العودة   منتدى النرجس > المنتديات الأدبية > منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 10-01-2016, 11:01 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
وليدالحمداني
إدارة الموقع
 







وليدالحمداني غير متواجد حالياً


مددتُ يدي
ولمستُ قصائدها تحتُ
في العمقِ,
عشبُ المجاز ازدهى وتألّقَ
والريح سارت كما نشتهي(13)
أقنوم القصيدة:
يمكن التوكيد أن صقر عليشي من أكثر شعراء جيله احتفاء بالشعر أو القصيدة, لا بمعنى أنه الأكثر اشتغالاً واعتناء بها على الصعيد الفني. بل بمعنى أنه الأكثر استحضاراً لها وكلاماً عليها في نصّه الشعري. فلا تخلو مجموعة شعرية, لديه, من عدد من القصائد والمقاطع التي تتوقف عند العملية الإبداعية الشعرية, أو البهجة والحبور لمجيء القصيدة, أو انتظارها القلِق اللذيذ, أو الاشتغال الفني عليها, أو الكلام على وظيفتهاوأهميتها…الخ. بل إن القصيدة تغدو,شأنها شأن الطبيعة والمرأة, منجماً دلالياً ومتعوياً, يمدّ الشاعر بأسباب الطمأنينة والأنس والمجاز والتخييل جميعاً.
وعلى الرغم من التحوّل الملحوظ في نظرة صقر عليشي إلى وظيفة الشعر, عبر مسيرته الشعرية, من نظرة تؤكّد الوظيفة الاجتماعية/ الثورية أولاً, إلى نظرة تركّز على الوظيفة الجمالية أولاً, فيمكن التوكيد أن ثمة تنامياً واتساقاً في ذلك التحول. فليس هنالك انقلاب أو انقطاع حادّ في تلك النظرة.إذ لم يزجّ الشاعر, عبر تلك المسيرة, بقصيدته في معترك الخطاب السياسي المباشر, أو الخطاب الأيديولوجي الثوري الصريح, بالرغم من إعلانه الشعري عن منبته الطبقي الاجتماعي وبيئته الجبلية الريفية, وانتمائه الأيديولوجي اليساري, عبر مجموعاته الشعرية, ولاسيما مجموعة «أسرار». فهو لا يفتأ يعبّر عن ذلك المنبت والانتماء بمستويات متفاوتة, ولكن من دون ضجيج أيديولوجي. بل يصحّ القول إنه كثيراً ما يبتعد عن ذلك الخطاب بخطاب لذّوي لا يأتلف وذلك الخطاب ائتلافاً واضحاً. وذلك حين يرفع من شأن اللذة في الشعر إلى الحدّ الأقصى, وحين يعلن, كما في القصيدة المعنونة بـ«تغيير العالم», أنه لا يسعى إلى تغيير العالم ولا حتى نصف العالم, وأنه لن يسعى إلى تغيير مجرى النهر. إنه فقط يريد تغيير ذاته بزجاجة خمر!.لكن إذا كان منطوق النصّ يوحي بالعبثية واللامبالاة, فإن مفهوم النصّ يوحي بما هو أبعد من ذلك,إنه يوحي بضرورة التغيير, تغيير كلّ شيء. وإلا فلماذا لا رغبة لديه في التغيير, إن لم تكن ثمة حاجة ملحة إليه, وإحساس قوي بضرورته؟. غير أنه لا يستطيع فعل التغيير خارج ذاته, ولهذا يبادرها بما ملكت يده, كما فعل طرفة بن العبد قديماً.
وعلى أية حال, فإن صقر عليشي يرى أن التغيير الذي يستطيعه عامة هو القصيدة, هو إبداع الشعر, هو إنتاج المتعة الجمالية. أي إنه يعيد إنتاج المتعة التي يحصل عليها في تجاربه الحياتية إلى المتلقي. فالقصيدة هي قناة المتعة بين الشاعر والمتلقي. ولعلّ هذا يكمن وراء انشغال الشاعر المستمرّ بالقصيدة. إنه ينشغل بما يستطيعه ويستطيبه معاً, مع التوكيد أن انشغاله بالقصيدة هو انشغال بالأقنومين الآخرين: الطبيعة والمرأة. فهذه الأقانيم الثلاثة هي نفسها عناقيد اللذة عند الشاعر:
أنهيتُ تحليقي لهذا اليومِ
في فضاء الشعرْ
أمضيتُ وقتاً ممتعاً
في حضرة العلا
التهمتُ لُبّ النور في شهيةٍ
ومن هناك… رحت أرمي القشرْ[480] فالقصيدة هي المتعة في عوالم نورانية عُلْوية, وهي الحقيقة المطلقة, وما سواهاإلا قشور!. إنها متعة لا يستشعرها إلا من عاش التأمل الجمالي, وذاق نكهة السموّ فوق الزمان والمكان, في لحظة المعايشة التأملية, ورأى أن ما سوى الجمال مجرد قشر لا قيمة له. وقد يبدو أن في هذا تناصاً مع المتصوفة في مواجيدهم وأشعارهم, وهو كذلك, ولكنه تعبير شعري لائق بطبيعة التجربة الجمالية التي قال فيها الكثير من علماء الجمال, إنها تجربة خارج الزمان والمكان, وأنها تجربة تتلخص بالمتعة تحديداً عند بعضهم. وقد يبدو أن الشاعر يرمي بكلّ ما هو اجتماعي وراء ظهره, بوصفه قشوراً, على اعتبار أن الجمال بمتعته هو اللّبّ, وما سواه القشر بإطلاق. ولكن المسألة ليست على هذا النحو تماماً.
نشير أولاً إلى تلك الصورة الفنية التخييلية القائمة على التقاط صورة واقعية حقيقية, لطفل ريفيّ أو متنزّه, يجلس على قمة الجبل أو التلّ, مستمتعاً بالطبيعة من حوله, وبأكل الثمراللذيذ رامياً بقشرته دون مبالاة بأي شيء أو همّ أو قضية. إنها لحظة جمالية نعيشها بشكل فعلي, من دون أن نفطن إلى أننا لا نحسّ بالزمان والمكان بوصفهما وعائين لنا. إن الشاعر لم يفعل غير أن نقل المشهد الواقعي الحقيقي إلى مشهد تخييلي مفارق لكن إيحاءه حقيقي واقعي. وهو أن التجربة الجمالية تجربة تحليق فوق المشاغل اليومية النفعية أو الحاجات الغريزية أو القضايا الحياتية الملحّة.ونحن عندما نفعل ذلك لا نخون قضايانا الكبرى, أو نتخلى عن منافعنا وحاجاتنا الفردية أو الاجتماعية. لكنها تبدو لنا, في لحظة التجربة, أنها مجرد قشور أمام المتعة العليا التي نعيشها. ولا يقول هذا النصّ نقيض ذلك, كأن يقال إن الشاعر يرمي بالدنيا وقضايا البشر وراء ظهره, ويلتفت إلى لذائذه الذاتية الخاصة؛ أو يقال إنه يدفع بالشعر إلى نظرية الفنّ للفن, كما صرّح هو في أحد تعبيراته الشعرية.
والحقيقة أن الفن لا يمكنه أن يكون للفن, حتى لو ادعى الفنان ذلك, وادعاه أيضاً من ورائه أو من أمامه المنظّرون. ولكن بالإمكان أن تكون القيمة الاجتماعية أو المعرفية أو الثقافية في حدّها الأدنى, في هذا النتاج الفني أو ذاك, أو أن يتمّ التركيز فيه على ما يبدو عرضياً ثانوياً أو جزئياً, أو ما لا قيمة بادية فيه, بشكل لا يتناسب والقضايا الاجتماعية أو السياسية الملحّة, في هذه المرحلة أو تلك. غير أن ثمة قيمة ثقافية فيه بوصفه نتاجاً جمالياً. إن الجمالي ثقافي معرفي بالضرورة, كما أسلفنا, بصرف النظر عن مستواهما فيه. ومعأنشعر عليشي, بمجمله, ليس شعر القضايا الاجتماعية الكبرى والمعاني الفكرية أو الفلسفية المجرّدة. بل هو شعر الظواهر والأشياء الحسية الكبيرة منها والصغيرة, شعر اللحظات الخاطفة أو العابرة على السواء. فإن هذا لا يؤدي إلى القول بضآلة المعنى فيه أو عرضيّته. إذ يمكن التعمّق في أبسط الأشياء وأكثرها عرضية, من خلال المنظور والرؤيا والتشكيل.
يقول بعد أن يشير إلى أن هنالك من يكتب عن الحبّ, ومن يكتب عن الحرب, ومن يكتب عن السادة النجباء, ومن يكتب عن الرحابة عند النساء واحتدام الجمال فيهنّ:
وأما أنا يا كرامْ
فإني سأكتب بعض الكلامْ
عن حمار حزينْ
كنت صادفتُه عرَضاً في الطريق
أظنّ سأكتبُ عنه كلاماً عميقْا[402] ومع أنه ممن يكتبون عن الرحابة واحتدام الجمال عند النساء, فإنه سوف يكتب أيضاً بشكل عميق عما يبدو عرضياً. ولكنه لم يكتب ذلك الكلام العميق عن الحمار الحزين, وإنما كتب كلاماً عميقاً في مسألة الشعر أو الفنّ في تنوّعه وغناه ومستوياته-تماماً كما كتب في مسألة التجربة- وأن الفن يمكن أن يتناول كلَ شيء في الحياة مع بقائه فناً, ولا يمنع وجود هذا النمط من وجود ذاك, حتى لو كان نقيضاً له.فالتنوع الجمالي تعبير عن التنوع الحياتي عامة. وما اختيارات الشاعر, أو الفنان, إلا نوع من الاستطاعة والاستيطاب. والنتيجة أننا أمام تنوّع واسع جداً, في لوحة الفن.
فقد شهدت الحداثة الشعرية, والشعر العربي الحديث عامة, كثيراً من الدعوات التي رأى الشاعر فيها نفسه نبياً أو أشبه بالنبي, ومجنوناً أو أشبه بالمجنون, وصعلوكاً أو أشبه به, ومتمرداً وثورياً ومصلحاً وفوضوياً ومحبطاً ومغترباً…لقد مرّ هؤلاء جميعاً في لوحة الشعر الحداثي, وتركوا بصماتهم محفورة على جدرانه, ولكلّ منهم نصّه الشعري أو قصيدته الخاصة التي لا تشي به, بقدر ما تشي بجوهر الحداثة الذي هو مفهوم الحرية. تلك الحرية التي تجعل صقر عليشي يُقبل على كتابة ما يريد متفهماّ ومتقبلاً ما يكتبه الآخرون, مهما تباعد أو تناقض مع نزوعه الشعري.
يتوقف صقر عليشي كثيراً عند القصيدة وأسبابها ولذائذها وأوجاعها ووظائفها وعلائقها, يتوقف عند غيابها المقلق وحضورها البهي, عند دلالها وعنادها؛ كما يتوقف عند الشاعر والشعراء وأهدافهم وأذواقهم…الخ. يقول تحت عنوان «مذكرات شاعر»:
حين مررنا بالدروبِ
لم نمرّ دون أن نزيح عن كاهلها حجرْ
حين مررنا بالغروبِ
لم نمرّ دون أن نضيف روحنا إلى الشجرْ
حين مررنا
لم نمرّ دون قامةٍ
ولم نضع على رؤوسنا أقلّ من سماءْ
في البدء قلنا
قبل أن تنبس بالحليب حلمةٌ
وقبل أن يقول النبع: ماااءْ [478- 479] إن وظيفة الشعر والشاعر, بوصفه مبدعاً, هي وظيفة الجمال التي لا تعني المتعة الفردية الحسية الشكلية الخاصة. بل تعني إشاعة الجمال في المحيط الاجتماعي والإنساني, وذلك بإزالة ما يعيق ويضرّ, وأنسنة العالم أو الطبيعة, ورفع سقف الكرامة والحرية فردياً واجتماعياً, بما يتناغم وسقف الجمال الذي لا مهادنة فيه, أو كما يقول:
إنما ليس تأخذني بالجمالْ لومةُ لائمْ[443] عند ذلك يكون للشعر والشاعر مجال اجتماعي- إنساني لائق بالمتعة والبهجة. وهو حلم فردوسي إنساني عتيق, لا تخبو شعلته مهما بدت مطفأة.غير أن للقصيدة طريقة فنية رؤيوية خاصة في إشاعة الجمال وإزالة القبح من هذا العالم. أما خارج القصيدة أو الفنّ فثمة طرائق عملية أخرى, للوصول إلى ذلك, سياسية أو قانونية أو أيديولوجية عامة.
إن المتعة هي أيقونة القصيدة, مثلما أن التفاح هو أيقونة الطبيعة, والنهد أيقونة المرأة, عند صقر عليشي, ومن دون المتعة يصعب الدخول إلى وعي العالم الشعري, عنده, تجربة ورؤية وتشكيلاً. أما تلك المتعة فهي متعة الجمال في الدرجة الأولى والأخيرة أيضاً.
وكما مرّ بنا من قبل, فإن للمتعة الجمالية أنساقاً ومستويات متعددة ومتفاوتة. فمتعة الجميل ليست هي متعة الجليل أو السامي أو متعة العذابي, أو الكوميدي أو البطولي…أو متعة القبيح في الفن. إنها متعة تتداخل فيها اللذة والغبطة والألفة والدهشة, وما الأمر كذلك في بقية القيم الجمالية. وبما أن الفنّ ينطوي على طبقتين متراكبتين من المتعة, وهما طبقة المتعة الحسية الشكلية, وطبقة المتعة الثقافية الروحية؛ وبما أن هاتين الطبقتين لا تتوحدان في المنحى إلا في تلقّي الجمال, فإن ذلك يعني أن المتعة الجمالية عند صقر عليشي هي متعة ذات نسق واحد, هو نسق الجمال, وذات مستويات متعددة, حسية أو نفسية أو روحية متفرقة أو مجتمعة في الوقت نفسه. ولعلّ هذا ما يسوّغ وجود تلك الكثرة الكاثرة من المفردات اللذوية المتعوية, في شعره:
لن أخلّي الجمال يرتاح حتى
يرتمي ضارعاً إلى أبياتي[196] دلالة المعجم اللغوي:
وتوكيداً لما سلف, نتوقف عند المعجم الشعري, الذي نهض بدوالّه ودلالاته, بتلك الأقانيم الثلاثة التي دفعت به إلى أن يتوزّع على ثلاثة حقول دلاليةكبرى,تنقسم بدورها إلى حقول دلالية صغرى أو جزئية. وهي الحقل الحسي الطبيعي, والحقل الشعوري, والحقل الروحي. أما الحقل الطبيعي فيشتمل على مجمل جزئيات الطبيعة الجبلية الخضراء, من مثل:الجبل والتل والقمة والسفح والوادي, والحور والصفصاف والعشب والورد, والتفاح والرمان والخوخ والتين, والطير والفراش والنحل, والنبع والسواقي…, كما يشتمل على حقل الجسد الأنثوي, من مثل: النهد والوجه والساق والخصر والسّرّة والعنق والشفاه..؛ أما الحقل الشعوري فيتنوّع بين الحسي والنفسي, من مثل: الشهوة والرغبة والراحة والعذوبة والرهافةوالرقّة والرشاقة, ومن مثل: السعادة والفرح والحبور والرحابة والألفة والدهشة والذهول والمرح واللعب…, أما الحقل الروحي فينقسم إلى حلقين اثنين: الأول منهما هو حقل القيم الأخلاقية/ الشعبية, من مثل: الطيبة والودّ والمحبة والوئاموالشموخوالكرامة والقناعة. والثاني هو حقل القيم الثقافية العالمة كالشعر واللوحة والحوار والمعرفة والعلم والفلسفة والحقيقة والكمال…الخ.
لا شكّ في أن ثمة حقولاً أخرى, تصعب الإحاطة بها جميعاً, في هذه الدراسة.غير أن همّنا الدراسي يتركّز في استبيان منعكسات التجربة الجمالية, في هذه الفقرة, على مستوى المعجم اللغوي الشعري. وهي منعكسات مؤتلفة متكاملة. يبدو ذلك واضحاً في ائتلاف تلك الحقول وتكاملها الدلاليين. حيث نلاحظ أن الحقل الطبيعي يكاد يشمل الطبيعة برمتها, من غير إهمال جانب من الجوانب, أو التركيز على جانب دون آخر, وهو ما يعني أن الطبيعة هي المادة التخييلية الأولى, وهي كذلك البيئة المكانية الأولى, ونكاد نقول البيئة الوحيدة أيضاً.فقد غابت البيئة المدينية عن ذلك المعجم غياباً شبه تام, من غير أن يعني هذا غياب المدينة عن شعر صقر عليشي, سواء أكان ذلك فيما يتعلق بالمكان المديني أم يتعلق بالقيم الاجتماعية المدينية. فلم ترتفع المدينة إلى مستوى التشكّل في حقل دلالي خاص. وكلّ ما يتلامح به المكان المديني لا يعدو أن يكون شارعاً أو رصيفاً أو غرفة ضيقة أو نافذة.., والشيء نفسه يقال في العلاقات المدينية.وكان بالإمكان أن يكون لمثل هذه العناصر فيما لو ارتفع حضورها اللغوي حقل دلالي خاص. بل حقول متعددة. غير أن هذا لم يحدث إلا في قصائد لا تتعدى أصابع اليد الواحدة, مثل قصيدة» يوم الجمعة المقدّس». وعدم حدوثه ذو قيمة دالّة على ذلك الحضور المهيمن لجمالية الريف طبيعة وعلاقات. وهذا يتناغم مع ما يقوله الشاعر:






   رد مع اقتباس

قديم 10-01-2016, 11:07 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
وليدالحمداني
إدارة الموقع
 







وليدالحمداني غير متواجد حالياً


صحيحٌ بأنّا تركنا القرى منذ وقت طويلٍ
ولكن
تُرى هل وصلنا المدينهْ؟[389] وكذا, فإن الحقل الطبيعي يتوزع على عدة دلالات أساسية, وهي دلالة الارتفاع والاخضرار والتكوير والطزاجة. وهي دلالات نجدها مجتمعة ومتفرقة, في هذا العنصر أو ذاك, من مثل: التفاح والرمان والخوخ, حيث الدلالات الأربع مجتمعة. ومن مثل الحور والصفصاف والسنديان, حيث الارتفاع والاخضرار. ومن مثل القمر والنجم والجبل والتلّ والنهد, حيث الارتفاع والتكوير.
أما الحقل الشعوري فإنه يدلل, بكلّيته, على النزوع اللذوي المتعوي, في هذه التجربة. حيث غابت مفردات الحزن والألم والاغتراب وما يشاكلها أو يتقاطع معها, على نحو لافت للنظر, مع حضور هائل مكثّف لما هو لذوي شعورياً. الأمر الذي يعبّر تعبيراً شديداً عن النزوع الجمالي العام والخاص إلى الجمال الممتع دون سواه. ومع أن هنالك ما يحيل على المحزن أو المؤلم, في هذا الشعر, فإن تأثيره النفسي يكاد يكون معدوماً. وذلك لوروده غالباً عبر المفارقة والابتسامة الساخرة. أي عبر التطريف والتبهيج.
أما الحقل الروحي فقد انصرف هو الآخر إلى القيم الاجتماعية الإيجابية خاصة, وكاد يخلو من القيم السلبية كالحقد والغدر والخيانة.وهو ما يحيل على أن الشاعر معنيٌّ بالقيم التي تتناغم ومثله الجمالي الأعلى, لا بالقيم التي تتناقض وإياه. غير أن ذلك يحيل أيضاً على غياب التناقض والصراع والنزعة الدرامية عامة, عن شعر صقر عليشي ذي السمة الغنائية المهيمنة. فهو شعر القيم البسيطة غير المركبة أو المعقدة, شعر الوئام لا شعر الصراع. ولا شكّ في أن هذا يتكامل ودلالات الحقل الشعوري الذي غابت عنه تقريباً المشاعر المركّبة أو المعقّدة أو الحادة.
إن التدقيق في تلك الحقول الثلاثة سوف يؤكد أن المتعة هي أيقونة القصيدة, بل التجربة الجمالية عامة, في هذا الشعر. فالحقل الحسي الطبيعي يدلّل, في معظمه, على اللذيذ والممتع. سواء منه ما كان له علاقة بالطبيعة المثمرة أم بالطبيعة الخضراء, وسواء أكان له علاقة بالارتفاع أم الامتداد والانفتاح. وكذا هي الحال في الحقلين الشعوري والروحي اللذين تحدّدا بالممتع والإيجابي شعورياً وقيمياً.
لقد أشرنا سابقاً إلى أن الشكل المكوّر أو الدائري هو الأيقونة الكبرى, في شعر صقر عليشي. وكأن المتعة تتلخص, لديه, بذلك الشكل اللانهائي الذي يرمز إلى المطلق لاهوتياً وفلسفياً. فهو أكمل الأشكال الهندسية, وأكثرها تعبيراً عن الحركة, وأقلّها حدّة, أو لا حدّة فيه أصلاً,وأكثرها ليونة ورشاقة. ونحن هنا لا نتكلّم على شكل هندسي صرف, من منظور علمي. بل عن شكل هندسي ذي دلالات لاهوتية وأسطورية وفلسفية وصوفية وتشكيلية, كان لها جميعاً حضور ملموس في هذه المرحلة الفكرية أو تلك. فعلى الرغم من اختلاف المنطلقات في النظر إلى الشكل الدائري, فإنه احتفظ بأهميته الرمزية الدالة على تلك المعاني, التي لا تسترعي انتباهنا في تلك المنطلقات فحسب. بل تسترعيه أيضاً في هذا الشعر ومعجمه اللغوي وصوره الفنية:
والخصر باقة طازجة من النعيمِ,
محور الجمالْ
يمكن أيضاً أن نقول إنه:
دائرة الكمالْ[334] فقد ارتفع حضور دلالات الشكل المكور أو الدائري إلى الحدّ الذي يجعله حقلاً دلالياً قائماً بذاته, حقلاً يتقاطع مع تلك الحقول, من حيث العناصر والمستويات الحسية والروحية, ويستقلّ عنها من حيث الأبعاد الرمزية اللاهوتية أو الفلسفية. ومع أنه لا يمكن الذهاب إلى أن تلك الأبعاد الرمزية هي المستند الرؤيوي أو الفكري في الميل إلى الشكل الدائري,في شعر عليشي, كما هي حال الشعر الصوفي مثلاً, فإنه لا يمكن في المقابل غضّ النظر عن الدلالات الرمزية لذلك الشكل, ولاسيما أن الشاعر غالباً ما يميل إلى إجراء التناص, عبر التراكيب الشعرية, مع هذه الفكرة اللاهوتية أو تلك, في تناوله الفني للأشكال الحسية المكورة, كالنهد والتفاح. أي إنه ينقل المعنى اللاهوتي التجريدي للشكل الدائري إلى المعنى الحسي, فيكسبه بعداً رمزياً, كما لاحظنا ذلك في المقطع الذي توقفنا عنده, حول النهد الحاكم المكين.
وإذا ما أردنا استعراض تجليات الشكل الدائري أو المكور, في المعجم الشعري, فإننا سوف نجد أنها تتوزع على الكوني والطبيعي والجسدي, وهي جميعاً تدخل في باب الجميل. وذلك من مثل: الشمس والقمر والنجم والكوكب, ومن مثل: التفاح والدراق والخوخ والعنب والبصل والبطاطا والبندورة, ومن مثل: النهد والعنق والخصر والسرّة. يقول تحت عنوان: قالت الدائرة(14):
عندما أحببتُ أن أظهرَ
في شكلٍ جميلْ
صرتُ للمرأة سُرّهْ
وهكذا فإن أمتع تجليات الدائرة أو أجملها هو تجلّيها الأنثوي في السرّة أو النهد الذي هو كما يقول الشاعر: ملخّص الأنثى أو أيقونة الجسد.
شعرية الأسلوب:
في القصيدة المعنونة بـ«في منتهى الياسمين» التي يتوقف فيها صقر عليشي, عند رحيل الشاعر نزار قباني, مقطع ذو دلالة فنية مزدوجة, يقول فيه:
في أصيص البساطة يزرع أشعاره
ويوزّعها للنوافذ والشرفاتْ
مثل الحبقْ
يعزّز ألوانه في النباتْ
ويفرض منهجه في العبقْ[ 304] أما الدلالة المزدوجة فهي امتداح البساطة في شعر القباني, ومن ثمّ امتداحها في الفنّ عامة, من جهة أولى, وامتداح العلاقة الجمالية الحيّة بالأشياء, لا العلاقة الرمزية أو التجريدية بها من جهة أخرى. وواقع الحال أن ما يمتدحه عليشي في القباني هو مذهبه الفني- الجمالي الذي هو مذهب عليشي في الوقت ذاته. ولو عدنا إلى القصيدة كاملة, لوجدنا أن الشاعر يرى أن في شعر القباني وصايا, ينبغي الحفاظ عليها بالشكل الذي يليق بصاحب الوصية. إنها وصية الشاعر للشاعر.
إننا نريد من ذلك أن شعر صقر عليشي ينهض من مفهوم البساطة, سواء أكان ذلك على الصعيد الأسلوبي أم الرؤيوي أم الثقافي. فليس ثمة في شعر عليشي ما هو معقّد أو مركّب أو مجرّد, على مستوى المادة اللغوية والموضوع الحياتي والشكل والأسلوب والقيمة والرؤيا والانفعالات جميعاً؛ وكذا فليس ثمة قصائد مطوّلة أو درامية أو ملحمية, كما هي عادة الكثير من شعراء الحداثة.إننا أمام قصائد محدودة الحجم, أو قصائد مقطعية أو مقاطع قصيرة, في الأعمّ الأغلب.إنه شعر اللحظة الجمالية لا شعر المشروع الفني.ولكن ذلك لا يعني أن الشاعر لا يقوم على الصناعة الفنية, أو لا يعاني فنياً في الهيمنة على مادته اللغوية وموضوعه الجمالي وأسلوبه الشعري. غير أنها معاناة من أجل تأدية المتعة في أبسط شكل وأسلوب ممكنين, بالنسبة إلى الشاعر الذي يقول في علاقته بالقصيدة:
أنا لست نبعاً لا يجفّ من السلاسة والسهولهْ
أنا لن أظلّ هنا
أسيلُ لها شفافيةً
أنفّض عن نمارقها غبار الوقت
ادفع بالمباشر من سجاياها إلى الأعلى
وأحرسها من الجُمل الدخيلهْ[190-191] أما أبسط شكل ممكن فهو المقطع الشعري أو القصيدة المقطعية, وهو ما اعتمده صقر عليشي في مجمل شعره, فحتى النصوص الطويلة نسبياً لا تتوالى من دون وقفات مقطعية. بل حتى المقاطع القصيرة نلحظ فيها نوعاً من التقطيع الداخلي.وليس هذا فحسب, بل إن القصيدة أو المقطع غالباً ما يكون البناء الفني المجرّد فيها بناء أشبه بالدائري. حيث لحظة البدء هي نفسها شعورياً وفنياً لحظة الختام؛ وحيث التعبيرات اللغوية تتوالد من بعضها, لتكتمل الدائرة. وقد يحيلنا ذلك على الشكل الكروي الذي هو الأيقونة الكبرى, في هذا الشعر. وقد يكون لتلك العناصر الصغيرة المكوّرة المهيمنة, كالنهد والتفاح, أثر في نزوعه الفني العام إلى الأشكال الشعرية المقطعية. أي إن اهتمامه الجمالي بالأشياء الصغيرة, بما تنطوي عليه من رشاقة ورقة ورهافة, هو الذي يسوّغ ذلك النزوع إلى المقاطع الشعرية الصغيرة أيضاً. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى, فإن شعر اللحظة الجمالية لا يحتمل التطويل أو التعقيد في البناء الفني أو المشاعر أو الأساليب.
وأما أبسط أسلوب ممكن, فهو الأقرب إلى درجة الصفر في الكتابة, من حيث التراكيب اللغوية/ النحوية, لا من حيث الدلالة والرمز, أو المجاز والانزياح, أو التخييل عامة. فمن المعلوم أنه كلما اعتمد الشاعر, في تراكيبه اللغوية, على التقديم والتأخير والحذف والفصل والوصل…ابتعد, بحسب درجة اعتماده عليها, عن الدرجة الصفرية في التركيب اللغوي؛ وهو ما يعني أن التركيب الشعري يمكن أن يتراوح بين شدة البساطة التي قد تلتبس بالسردية أو بالنثرية, وبين شدة التعقيد التي قد تلتبس بالإبهام والتلغيز. فهنالك الكثير من الدرجاتوالممكنات التركيبية, في اللغة الشعرية, التي تسمح بالاختيارات التعبيرية والأسلوبية عامة. وإذا ما أضفنا إلى تلك الممكنات ممكنات أخرى لانهائية, على مستوى الدلالة والرمز والتشبيه والكناية والاستعارة والإيقاع.., فإن ذلك يؤدي إلى انفتاح لانهائي في الأساليب الشعرية التي تسمح لها بالابتعاد عن الدرجة الصفرية في الكتابة عامة, لا في التركيب اللغوي/ النحوي فحسب.
قلنا إن صقر عليشي مال إلى أبسط أسلوب ممكن, من أجل تأدية المتعة أو القيمة الجمالية. وقد بدا ذلك على مختلف المستويات اللغوية/ الشعرية, بدءاً بالمستوى الصرفي وانتهاء بالدلالة والمجاز. ونودّ التوقف, في هذا المجال, عند التركيب النحوي والإيقاع الشعري والانزياح الدلالي أو المفارقة عامة. وذلك في سعي منا إلى استبيان تجليات تلك التجربة في الأسلوب الشعري, وسوف نكتفي بالإشارة إليها, تاركين التوسع الدرسي والنقدي فيها إلى وقت آخر, أو ناقد آخر.
إن عودة إلى المقبوسات الشعرية السابقة والمنتمية إلى فترات زمنية متباعدة نسبياً, سوف تبين لنا أن الشاعر غالباً ما يميل إلى التراكيب النحوية النموذجية القريبة جداً من الدرجة الصفرية, والتي يتمّ تلقّيها الجمالي من دون فسحة للتفكير أو التأمل النحوي فيها, فهي أشبه نحوياً بالكلام العادي أو السردي أو النثري عامة. فالتركيب النحوي النموذجي عامة يقع في متناول البداهة اللغوية بالنسبة إلى المتلقي قارئاً أو سامعاً. أي إن صقر عليشي لا يتصرّف كثيراً بالتركيب النحوي النموذجي. فثمة الفعل والفاعل والمفعول به أو الحال أو المفعول المطلق أو التمييز.. بتوالٍ نموذجي غالباً, أو ثمة المبتدأ والخبر, أو المنعوت والنعت من دون تقديم أو تأخير أو حذف أو فصل. وذلك من مثل المقبوسات التالية:وبقيتَ تنتظر القصيدهْ
متململاً…
مستنجداً بقذيفة
تلقيكَ في عمق المدارِ [8] *
معي قبلةٌ
ليس تكفي جميع النساء لها
معي ضمّةٌ
ليس تقدر كلّ خصور الجبال
على حملها [86] *
وقفت قدّام المرآة
فامتلأت أعماق المرآة ذهبْ [264] *
أعرف أنك لا تزال مشغولاً
باستقبال المهنئين
من الملائكة والأقمار العليا والكائنات النورانية
إلا أنني جئتك مستعجلاً
ومعي كيس من التبغ المهرّب[538] لنقل أولاً إن كون هذه المقاطع مقتطفة عشوائياً, لا يؤكد في ذاته مصداقيتها في التعبير عما نذهب إليه, غير أننا حاولنا استبيان تلك المصداقية في الأعمال الكاملة كلها, فلم نجد ما ينفيها بوصفها سمة مهيمنة, أو يتناقض معها بشكل جذري, ولاسيما أننا لا نزعم أن التركيب النحوي النموذجي هو الوحيد في تلك الأعمال. بل نؤكد أنه المهيمن عليها فحسب. فلا يُعقل أساساً أن يكون هو الوحيد حتى في نصّ نثري, فكيف ونحن أمام نصّ شعري, يقتضي بالضرورة انزياحات على مختلف المستويات النصية, ومنها النحوي!.
نلحظ, في تلك المقاطع, هيمنة التركيب النموذجي واضحة, ففي المقطع الأول مثلاً فعل وفاعل وجملة فعلية واقعة حالاً, والجملة الحالية هي الأخرى تشتمل على فعل وفاعل ومفعول به وحال أولى وحال ثانية, ثمّ شبه جملة, وجملة فعلية وصفية تشتمل على فعل وفاعل ومفعول به, ثمّ شبه جملة. كلّ ذلك بترتيب نحوي نموذجي. وكذا هو الأمر في بقية المقاطع التي لا تختلف عن المقطع الأول, ما خلا البدء بشبه جملة في المقطع الثاني, وهو بدء داخل في النموذجية, أما المقطع الأخير فليس فيه أي قيمة نحوية غير مألوفة في النثر, بلْه الشعر.
فثمة إذاً التزام عالٍ بالتركيب النموذجي الذي يعنيلسانياً الميل إلى الوظيفة التواصلية, ويعني جمالياً الميل إلى البساطة والسهولة, في التراكيب اللغوية عامة. وإذا ما أشرنا إلى أن المعجم اللغوي الذي ينهل منه النصّ الشعري, عند عليشي, معجم متداول, في معظمه, في الحياة اليومية والثقافية, ولا ينطوي إلا نادراً على مفردات تخرج, من حيث المعنى المعجمي, عن الفهم المباشر؛ ولاسيما أن المكوّن الرئيسي في ذلك المعجم هو مفردات الطبيعة والجسد والمشاعر,فإن ذلك يعني أن الشاعر ينزع, في تعبيره عن المتعة الجمالية, إلى شعرية متأتية حتى للمتلقي العام وغير النموذجي, سواء أكان ذلك على مستوى التراكيب أم الألفاظ. وربما قيل, في هذا المجال, إن شعر المتعة لا يحتمل أساساً ذلك التعقيد النحوي والتغريب اللغوي, لما ينطوي عليه من طبيعة حسية لذّوية؛ لكن مثل هذا القول الذي يمتلك وجهاً صحيحاً, يمتلك أيضاً وجوهاً خاطئة عدّة. فطرائق تأدية المتعة الجمالية نحوياً غير محدودة. فلا تتناقض المتعة مع التعقيد النحوي, أو كسر النموذجية النحوية, بالضرورة. فسعيد عقل, شاعر المتعة الأمهر, هو سيد التعقيد النحوي في الشعر الحديث.
فلا تفترض المتعة إذاً مستوى معيناً في التراكيب والألفاظ؛ وذلك أن الأمر يرتبط بمنحى المتعة وطبيعتها وعلائقها الجمالية. فقد تنحو المتعة نحواً سمعياً إيقاعياً صرفاً, أو نحواً صورياً مشهدياً, وقد ترتبط بالأناقة لا بالبساطة, أو الرصانة لا العفوية, وقد تكون ذات طبيعة تجريدية مهيمنة لا حسية غالبة, وقد تتركّز المتعة فيما هو تركيبي, لا فيما هو دلالي أو تخييلي… والنتيجة أن النزعة الجمالية الواحدة تمتلك إمكانات تعبيرية أسلوبية غير محدودة, لطبيعتها ومنحاها ورؤياها وعلائقها المختلفة. ونعتقد أن ذلك كلّه قد أسهم في اعتماد الشاعر غالباً على تلك التراكيب النحوية النموذجية التي لم تساعده فقط, في الميل إلى البساطة التعبيرية. بل ساعدته أيضاًفي اعتماد الأسلوب الشعري السردي, في الكثير من النصوص:
حين وصلتِ
كنتُ واقفاً منتظراً على الرصيفْ
نزلتِ من سيارة الأجرةِ…
سلّمتِ.. ومن بعدُ مشينا تحت مطر خفيفْ15
وما يعزّز النزوع إلى البساطة- والسردية أيضاً- هو ذلك الإيقاع الشعري الخافت, أو الخفي,في أغلب النصوص الشعرية. وإن يكن هذا لا ينفي حضور النبرة الإيقاعية العالية أو الإيقاعات التطريبية الجهيرة- فنحن نتحدث عن تجربة شعرية لا عن نصّ واحد أو مجموعة شعرية محددة- غير أنه حضور أقلّ بروزاً, قياساً بتلك النسبة الكبيرة من النصوص ذات الإيقاعات الخافتة. ولا نقصد هنا نصوص قصيدة النثر. بل تلك المعتمدة علىالتفعيلة بوصفها الوحدة الإيقاعية المتكررة. حيث يتمّ الميل فيها إلى تخفيف حدة التفعيلة, بما لا يجعلها ملموسة لذاتها, أو معلنة عن صوتها الجهير.وهو ما يكاد يدفع بالنصّ أحياناً إلى أن يبدو أشبه بقصيدة النثر, من حيث الإيقاع السمعي, غير أن ما يمنعه من ذلك هو الالتزام العام بالتشطير والقافية وأحرف الروي.
ولكن ذلك الالتزام لا يمنع الشاعر من التعامل الحرّ مع القوافي وأحرف الروي, على عادة شعر التفعيلة, مما يخفف أيضاً من حدة الإيقاع السمعي في نصّه الشعري. وإذا أضفنا إلى ذلك كثرة اعتماد الشاعر على تفعيلات» فاعلن- فعولن- مستفعلن» الأقلّ حدة إيقاعية من سواها, فإن الخفوت يغدو من سمات الإيقاع في شعر صقر عليشي.
وثمة خاصة أسلوبية إيقاعية تندرج تحت الخفوت, وهي التنويع غير المنتظم بين عدة تفعيلات, بشكل يصعب فيه تحديد الإيقاع المحوري أو الأساسي, في الكثير من النصوص,بالرغم من انتهاج إيقاع التفعيلةبشكل عام.وذلك من مثل قوله, وقد مرّ بنا, من قبل:
في أصيص البساطة يزرع أشعاره
ويوزّعها للنوافذ والشرفاتْ
مثل الحبقْ
يعزّز ألوانه في النباتْ
ويفرض منهجه في العبقْ [304] حيث نلاحظ أن المقطع يبدأ بتفعيلة «فاعلن» المتوالية مع جوازاتها, حتى نهاية السطر الثاني, ثمّ نلحظ تفعيلة « مستفعلن» واحدة, في السطر الثالث, ثمّ تفعيلة « فعولن» بجوازاتها في السطرين الأخيرين. ولو تابعنا المقطع في الديوان فسوف نلاحظ عودة إلى فاعلن, ثمّ فعولن, ثمّ مستفعلن فاعلن معاً, من دون تواتر معين أو انتظام ما. لكن الذي أمسك بالنصّ إيقاعياً, وأعلن عن شيء من الحدة الإيقاعية هو الالتزام والتنويع في القوافي وأحرف الروي, مع أسطر شعرية قصيرة. علماً أن القصيدة كاملة, وهي» في منتهى الياسمين» تسير على ذلك التنويع غير المنتظم بين التفعيلات, وكذا بين القوافي وأحرف الروي, كما تُزاوج بين شعر التفعيلة والشعر الخليلي على نحو غير منتظم أيضاً.
لقد أدّى التخفيف من حدة الإيقاع إلى هيمنة البساطة الشعرية, بشكل تبدو فيه القصيدة أشبه بالنص السردي أحياناً, لكنه نص ّشعري مشدود إلى إيقاع خفي خافت؛ كما تبدو أشبه بالمونولوج أو المناجاة الذاتية, لا صوت ضاج ولا إيقاع عالٍ ولا تراكيب معقدة ولا مفردات خارجة عن المألوف أو المفهوم. ولا شكّ في أن الميل إلى الخفوت الإيقاعي يتكامل والميل إلى التراكيب النحوية النموذجية. إذ كلما ارتفع المستوى الإيقاعي, فوق النثرية, ارتفع أيضاً الميل إلى المستوى النحوي. فدرجة الإيقاعية غالباً ما ترتبط بدرجة النحوية(16), وإن كنّا لا نقول بأن هذه هي تلك بالضرورة. لكن ارتفاع وتيرة الإيقاع تفترض اللجوء إلى التقديم والتأخير والحذف والفصل والوصل.., مما يؤدي إلى الانزياح عن التركيب النحوي النموذجي, أو ارتفاع درجة النحوية.
يمكن التوكيد أن المستوى الدلالي هو الأبرز في التعبير عن المتعة الجمالية, في شعر صقر عليشي. حيث يكثر الاعتماد على المفارقة إلى الحدّ الذي يصعب معه الركون إلى المعنى المعجمي أو المعنى المباشر في التراكيب والألفاظ. إن معنى المعنى هو المعتمد الأساسي, في هذا الشعر, وهو الذي يمنعه من الانحراف من البساطة إلى السطحية, ومن الإيحائية إلى المباشرة, ومن الجمالية إلى التواصلية, ومن الشعرية إلى النثرية جميعاً. فثمة مستويان دلاليان غالباً في الحدّ الأدنى. ولعلّ السبب الرئيس ينهض من الانزياح الدلالي. حيث يتمّ الاستبدال بين المتباعدات والمتناقضات, على مستوى الدلالة المفردة والتركيب الدلالي, مع الركون إلى القيمة الجمالية للظواهر والأشياء, أي دون الإخلال بالقيمة الواقعية المعتمدة في الذوق الجمالي الموروث. مما يجعل المسافة بين القيمة الفنية والقيمة الواقعية مسافة قريبة وممكنة, بالرغم من ذلك الجمع أو الاستبدال, .






   رد مع اقتباس

قديم 23-07-2018, 12:08 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
^كــاتم أســرار^
المدير العام
 






^كــاتم أســرار^ غير متواجد حالياً

شكرا لك والله يعطيك العافية


كاتم أسرار






   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 10:43 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير