخ "عمر" غسل الميت ووضعه في صندوق أتى به من المسجد . صلى الجـــميع عليه ثم حملوه إلى مَثواه الأخير أين واروهُ بالثرى الناعم الذي وهــب حيــاته يســقيه بعـــرق جبينه، ولمـا عـادت صفية إلى الكــوخ وجـدت صغـيرها كمـال قد استيـقظ من النوم، وتلمّـس مضجع أبيه، فلم يجد سِوى بعض الأغطية البالية، ثم نظرإلى أرجاء الكوخ ، فلم يَـرَ سِــــوى الأثافي يتوسطها الرماد، أو قطعة الخبزالموضوعة في الصحن الفخاري الذي تراكمت علـيه طبقة مـن الغبار،فأجلسته في حجرها، وأخذت تداعبه وتمسح شعره، علهَا تـتناسى فجيعــتها، لكنه أدار إليها وجهه البريء وسألها : مّا ، أين بابا ؟
في تلك اللحظات، أحسّــت بسـيـف يختـرق قلبـها ويقطـع شرايـينها، فطأطـأت رأسـها وقـبّلت جبينه ثم ضمته إلى صدرها وقالت : إن أباك سافربعيدا يابني ليأتينا بالطعام واللـباس، تـُــرى ماذا يفعـــــل الآن ؟
بعد ذلك حطت طفلها على الحـصير ، وخـرجت من الكوخ لتكفكف شلال الدمـــــــــــــوع !!










   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 10:17 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير