العودة   منتدى النرجس > المنتديات الأدبية > منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 10-01-2016, 10:59 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
وليدالحمداني
إدارة الموقع
 







وليدالحمداني غير متواجد حالياً

 

Sss20 عناقيد اللذّة أو جمالية المتعة بين الألفة والدهشة في شعر صقر عليشي

عناقيد اللذّة أو جمالية المتعة بين الألفة والدهشة في شعر صقر عليشي







تمهيد:
حين قام الناقد حنا عبود بتوصيف الشعر السوري المعاصر, في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين, على مستوى المضمون أو الرؤيا الشعرية, لم يجد أمامه من التوصيفات النقدية سوى مصطلحات: الرؤى السوداء والمازوكية وجنّاز الطبيعة(1).., حتى إنه جعلها عنوانات لبعض الفصول, لما لها من حضور شعري ضاغط, في تلك المرحلة المدروسة من عمر الشعر السوري. وبصرف النظر عن الأسباب الكامنة وراء ذلك, فإن الناقدعبود يذهب إلى أن الشاعر السوري الذي نقل واقع السياسة من المجتمع إلى الطبيعة,أضفى انفعالاته على عناصرها, فحمّلها أحاسيسه من ضجر وضيق وألم وحزن وكآبة, وهو ما جعله يقوم بكلّ طقوس جنّاز الطبيعة.(2) ويرى عبود أنّ تلك هي خاصة تميّز الشعر السوري من الشعر العربي عامة, في تلك المرحلة.
ونحن هنا لا نريد من استحضار ذلك الرأي النقدي الذي قد نختلف أو نتفق معه في هذه الجزئية أو تلك, سوى توكيد مقولته الكبرى, وهي ارتفاع منسوب البكائيات في الشعر إلى المستوى الذي بدت فيه, وكأنها هي معدن الشعر وجوهره معاً.فجنّاز الطبيعة في الشعر كان في أحد أشكاله تعبيراً حادّاً عن الاغتراب الروحي في الواقع المعيش, والذي تكمن ذروته في افتقاد المتعة في الأشياء والظواهر والقيم والمعاني جميعاً. وهو ما يفسّر انضواء معظم النماذج الشعرية المطروحة, في تلك المرحلة, تحت مفهوم العذاب, وما لم ينضو تحت العذاب انضوى تحت مفهوم التراجيدية أو البطولية, وإذا ما وقعنا,بالمصادفة, على بعض النماذج الشعرية التي تبلور مفهوم الجمال, فإننا لا نعدم ملمحاً مؤلماً فيها, يتأتى في الحدّ الأدنى من الرؤيا الاغترابية التي ترى في الجمال مطمحاً أكثر مما ترى فيه واقعاً حياً, حتى لو كان من عالم الطبيعة الغفل. ولهذا تراجعت نماذج الجميل الممتع أو اللطيف أو المؤنس أو المدهش…, كما هي الحال في شعر نزار قباني في المرأة خاصة, وتصدّرت نماذج القبيح والعذابي والبطولي والتراجيدي.., سواء أكان ذلك في الشعر السوري أم في الشعر العربي عامة, في النصف الثاني من القرن العشرين. ولا يختلف في ذلك شاعر خمسيني عراقي عن شاعر ستّيني سوري عن شاعر سعبيني مصري إلا بالدرجة من جهة,وبالصفة المهيمنة من جهة أخرى. ولهذا قلّما رأينا شاعراً يترنم بالجمال حيّاً من جسد وروح, لا مثلاً أعلى مجرّداً أو حلماً يسعى إليه فحسب, كما هي حال الشاعر صقر عليشي, ومن قبله القباني وفيما بينهما شوقي بغدادي ومحمد الحريري بشكل ملحوظ جداً.إذ إنّ أغلب شعرائنا يكادون يتلفّتون يمنة ويسرة, إذا ما وجدوا أنفسهم متلبّسين بقصيدة منذورة للمتعة أو للفرح, لا ألم ولا حزن ولا كآبة فيها – ألم يقل الماغوط: الفرح ليس مهنتي- أو متلبّسين بقصيدة لا يبدو على محيّاها ملامح الصراع مع الخصوم والأعداء في الداخل والخارج معاً. ألم يقل ممدوح عدوان أيضاً: يألفونك فانفر!.
إننا ندري جيداً أنّ الشاعر العربي, في سورية أو سواها, ليس هو السبب في مثل هذا الطقس الكئيب المتواتر في الواقع والشعر معاً, ولكن ندري أيضاً أن ذلك الشاعر قد أضاع, في زحمة الاغتراب والصراع, الكثير مما هو بين يديه, من جمال حيّ, لا يحتاج كي يراه, إلى أن يتخلى عن قضاياه الكبرى أو الصغرى. بل ألم يحزن هو ويغترب ويصارع أساساً,من أجل تحويل المثل الأعلى الجمالي إلى واقع حيّ..!.
إن ما فعله صقر عليشي, عبر مسيرته الشعرية, هو هذا تحديداً. فقد انصرف إلى الجمال الحيّ, من غير أن ينصرف عن تلك القضايا التي راح ينظر إليها من منظوره الجمالي الخاص. ولعلّه يكون أسبقَنا, نحن أبناءَ جيله من الشعراء, إلى وعي ذلك مبكراً.
تجربة المتعة:
بالرغم من التفاوت الرؤيوي والفني,فيما بين المجموعات الشعرية التي شكّلت مسيرة الشاعر صقر عليشي أو أعماله(3) الكاملة حتى الآن, وهو تفاوت طبيعي مفهوم في إطار التطور الإبداعي للشاعر, فإن ثمة تجربة جمالية ممتدة ونامية, تقف وراء تلك المسيرة, وتحدد إطارها الفني العام, مثلما تحدد خياراتها الأسلوبية الكبرى والصغرى على السواء. بل إنها تحدد أيضاً معجمها اللغوي وأفق الإبداع والتلقي معاً. فليس فيها ما يشي بالتناقض الداخلي أو التحولات الحادة التي يصعب معها الكلام على تجربة واحدة أو متّسقة. وهي تجربة متميّزة ومتمايزة عما سواها, في المشهد الشعري السوري الراهن, إلى الحدّ الذي يسمح لنا بالقول إنهاتجربة الشاعر صقر عليشي في المقام الأول, من دون أن يعني هذا حكماً نقدياً تقويمياً بالضرورة. أي من دون أن نذهب إلى تفضيل هذه التجربة على سواها, أو نذهب إلى القول بضرورة النظر إليها على أنها أنموذج قائم بذاته أسلوبياً أو فنياً أو جمالياً.
إنها تجربة ذات طبيعة مغايرة عما هو مهيمن أو سائد, من التجارب الجمالية التي تتمحور غالباً حول تجربة العذاب, كما أسلفنا آنفاً. وذلك أنها تتمحور حول مفهوم الجمال في منحاه الممتع غالباً. ونقصد بذلك أنها تنهض من قيمة الجمال المتحصّلة من الاستمتاع بالعالم أو بالظواهر والأشياء والمعاني. وقلّما تُعنى بغير الجمال, من مثل القبح أو العذاب أو الجلال أو السموّ…الخ.فهي تجربة تبحث عن العذوبة لا عن العذاب, حتى فيما يبدو أن لا علاقة له بالعذوبة أو الإمتاع في الواقع المعيش.ولهذا فإن متعة الألفة والدهشة تجاه جمالات العالم هي الأصل والفرع أو السبب والنتيجة فيها, سواء أكان ذلك العالم في الطبيعة الحيةوالمتحركة والصامتة أو الجامدة, أم كان في المرأة بمختلف جوانبها الأنثوية والإنسانية,أم في الأشكال والأفراد والعلاقات اليومية الحياتية.
ولا شكّ في أن اكتشاف العذوبة في كلّ ذلك لا يحتاج إلى الكثير من المعاناة أو الجهد, بقدر ما يحتاج إلى «القليل من الوجد» بالحياة نفسها. إنه يحتاج إلى شاعر يرى في الحياة بذاتها مثلاً أعلى ينبغي عيشه والدفاع عنه, والبحث عنه فيما لم تلوثه المعاناة الإنسانية بآلامها ومآسيها وقضاياها الوجودية أو الأيديولوجية الكبرى. إنه بحث عن الممتِع والمفرِح والمُلذّ, لا عن المنفّر والمحزن والمؤلم. وذلك بهدف القول إن في الحياة ما ينبغي أن يعاش خارج معزوفة الألم, أو أنه ينبغي أن يعاش لأن فيه من المتعة ما يجعله ذا جمال حيّ وبهيّ معاً. غير أن هذا لا يعني أن الشاعر يغمض عينيه عن المنفّر والمحزن والمؤلم, فيبدو لامبالياً بالمعاناة الاجتماعية أو الإنسانية عامة.إنه يرى كلّ ما يمكن أن يُرى, ولكن من منظوره الخاص, وهو منظور المتعة. وقد يبدو هذا الكلام غريباً. إذ كيف لنا أن نرى المتعة في المؤلم أو المحزن أو المنفّر!.ولكن قبل الإجابة نتساءل: كيف لنا أن نتفهّم تعبير: استعذاب العذاب, عند المتصوفة!. أو نتفهّم أن يرسم الفنان وجهاً قبيحاً بشكل جميل وممتع,بتعبير النقد الفني!.
إن الشاعر في تعامله الفني مع العالم من منظور المتعة, يحاول أن يرى في الموجع أو المحزن ما هو مضحك, أو كوميدي. أي إن تحويل المؤلم إلى مُلذّ لا يكون باستعذاب العذاب, كما عند المتصوفة. بل بالسخرية منه أو الاستعلاء عليه أو امتلاكه بالابتسامة الساخرة. صحيح أن تلك الابتسامة تنطوي على قدر ما من الحزن والألم, ولكن صحيح أيضاً أن نسبة البهجة فيها أعلى من نسبة الألم, وذلك لامتلاكه النفسي والمعرفي معاً. إن ما لا نستطيع امتلاكه نفسياً أو معرفياً, أو لا نستطيع التحرر منه والهيمنة عليه باكتشاف المفارقة الكوميدية فيه, لا نستطيع بالضرورة تحويله إلى مضحك أو ملذّ جمالياً في الواقع والفنّ على السواء(4). وما تعبير المضحك المبكي إلا شكل واحد من أشكال المتعة المتولّدة من المؤلم الممتَلك معرفياً. حيث يتمّ اكتشاف المفارقة في المبكي, فيتمّ تحويله إلى مضحك. وفي هذا امتلاك له نفسياً ومعرفياً.وذلك من مثل النصّ التالي المعنون بـ«ثورنا». إذ يتمّ الربط بين الثور الهائج والأمين العام أو الحاكم الفاسد المستبدّ, عبر المفارقة الكوميدية المضحكة, لا عبر التصوير التراجيدي المحزن:
تعود بي الذكرى إلى أيام ثورنا الأغرّ
كان مُهاباً بين بقر الجيران,
معتدّاً بقرنيه كثيراً
كان حيثما مضى يُشيع حوله الخطَرْ
كم عاث في زرع عباد اللهْ !
كم خرّب الشجرْ !
*
عرفتُ في ما بعدُ أنّهُ
كان الأمينَ العامَّ للبقرْ[395-396] لاشكّ في أن صقر عليشي لا يحوّل القضايا الإنسانية أو الاجتماعية المأساوية الكبرى, أو قضايا التحرر الاجتماعي والسياسي, إلى كوميديا أو أنه يُدخلها في المضحك المبكي, وإلا لكان شعره ذا طبيعة عبثية أو فوضوية أو عدمية, وما هو كذلك. إنه لا يطلق الابتسامة الساخرة إلا فيما يقوم على المفارقة أساساً, أو فيما يمكن اكتشافها فيه من إحدى زوايا النظر. أما تلك القضايا التي يتداخل فيها الحقّ والخير والجمال, بالنسبة إلى الوعي الإنساني عامة, فإنه ينظر إليها من منظور الجمال أولاً, أي من منظور المتعة التي ينبغي الدفاع عنها, لأنها الجمال الذي يحيل على الحياة في شكلها الإنساني الأرقى. وهو ما يعني أن خطاب المتعة في شعر عليشي هو خطاب الجمال بمختلف معانيه ومستوياته المتعددة. سواء أكان في الأشكال الحسية أم المشاعر العاطفية أم المعاني المجردة أم القضايا الإنسانية الكبرى. وسواء أكان في الممتع والمؤلم أم الجوهري والعرضي أم الطبيعي والاجتماعي.., الخ. ولعلّ هذا ما يجعل تجربة صقر عليشي هي تجربة الجميل أولاً وأخيراً. بل هي تجربة الممتع منه تحديداً.
وبدهي أننا لا ننفي تقاطع هذه التجربة مع تجربة الجليل أو تجربة البطولي أو التراجيدي…, علماّ أنه يصعب الكلام على قيمة جمالية واحدة في نصّ شعري واحد, بلْهَ أن نتحدّث عنها في تجربة شعرية متنامية وممتدة, على ثلاثة عقود ونيّف من الزمن. فلا شكّ في أن ثمة ملامح متفاوتة من تلك التجارب, ولاسيما تجربة الجليل, في تجربة الممتع لدى عليشي في هذا النصّ الشعري أو ذاك, ولكننا نؤكد ارتفاع نسبة حضور الممتع في مجمل التجربة, عبر أعماله الشعرية, إلى الحدّ الذي يجعلها تجربة خاصة بالشاعر دون سواه من أبناء جيله خاصة والأجيال الشعرية المتزامنة معه عامة. وإذا أردنا أن نتذكر بعضاًمن عرّابي شعر المتعة, في القرن العشرين, فإن سعيد عقل ونزار قباني يأتيان في المقدمة منهم.
ولا نقصد هنا أن شعر صقر عليشي يدخل في تناص لغوي أو أسلوبي مع شعر هؤلاء الشعراء, وهو ما لا ننفيه بالضرورة, في بعض النصوص الشعرية, وإنما نقصد ما هو أشمل من ذلك, وهو الرؤية الجمالية المتعوية عامة. فشعر هؤلاء الشعراء جميعاّ ينهض من المتعة الجمالية المتحصّلة من قيمة الجميل في الواقع والفنّ معاً. أي إن النصّ الشعري لديهم لا يتوقف غالباً إلا عند الظواهر الجميلة, والمرأة عنوانها الرئيس؛ ولا يُعنى فنياً إلا بالصورة الفنية المبنية على عناصر لذّوية, والبهجة شكلها الجمالي/ الشعوري الرئيسي أيضاً؛ كما أنه لا يستخدم من المعجم اللغوي إلا ما يتصل بالجميل منه وما يتساوق معه. وما سوى ذلك لا نستطيع الكلام على أولئك الشعراء وكأنهم تيّار شعري واحد أو موحّد, ذو خصائص مشتركة. فلكلّ منهم أسلوبه الخاص ولغته الخاصة وتعامله الفني المختلف مع الظواهر والأشياء. بل لكلّ منهم رؤيته المتعوية المغايرة.ولا مجال هنا لبيان ذلك.
ولكنلا بأس من الإشارة إلى أن الناقد محيي الدين صبحي قد أمسك بتلك القرابة بين شعر عليشي وشعر القباني, معتبراً أن شاعرنا ينتمي إلى الدولة القبانية في الشعر النزاري(5). ولا بأس أيضاً من الإشارة إلى ما يذهب إليه الناقد صبحي في مسألة انضواء شعر عليشي تحت ما يصطلح عليه الناقد بشعر البداهة والفطنة Wit Poetry في الشعر العربي الحديث. بل يرى في صقر عليشي واحداً من أهمّ المساهمين فيه, مؤكداًريادة إيليا أبي ماضي, في بعض قصائده, لهذا النمط من الشعر, وأهمية القباني فيه(6). وهو شعر يقوم على التقاط المفارقة من جهة, والفكاهة من جهة أخرى,مما كنا أشرنا إليه بتعبير الابتسامة الساخرة والمضحك المبكي أيضاً. والحقيقة أن لشعر البداهة والفطنة رواداً كباراً من مثل الشاعر اليمني عبد الله البردوني والشاعر السوري محمد الحريري.
وإذا كنا لا نختلف مع الناقد في النظر إلى شعر عليشي من زاوية البداهة والفطنة. فثمة عدد من النصوص الشعرية تقع تحت ذلك الإطار, على نحو واضح. فإننا نذهب إلى أن الحاضن الجمالي الكلّي لشعر عليشي هو تجربة المتعة. غير أن لتلك المتعة مستويات ومناحي وحوامل متعددة, منها منحى البداهة والفطنة. أي إن هذا المنحى هو الآخر منحى متعوي, يهدف إلى إثارة البهجة من جرّاء اكتشاف المفارقة في الأشياء أو فيما بينها. وقد تتمّ المبالغة في التبهيج بشكلتتقاطع فيه معالتنكيت, وذلك حين ترتبط البهجة بالفكاهة والهزل أحياناً, مثلما نجد في قصيدة «سهرة الأحد».غير أن ذلك كله يدخل في باب المتعة, بصرف النظر عن محتواها الجاد أو الهازل أو ما بينهما من مستويات.
وإذا ما أردنا تحديد حوامل التجربة الجمالية في شعر صقر عليشي, فيمكن لنا القول إنها تتحدد بالطبيعة والمرأة والقصيدة في المقام الأول. وهي حوامل أو أقانيم موضوعاتية وانفعاليةوتخييلية ولغوية ورؤيوية في الوقت نفسه؛ كما أنها أقانيم متحاورة فيما بينها, بشكل يصعب فيه النظر إلى واحدمنها بمعزل عن الآخر. فهي غالباً ما تتداخل فيما بينها في النصّ الشعري الواحد من منظور المتعة, أو الأدقّ أن الشاعر غالباً مايستحضر المعجم الطبيعي والمعجم الأنثوي والمعجم الشعري, في تناوله الجمالي لواحد من تلك الأقانيم/ الحوامل. وكأنها أقنوم واحد, أو كأنالمتعة الجمالية هي الأيقونة الشعورية/ الروحية لتلك الأقانيم, في شعر صقر عليشي.






   رد مع اقتباس

قديم 10-01-2016, 11:00 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
وليدالحمداني
إدارة الموقع
 







وليدالحمداني غير متواجد حالياً


أقنوم الطبيعة:
تشكّل الطبيعة- الريفية منها على وجه التحديد- جمالية المكان, كما تمثل المادة الأولى للتخييل الفني والمعجم الشعري/ الدلاليعلى حدّ سواء. وذلك بالإضافة إلى كونها موضوعاً فنياً قائماً بذاته. حيث تبدو تلك الطبيعة أشبه بالمثل الأعلى الجمالي فنياً واجتماعياً بالنسبة إلى الشاعر, من دون الوقوع في مسألة المقارنة بين الريف والمدينة, أو الوقوع في نوستالجيا نفسية أو تخييلية شعرية على أقلّ تقدير, كما حدث عند الكثير من شعراء الخمسينيات والستينيات, في القرن الماضي. فصقر عليشي الذي لا يكاد يفارق الطبيعة الريفية في شعره, لا يكاد أيضاً يوحي بأي حنين بكائي إلى عالم الريف, أو بأي اغتراب روحي عن عالم المدينة- دمشق- التي يعيش فيها. ولهذا لا نجد أي شكل من أشكال التوبيخ- ما خلا إشارات محدودة عابرة- للمدينة وعلائقها وأخلاقياتها, في مقابل عالم الريف «النقي الطاهر البسيط الطيّب…» أو عالم الملاذ الروحي.
صحيح أن الطبيعة الريفية ترتفع إلى مستوى المثل الأعلى, في شعره, ولكن صحيح أيضاً أن ذلك المثل لا يتمّ طرحه بوصفه مثلاً اجتماعياً ريفياً يتعارض وواقع المدينة- وإلا ما معنى ذلك الثور في الريف والمدينة على السواء؟- وإنما يتمّ طرحه بوصفه مثلاً إنسانياً عاماً ينبغي إنجازه وتحقيقه. وإذا ما كانت الطبيعة الريفية مادته الأولى, فإن الإطار الإنساني العام هو محتواه القيمي الأساسي.ولهذا لا نجد في شعر عليشي ملامح رومانسية, بالرغم من كثرة الأجواء الطبيعية الريفية الشائعة فيه,وفي شعر الرومانسية من قبلُ؛ كما لا نجد تلك البكائيات الحارة على عالم مفقود عامة, أو مفتقد في المدينة خاصة. حتى يتحول الريف إلى ملاذ آمن نفسياً أو روحياً. إن الشاعر يرى باختصار أن عالم الريف الذي احتضن طفولته ومراهقته الأولى, وملأ عليه ذاكرته الحسية, هو مادة لذوية وقيمية وتخييلية غنية بالعناصر والمعاني والرموز, ينبغي تثميرها في الشعر؛ تماماً مثلما ينبغي تثمير ما يعايشه راهناً من مواد لذوية وقيمية واجتماعية. وهو ما يتناغم ونزوعه إلى الجميل الممتع, في مستواه الحسي أولاً.
فليست تلك الطبيعة إذاً مادة حلمية- نفسية أو رؤيوية- تثير في الشاعر أحاسيس أو مشاعر أو رؤى تندرج تحت النوستالجيا أو الاغتراب أو الرغبة في العودة إلى الرحم أو الملاذ الروحي. بل هي عناصر حية حيوية ممتلئة بالعذوبة والدهشة والألفة:
ينابيع تمرح فوق السفوحِ
تسقسق….
معربةً عن سعادتها الداخليّه
وأخرى, على مهَل, تؤلّف أعشابها
وتقول عذوبتها الأبديّه
*
رؤوس التلالِ
استبدّ بها مغرب الشمس
غادرها وهي محفوفة بالشجى والذهب
صبايا نضجن كما ينبغي
قبل نضج العنب
رجال يلفّون تبغهمُ
ويخوضون في عالم الغيب حتى الرّكَب[357- 363] يبدو في المقطعين السابقين من قصيدة « منظر عام لعين الكروم»- قرية الشاعر في محافظة حماة- أن عالم البيئة الريفية طبيعةً وبشراً وعلاقاتٍ هو الحامل الجمالي لتجربة النصّ الشعري. وإذا كان من البدهي أن يكون ذلك لاعتبارات الموضوع الفني المطروح, فإن ذلك الحامل يشمل حتى تلك النصوص التي لا تشكّل الطبيعة عنصراً موضوعاتياً فيها, من مثل المرأة والقصيدة والغرفة والحرية والذيل والأصدقاء.. ولهذا لا غرابة في أن تكثر مفردات الطبيعة في الدلالة عما هو طبيعي فعلي, أو اجتماعي, أو أيديولوجي, أو ثقافي. وذلك من مثل الجبل والوادي والسهل, والتفاح والرمّان والخوخ, والنهر والنبع والسواقي, والماعز والديك والثور.., وكلّ ما يخطر, وما لا يخطر في البال من عناصر الطبيعة الحية والجامدة معاً.
ونكاد نؤكد أن شعر عليشي هو الأكثر اشتمالاً على تلك العناصر, في شعر الحداثة عامة, وفي الشعر السوري منه خاصة. فليس ثمة شاعر, كما نزعم, انطوى شعره على تلك العناصر, ما استُخدم منها وما لم يُستخدم, كما انطوى عليه شعر صقر عليشي الذي يتعامل فنياً مع البقر والغنم والماعز, كما يتعامل مع الغزال والفراشة والعصافير, ويتعامل فنياً أيضاً مع البندورة والبصل والبطيخ, كما يتعامل مع التفاح والعشب والياسمين. ولعلّ الشاعر في هذا يكون فريداً بين الشعراء في القرن الأخير(7). ولاسيما أنه غالباً ما يتعامل معها بالسوية الجمالية نفسها. إنها مادة جمالية غنية جداً بالنسبة إليه, وهي جميعاً مادة مثيرة للمتعة والبهجة, ومثيرة للتخييل الشعري ذي التقويم الإيجابي أو ذي المحتوى الشعوري الملذّ. وهو ما لم نألفه في الشعر الحديث بمختلف تياراته المدرسية. فقد عهدنا الشاعر العربي القديم يتعامل فنياً مع الدمنة والأثافي والحنظل والجندب والقُرَاد, مثلما يتعامل مع الظبي والفرس والنخيل والعرار, مما هو قائم في بيئته الطبيعية, حتى تشكّل ما يشبه المعجم النباتي الصحراوي, في شعرنا القديم(8).
وقد درج الشاعر العربي, عبر تاريخه, على التعامل مع تلك العناصر بوصفها عناصر طبيعية شعرية بالضرورة, أو أنها عناصر ممتلئة بالدلالات والمعاني تاريخياً, مهما اختلفت البيئة التي ينتمي إليها الشاعر أو يعيش فيها؛ كما درج المتلقي العربي, باختلاف بيئاته الطبيعية, على التعامل معها, في الشعر تحديداً, وكأنها عناصره الطبيعية البيئية, وما هي كذلك.غير أن البيئة الصحراوية التي شكلت معجم الشعر القديم شكلت كذلك بيئة التلقي الجمالي للشعر, عبر الهيمنة الثقافية/ الجمالية, فبدت كأنها معجم الشعر عامة, بصرف النظر عن البيئة الحقيقية للمبدع والمتلقي معاً.
لا شكّ في أن تلك العناصر قد غابت عن شعر الحداثة, إلا لاعتبارات رمزية, ولم يعد لها ذلك الحضور الذي نلحظه في شعر الكلاسيكية المحدثة. بل إن شعر الرومانسية العربية قد تجاوز, قبل شعر الحداثة, تلك العناصر القديمة, وراح يتعامل مع عناصر طبيعية جديدة هي بنت بيئته المحلية إلى حدّ بعيد(9). غير أنه مال إلى نمط محدّد من عناصر الطبيعة, وهي تلك المقوّمة جمالياً بشكل إيجابي, في الذوق الشعري العام. بمعنى أن ذلك الشعر قد قام بعملية تبييء للغة الشعرية, الطبيعية منها خاصة. ولكنه قام أيضاً بعملية انتقائية لتلك اللغة. حيث اتجه إلى نوعية محددة من عناصر اللغة الطبيعية, هي تلك التي اعترف بها الذوق الاجتماعي العام, على أنها عناصر دالّة على الجمال, أو أنها تحمل شحنة عاطفية ما, وذلك من خلال رمزيتها الاجتماعية.
أما تلك العناصر الطبيعية التي تبدو «خشنة»أو «نفعية» أو لم يُدخلها الذوق الجمالي العام, في «قائمة النباتات الجمالية» المعتمدة ذوقياً, فقد وجَدت عند صقر عليشي متسعاً للحضور والبروز, بوصفها عناصر دالة على الجمال أيضاً, شأنها في ذلك شأن تلك السائرة في الشعر الرومانسي أو سواه. أي إن الطبيعة برمتها, عند عليشي, ذات قيمة جمالية إيجابية, تمكن الإفادة منها في التخييل الشعري وإثارة المتعة الجمالية, بصرف النظر عن الشائع وغير الشائع, في الشعر, أو المعتمَد وغير المعتمَد ذوقياً. ولعلّ هذا من أسباب كسر أفق التوقّع عند المتلقي, في شعر عليشي. فلم يعتد المتلقي العربي التقليدي والحداثي معاً, على تلقّي مثل تلك العناصر الطبيعية في الشعر تحديداً, ولا يتوقّع أساساً أن يرى البطاطا والبصل والفاصولياء والبطيخ في قصيدة ما, فكيف به يراها وقد أصبحت مادة تخييلية وشعرية مثيرة للمتعة الجمالية!:
عندما تولد القصيدة
مزهوّةّ بقواف خضراء من الفاصولياء
تتشظى أرحام السماء[ 26] *
عندما تولد القصيدة
تضرب الفؤوس بشدّة
عميقاً في غباء التربة
وتزدحم أحشاء السهول بالبصل والبطاطا
ويتوقد الفولاذ كشهاب محترق[ 27] إن الجرأة في استخدام مثل تلك المفردات الطبيعية بكثرة لافتة, وفي كسر أفق التوقّع لدى المتلقي, لا يمكن النظر إليها على أنها فقط جرأة لغوية, أو محاولة فنية للخروج على المألوف الشعري- التقليدي والحداثي- رغبة في التجديد. إن المسألة تتعلق أولاً بالتعامل الجمالي مع مادة طبيعية, اختبرها الشاعر وعاشها وعرفها معرفة فعلية حياتية, لا معرفة نظرية أو شعرية أو لغوية عامة. ولهذا فإن إحساسه الجمالي بها هو إحساسٌ حيّ ممتلئ بالمعايشة والانفعال والمعرفة, إحساسُ مَن ذاق فعَرف, كما تقول المتصوفة. إن من لا يشاهد- بل يعايش- حقول الفاصولياء والبصل والبطاطا…لا يستطيع النظر إليها, والتعامل معها بالطريقة التي قام بها الشاعر. وهو ما يطرح علينا سؤال العلاقة بين الجمالي والمعرفي, في الشعر والفنّ عامة.
لسنا هنا في معرض الكلام المفصّل على تلك المسألة الجمالية, ولكن لا بأس من الإشارة إلى أن الجمالي معرفي بالضرورة, غير أن المعرفي فيه ذو طبيعة ذاتية حسية لا موضوعية تجريدية, من جهة, وذو طبيعة عقلية تركيبية ترابطية لا عقلية تحليلية استقصائية, من جهة أخرى. ولهذا فإن جان ماري شئيفر يذهب إلى اعتبارها- أي المعرفة الجمالية- معرفة من المستوى الأول, في حين يرى المستوى الثاني متمثلاً بالمعرفة العلمية(10). فالموقف الجمالي إذاً موقف معرفي بمستوى ما؛ وكذا هي الحال في الشعر الذي ينطوي هو الآخر على ذلك المستوى, لا بالنسبة إلى عملية التلقي فحسب. بل بالنسبة إلى عملية الإبداع أيضاً. فالمبدع الذي لم يعايش جمالياً العناصر التي بين يديه في أثناء الإبداع, لا يمكنه أن يغذّيها بالدفق الجمالي والبعد المعرفي معاً, ولا يمكنه أن يطبع نتاجه بطابع الإبداع أصلاً. ولا شكّ في أن الخبرة الحياتية الجمالية تسهم بشكل فعّال, في توجيه هذه التجربة أو تلك, من تجارب الإبداع, إلى أحد أنماط التعبير اللغوي والتصويرالفني. وإذا ما اختار شاعرنا توجيه نصه الشعري نحو الطبيعة بمختلف عناصرها الحية والمتحركة والجامدة, فلا يعود ذلك إلى خيار لغوي بقدر ما يعود إلى خيار جمالي, كما لا يعود إلى رغبة فنية في الاختلاف بقدر ما يعود إلى معرفة حية بتلك العناصر, إضافة إلى رؤية فكرية محددة لديه تجاه الطبيعة والعالم من حوله. يقول في نص بعنوان « وئام»:
ليس بيني وبين التراب خلافْ
يسود التفاهم ما بيننا
ويسود الشجرْ
وأنا وجلال الصخورْ
ربينا معاً…
ورضعنا معاً من حليب القمرْ
ليس بيني وبين التراب خلافْ
ليس بيني وبين الشجرْ[ 116] إن ذلك الوئام بين الشاعر والطبيعة هو الذي يقف وراء لغته الشعرية الخاصة, وصوره الفنية ذات المادة الطبيعية, مثلما يقف وراء جمالية المكان في شعره. فالطبيعة الريفية التي هي مادة التخييل الأولى في شعره, هي التي تشكّل أيضاً جمالية المكان فيه, وهي جمالية الأماكن الخضراء المرتفعة التي تحيل على الألفة والدهشة خاصة. حيث نلحظ أن الشاعر لا يكاد يغادر تلك الأماكن, وذلك لألفتها المثيرة للدهشة باستمرار!.أي إن جمالية المكان تقوم أساساً على الارتفاع والانفتاح بما يثيرانه من ألفة ودهشة. وهو ما يعني غياب الأماكن الضيقة أو المغلقة أو المظلمة أو المحدودة, سواء أكان ذلك بالمعنى الفيزيائي أم النفسي أم الروحي.
فكلّ ما هنالك من أمكنة, في شعر عليشي, يتسم بالرحابة والعلو والانكشاف أو الضياء فيزيائياً ونفسياً وروحياً. وهذايتكامل وجمالية الألفة والدهشة اللتين هما من خصائص تلقي الجميل في الطبيعة عامة. وبالرغم من أن الأمكنة المرتفعة, من مثل الجبل والأفق والسماء, غالباً ما تحيل على قيمة الجليل أو السامي, في الطبيعة والفنّ معاً, فإن شعر عليشي يذهب بها إلى قيمة الجميل الممتع غالباً, وذلك من خلال صفة الاخضرار فيها. أي إن الارتفاع مقرون بالاخضرار, وهذا مقرون بالغنى أو التنوع على المستوى اللوني ومستوى العناصر. وهذا الاقتران يولّد البهجة والدهشة لا الرهبة والهيبة. ولعلنا نتذكر في ذلك جمالية المكان في شعر بدوي الجبل, من حيث الارتفاع والاخضرار والمتعة, لا من حيث الرؤيا الفكرية العامة(11).
إن نظرة سريعة أو متأنية, إلى شعر صقر عليشي, سوف تخرج بعدد هائل من الأمكنة الجبلية والمفردات الدالة عليها, والكائنات التي تعيش فيها, والصور الحياتية اليومية التي تتوالى في جوانبها المختلفة. وهي جميعاً تثير الألفة والدهشة. وكأن الطبيعة منذورة لكلّ هذا الجمال الحي والمتنوع واللانهائي. وهو جمال ذو طبيعة حسية ونفسية وروحية, في الوقت نفسه.فالشاعر الذي يتوقف, أمام الطبيعة, باستمتاع بصري وسمعي, بل باستمتاع حسي كلّي, لايبقى في هذا المستوى فحسب, وإنما يتوقف أيضاً أمام الانطباعات النفسية المتولّدة منها, والدلالات الروحية الممكنة فيها جميعاً.
إن تلك الإشارة تسعى إلى القول إن الشاعر لا يتعامل مع المعجم الطبيعي من منظور رمزي, فتبدو عناصر الطبيعة عندئذ رموزاً إلى معان تجريدية أو روحانية أو نفسانية. ولا يتعامل معها من منظور وصفي, فتبدو عندئذ مشاهد حسية جميلة فحسب. وإنما يتعامل معها تعاملاً جمالياً كلّياً كيانياً, ولهذا تأتي الطبيعة بعناصرها المختلفة, في شعره, محمّلة بالقيمة الجمالية بمختلف أبعادها ومستوياتها.الأمر الذي يعني أن الشاعر يحاول استنفاد معرفته الجمالية بالطبيعة ومعايشته إياها, واستثمارها إلى أبعد حدّ ممكن, في استنطاقها الدلالي والتخييلي. ولهذا تبدو الطبيعة بين يديه حيّة وغضّة وعذبة دائماً. فلا غرابة, وهذه الحال, إذا ما كان الشاعر متصالحاًبشكل نهائي مع الطبيعة من حوله. ألم يقل إنه لا خلاف بينه وبين التراب, أو بينه وبين الشجر؟.
منذ رسوخي في علم التفاحْ
ما شاهدني أحدٌ
إلا وأنا مرتاحْ
من لا تمحو الأسرار الغضّةُ ظُلمتَه






   رد مع اقتباس

قديم 10-01-2016, 11:00 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
وليدالحمداني
إدارة الموقع
 







وليدالحمداني غير متواجد حالياً


لن يُجدي معه مصباحْ[ 244] إن علم التفاح, أو المعرفة الفعلية بالطبيعة عامة, هو الذي أتاح للشاعر ذلك التعامل المتنوع والخاص مع أسرارها ومظاهرها, وجعله يبتكر الكثير من المجازات والانزياحات والتراكيب الشعرية المبنية على تلك الأسرار والمظاهر, مثلما جعله يرتاح ويتلذذ بمعانيها وأشكالها «الغضّة» دائماً, سواء أكان هذا بالمعنى النفسي أم بالمعنى الروحي. بل إنه يرى في الطبيعة المعلّم الذوقي الأول, ومن دون تربيته الجمالية الذوقية, لن تكون المرأة التي هي الجمال نفسه عند الشاعر, إلا فظّة غليظة في التعامل الإنساني أو العاطفي:
فظّةً كنتِ واللهْ
مثل من لم يشاهد مدى عمرهِ
وردةً… أو قمرْ
مثل من لم يمرّ النسيم بواديه
مثل من لم يبلل له وجنتيه المطرْ
فظّة كنتِ, بالمختصرْ[239] وقد يفيد القول هنا إن معجم الطبيعة, عند الشاعر, يقوم في جانب واسع منه, على الطبيعة المثمرة أو على مفردات الثمار الغضّة, من مثل التفاح والدراق والخوخ والتين والعنب… الخ, مما يحيل على اللذة الحسية الشهوية, من حيث الدلالة الأولى, وعلى المتعة الجمالية, من حيث الدلالة العامة. وهو ما سوف نعود إليه لاحقاً.
أقنوم المرأة:
غالباً ما تمّ التعامل مع المرأة, في شعر الحداثة, من منظور الدلالات الرمزية, ولاسيما على مستوى الأنوثة فيها. حيث تمً تجريد الأنوثة إلى رموز متنوعة متعددة, بحسب رؤى العالم عند هذا الشاعر أو ذاك. فقد تماهت الأنوثة مع الأرض والوطن والخصب والانبعاث والتجدد والحرية والحلم والخلاص…الخ, فتناثرت عناصر الجسد الأنثوي في مناحي الرؤى الشعرية, بحسب الخطاب الجمالي العام, مما تمكن دراسته النقدية الثقافية في أبعاده الاجتماعية التاريخية المختلفة. وإذا ما استثنينا قصائد الحب الصريح تحديداً, فإنه يصعب الكلام على المرأة في شعر الحداثة عامة, بمعزل عما هو رمزي أو معنوي أو تجريدي, بالرغم من حضور جانبها الأنثوي بقوة. وقد يتقاطع شعر الحداثة, في ذلك, مع الشعر الصوفي الذي ذهب إلى هذا التعامل الرمزي, في وقت مبكر.غير أن هذا التعامل لا نلحظه في شعر صقر عليشي إلا نادراً. فقد تعامل الشاعر مع المرأة من منظور عاطفي ومتعوي ولذوي شهوي, مثلما تعامل معها من منظور اجتماعي إنساني, وإن يكن المنظور الأول هو الأعلى حضوراً عنده, مثلما كان عند القباني. وقد انعكس ذلك على مختلف المستويات النصية, في شعره, معجمياً ودلالياً وتخييلياً. أي إنه تعامل معها كتعامله مع الطبيعة تماماً. فقد حاول استنفاد طاقتها الحسية والدلالية, في محاولته التعبير عنها,وعن علاقته المتعددة الجوانب بها:
بعضهنّ كما العشب يمتدّ أخضرَ… أخضرْ
بعضهنّ كما النبعُ
يُحكِم حولك رقّته وعذوبتَه
بعضهنّ يدير علينا النبيذَ…
وبعضٌ يدير الفلكْ
بعضهنّ كما الغيم…
يمضي, ولكنه يترك الأفق لَكْ [ 212] باختصار: إن المرأة جميلة فحسب. وهي جميلة بأطوارها ومستوياتها وطبائعها جميعاً, ولا يمكن النظر إليها إلا من هذا المنظور. وهذا التعميم الشعري الجمالي لا يتعلق بجنس المرأة فحسب, بل يتعلق أيضاً بكلّ امرأة بإطلاق. فالمرأةجنس جميل, ولا يتأتى منه إلا ما هو جميل, وليس ثمة استثناء في ذلك. تماماً كالطبيعة التي هي بعناصرها وأطوارها كافة مرغوبة ومحبوبة. ولاشكّ في أن ثمة روحية مثالية في هذا, ولكنها روحية تنهض مما هو جمالي لا مما هو فكري. بمعنى أننا لا نستطيع أن نرى في التعميمات الجماليةعامة موقفاً فكرياً قطعياً أو نهائياً. لكننا نستطيع أن نرى فيها أبعاداً ثقافية تتقاطع مع هذا الخطابالاجتماعي أو ذاك.
وبالرغم من أن الشاعر صقر عليشي لا ينطلق من رؤية ثقافية ذكورية بحت, في موقفه من المرأة, فإن الكثير من تقويماته الجمالية وصوره الفنية ومشاعره العاطفية تنهض مما هو ذكوري/ ثقافي تجاه المرأة بوصفها جسداً. بل إن كثيراً من قصائده يقوم على ما هو شهوي, يتداخل فيه الجنسي والبصري واللمسي, وله في هذا آباء وأجداد كُثر, في شعرنا العربي الكلاسيكي قديمه وحديثه, بدءاً بالمنخّل اليشكري وابن أبي ربيعة وأبي نواس.. وانتهاء ببدوي الجبل وأبي ريشة والقباني, على تفاوت في الصراحة التعبيرية عما هو حسي شهوي,وعما هو ذكوري ثقافي, تجاه الأنثوي والاجتماعي في المرأة أو تجاه أحد أعضائها:
إنه نهدْ
مئةٌ بالمئهْ
لا تشوب صلادته شائبهْ
جوهرٌ فردْ
من قديم السنين
يشعّ حقائقه الغالبهْ
سليل أباطرة أوّلينَ..سليل مكينْ
من أعاليه يحكم مملكة السند والهندِ
أرسى مناقبه جيداً
واستتبّ له كلّ مجدْ[ 271- 272] إن ثمة تأريخاً تقويمياً للشهوة أكثر منه توصيفاً للنهد بوصفه عضواً أنثوياً,وفي الواقع فإن لتلك الشهوة منعكسات لا تحصى في التاريخ البشري الجمالي وتاريخ الفن خاصة؛ تبدأ بأدوات الزينة والأساطير القديمة, ولا تنتهي بأحدث أغنية في الحبّ. حيث تتداخل الشهوة الجنسية في كلّ من المتعة الجمالية والموقف الثقافي الذكوري تجاه المرأة تداخلاً, يصعب فيه التمييز الدقيق بين كلّ منها, وما الغالب أو الأساس فيها.وهو ما انعكس تاريخياً حتى في نظرة المرأة إلى جسدها وقيمته الثقافية الذكورية!.
وعلى الرغم من أن المقطع, والنصّ عامة, يسعى إلى توصيف الهيمنة الأنثوية الجنسية, من خلال إعطائها أوصافاً ذات طبيعة لاهوتية- جوهر فرد/ له كلّ مجد- وذات طبيعة اجتماعية أرستقراطية استبدادية- سليل أباطرة/ من أعاليه يحكم…- تجعل الجسد أو النهد حاكماً مطلقاً لا محكوماً, مما يذكّرنا بألوهة المرأة والعصر الأمومي عامة, نقول: بالرغم من ذلك, فإن في النصّ أبعاداً ثقافية ذكورية غالبة, تجعل النهد الذي يشعّ حقائقه الغالبة, والذي استتبّ له كلّ مجد, نهداً محكوماً بالرغبة الجنسية الذكورية تحديداً, نهداً منظوراً إليه على أنه نهد فحسب, لا على أنه ثديٌ أيضاً. فللثدي أبعاد أمومية لا يحتملها النهد. هي تلك الأبعاد التي كانت تطبع العصر الأمومي وثقافته الاجتماعية.ومع أن الثدي يحتمل إيحاء لذّوياً بيولوجياً ونفسياً وروحياً, من خلال الرضاعة والأمومة, فإنهقد لا يحتمل ذلك الإيحاء اللذّوي الجنسي فحسب, كما هي حال النهد الذي تبدو جماليته, في هذا المقطع والنص عامة, متأتية من الإثارة الحسية والجنسية معاً. وهي الإثارة الطاغية في شعر عليشي, فيما يتعلق بالمرأة/ الأنثى. حيث يرتفع المستوى الجنسي لديه إلى الحدّ الذي يجعله يتغلب,في بعض النصوص, على المستوى المتعوي, من دون أن يعني هذا أننا أمام نصوص جنسية أو شهوية بحت. فثمة نصوص شعرية, يتصدر فيها الإيحاء الجنسي, من دون أن ينفرد بها, أو يستنفد دلالاتها الشعرية. وهو ما يبقيها في حدود الحقل الجمالي ولا ينحرف بها إلى الحقل الجنسي.
فمن المعلوم أن الحقل الجمالي يتقاطع مع مجمل الحقول الاجتماعية والإنسانية كافة, من دون أن يتطابق أو يتماهى مع واحد منها. والحقل الجنسي أحد تلك الحقول.الأمر الذي يجعل الحقل الجمالي متعدد الجوانب والمستويات.وكذا هي الحال في الحقل الجنسي الذي يشتمل على ذلك التعدد, مما يسمح بالتعامل معه فنياً, من دون الوقوع فيه, أو في دلالته الصرف.أي إن دخول هذا الحقل إلى الحقل الجمالي هو دخول بدهي, غير أن المسألة تتعلق بكيفية الدخول ومستواه, لا بالدخول ذاته.
وإذا ما كان الجسد الأنثوي كلّه موضوعاً فنياً ومادة تخييلية ومتعوية, في شعر صقر عليشي, فإن للنهد, على وجه التحديد, حضوراً لا ينازعه فيه أي عنصر من عناصر الجسد الأنثوي. بل إننا نذهب إلى أن النهد يمثّل محور الدلالة اللذوية الجسدية, مثلما يمثّل التفاح محور الدلالة اللذوية الطبيعية, ولذلك لا غرابة في أن يحيل الواحد منهما على الآخر, أو أن يتبادلا الدلالة الجمالية, أو أن يكونا محورين رئيسين من محاور المعجم الشعريوعناصر التصوير الفني معاً. إن كلاً منهما يرتفع إلى مستوى الأيقونة, فالنهد أيقونة الجسد, مثلما التفاح أيقونة الطبيعة:
لم تُعطِ تفّاحتَها آدماً
كي يهبطا من بعدها الأرضَا
حوّاءُ بالتفّاح كانت, فقطْ
تريده أن يعرف العضّا[ 245] نلحظ, هنا, تداخلاً إيحائياً مقصوداً بين التفاحة والنهد. إذ يبدو أن آدم لم يأكل بإيعاز من حوّاء تفّاحة المعرفة, وإنما تفّاحة الجسد. وهي لم تكن تهدف إلى الخروج من الجنة. بل العيش فيها عبر اللذة الجنسية. ولهذا التداخل الإيحائي بعدٌ رؤيوي استراتيجي مهمّ, وهو التماهي بين الجسد والطبيعة عبر أيقونة كلّ منهما. بل أيضاً عبر أيقونة كبرى واحدة وهي الشكل المكوّر, أو الشكل الدائري الذي هو أكمل الأشكال الهندسية في الفكر العربي- الإسلامي. وهو أيضاً أوضح الأشكال بروزاً, في شعر صقر عليشي.
إن بين «نهد» الطبيعة و«تفّاحة» الجسد الأنثوي علاقة شكلية واضحة, من حيث التكوير, وعلاقة رمزية ممكنة من حيث الشهوة, وعلاقة مكانية قائمة من حيث الارتفاع, وعلاقة لذوية فعلية, من حيث حاسة البصر واللمس والذوق. ولهذا فمن الممكن جمالياً أن يتبادل النهد والتفاح الدلالة على معطى لذّوي محدد. وقد لا يكون صقر عليشي متفرداً في ابتكار هذه العلاقة التشبيهية بين النهد والتفاح. ففي الأدب الشعبي السوري خاصةً شيء كثير من هذا, ولكن الشاعر من أكثر المستثمرين لتلك العلاقة, مما يرفعها إلى مستوى الخاصة التصويرية والدلالية في شعره عامة. وإذا ما أشرنا إلى أنه غالباً ما يُجري تبادلاً دلالياً بين عناصر الجسد الأنثوي وعناصر الطبيعة الملذّة تحديداً, فإن هذا يعني أننا أمام تعامل جمالي عام, وهو التبادل الدلالي بين الجسد والطبيعة.وذلك من مثل:
أرأيت الألوان على الشرفات
جلسن عرايا حتى من ورق التين؟ [ 12] *
أخبريني أيتها الحقول
أيّةَ تنهيدةٍ تطلقين
عندما يرقد هذا النهر
على بطنك, بجسمه الثقيل البارد؟ [ 34] *
أحبّ أن أذوق غامض التفّاح
أكثر مما لو أذوق
ثمر الخلود [246 ] *
وكانت السماء
من فوقنا تمتدّ لذّة زرقاءْ [ 332] *
يسيل حريرُ النور, من عنقٍ له
ويطلع وردٌ من خدود غريزتهْ12
إن هذا التبادل الدلالي بين الجسد والطبيعة يتأسس على المتعة الجمالية في مستواها الحسي أولاً. وبهذا فالانزياح غالباً ما يقوم على تلك العلاقة التبادلية بين الجسد والطبيعة. حيث تُعطى الطبيعة دلالات جسدية شهوية, وكذا هي الحال في الجسد الذي يُعطى دلالات طبيعية لذوية. فتبدو الطبيعة أشبه بالجسد الأنثوي من حيث إثارة اللذة, ويبدو الجسد أشبه بالطبيعة من حيث إثارة المتعة. وما بين اللذة والمتعة, والألفة والدهشة يتوزّع شعر صقر عليشي. لكن لا بأس من القول أيضاً إن ذلك التبادل الدلالي بين الطبيعة والجسد يقع أيضاً بينهما وبين القصيدة- الأقنوم الثالث- حيث نجد: نهد الصورة, ونهود المجاز, ولمست قصائدها, وللبحر قصائده…الخ. ونلحظ ذلك التبادل كلّه في قوله:






   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى المكتبة الأدبية المتكاملة ومقالات الساعة
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 10:30 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير