العودة   منتدى النرجس > المنتديات السياحية > منتدى السياحة والرحلات واشهر الوجهات العالمية



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 12-01-2008, 05:47 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو







سهر الليالي غير متواجد حالياً

 

$$لغتنا العربيه$$

أ . بوبكر بلحاج
جامعة تونس الأولى





لقد اعتبرت اللغة منذ وقت مبكر عنصرا محددا لماهية الإنسان مما جعل القدماء يستنبطون له تعريفات مستوحاة من الظاهرة اللغوية ذاتها أرسلت على مدى الأزمنة أقوالا مأثورة فقد رأى فيه أرسطو رأس حكماء اليونان (حيوانا ناطقا) بمعنى عاقل تأكيد للصلة الوثقى بين العقل والكلام وعرفه العرب المسلمون ـ انخراطا في نص القرآن وروحه ـ بأنه حيوان مبين(1) وقرنوا تكريسا لقداسة اللغة عندهم نظرية الإعجاز القرآني بمقولة اللسان العربي المبين.

وأولى المفكرون العرب وفي مقدمتهم الجاحظ دلالة اللغة مكانة خاصة وعدوها أكمل أنواع الدلالات وأثرها تعبيرا عن حاجات الإنسان فتنزلت من وجوده منزلة الضرورة والحد المميز له عن سائر المخلوقات(2) وارتقوا بالبيان العربي من مجاله التداوي الأصلي الذي يفيد الظهور والوضوح والفهم والإفهام إلى مرتبة النظام المعرفي القائم وعنوان التميز والتفرد. وقد ذهب إيمان العرب باللغة إلى حد اعتمادها مقياس يصنفون على أساسه الأجناس البشرية التي اعتنقت الإسلام ويميزون بينها وهو ما فعلوه مع العرب الخلص الفصحاء في مقابلتهم بالعجم.

وليست العجمة في مدلولها اللغوي الأصلي ألا نقيض الفصاحة بما هي إبهام وعجز عن الإبانة من جراء اللكنة في اللسان(3). وقد اضطلعت اللغة العربية الفصحى منذ أن فتح العرب أعينهم على العالم وكان ذلك قبيل الإسلام بوظيفة التأسيس لثقافة متنوعة المشارب استوعبت كل الروافد من مناهل التراث الإنساني الفارسية منها واليونانية والآشورية والبربرية وغيرها وصهرتها في وعاء واحد هو ما اعتاد الناس تسميته بالثقافة العربية الإسلامية.

وقد كان نشر اللغة العربية وما تحمله من ثقافة عند الفاتحين العرب الأوائل مساويا لما تسمح به لهم الحملات العسكرية والمناورات السياسية من سيطرة على الأراضي وبناء للمدن وقهر للأنظمة المعادية وإنقاذ للشعوب بدعوتها إلى الإسلام. فاللغة بما هي أداة لفهم القرآن الكريم أولا، ووسيلة للانصهار في جنس الحاكم والتشبع بقيمه ثانيا، وحاملة للثقافة وملكة فكر وعلم وإبداع ثالثا، كانت في تاريخ العرب بمختلف أحقابه عنصرا أساسيا من عناصر شخصيتهم وكنا جوهريا من مكونات هويتهم . وهي قبل ذلك وبعده عنوان توحدهم وتواصلهم السياسي وحصانتهم الفكرية ومجدهم الحضاري.

ولا جدال في أن اللغة العربية تقبل اليوم على أداء دور جديد حيوي بالنسبة إلى العالم العربي هو من قبيل سالف ما أدت ضمن منظومة العالم القديم. لقد أدت ذلك الدور سلفا في قطاعات السيف والقلم وفي مجالات الدين والسياسة وشؤون الثقافة والمعرفة من أدب وفقه وعلم وفلسفة وتاريخ وهي مدعوة حاضرا ومستقبلا إلى أن تؤدي هذا الدور في قطاع من أخص قطاعات الحضارة الحديثة وأطرفها وهو القطاع السمعي البصري وتحديدا البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الوطن العربي . ولنا أن نتساءل في البدء : أي لغة نقصد؟ أهي كما يتبادر إلى الذهن اللغة القومية أي اللغة العربية الفصحى؟ أم هي اللهجات المحلية؟ ثم كيف تستطيع الإذاعة والتلفزيون تجذير ممارسة اللغة العربية لدى السامع أو المشاهد العربي؟ وما العلاقة بين المسألة اللغوية والمسألة الثقافية؟ وأخيرا أي ثقافة عربية غدا ؟

لا شك أن الثورة الاتصالية التي يشهدها العالم منذ عقود وما رافقها من سطوة وسائل الاتصال الحديثة وانبلاج عصر السماوات المفتوحة(4). يجعل من صناعة البرامج الإذاعية والتلفزيونية مسألة حيوية يتوقف عليها أحيانا مصير الأمم ويزداد الأمر خطرا كلما تعلق الشأن بأمم ذات حضارة عريقة قادت العالم واحتلت موقع الصدارة الحضارية وأدركت مدارج التفوق والتألق على مدى قرون كالأمة العربية. ويكمن الخطر في ان هذه الأمة أصبحت ـ وهل انفكت عن ذلك يوما ـ مستهدفة من قبل قوى الغرب المنافسة للعرب منذ الأول المنغمسة في (آتون الأخذ بالثأر التاريخي)(5) الطامحة إلى سيطرة لا تنقطع وتسلط لا ينتهي. ويزداد الوضع تعقيدا عندما ندرك أن أشكال السيطرة الحديثة أقلعت عما مارسه غزاة الغرب السابقون من حملات عسكرية واستعمار سافر مباشر يوطن الأجنبي في أرض المحتل ويستنزف خيراته ويطمس شخصيته لتتقمص صيغا مستحدثا مقنعة تحت ستار ما كرسه الاستعمال العربي عن طريق التوليد الاشتقاقي بلفظه (عولمة)(6).ولئن راجت هذه اللفظة خاصة منذ سنة 1997، فإن تباشير ولادتها لاحت كما هو معروف منذ الإعلان عن النظام العالمي الجديد إثر حرب الخليج وبمناسبة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية سنة1992 وواضح أن هذا النظام العالمي الجديد هو نظام وحيد القطب وأنه يتحسم رسميا في المركزية السياسية وانتصار الأنموذج الليبرالي في الاقتصاد المتشكل إجرائيا في اتفاقية تحرير التجارة الدولية وهو ما اختزلته عبارة العولمة الاقتصادية، ولكن الجانب المغيب أو المسكوت عنه في فلسفة النظام العالمي الجديد إنما هو إرادة التأسيس لكونية ثقافية تنفرد فيها الأمة الغالبة سياسيا واقتصاديا بقيادة بقية الأمم في قطاع الثقافة وجهاز القيم ومناهج الفكر. وبديهي أن هذه الرغبة في الانفراد بالسيطرة الثقافية والريادة العلمية والسبق المعرفي تخفي رغبة في إنشاء نمطية ذهنية مرجعية تفضي عندما تنضم إليها بقية مكونات العولمة إلى سيادة الغالب على المغلوب سيادة مطلقة. ولا شك أن اللغة معنية بهذا الصراع الحضاري لأنها أسَ الثقافة في المقام الأول ومجملها وأداة التواصل الشعبي والرسمي.

وليست اللغة العربية في مأمن من خطر رياح العولمة العاتية الغازية بل لعلها على راس اللغات المهددة بما تنذر به العولمة في كثير من جوانبها الجلية والخفية من تهميش وتذويب بل وإبادة ثقافية، خاصة في زمن أصبح يتحدث فيه الكثيرون عن نهاية الجغرافيا إشارة إلى زوال الحدود وإلغاء المسافات وتراجع قدرة الدول على مراقبة دخول المعلومة وخروجها نتيجة ثورة الاتصال المذهلة وجلوس المستمعين والمشاهدين إلى مئات المحطات يتلقونها عبر الأقمار الصناعية بفضل آخر صيحات أجهزة الالتقاط.

وإذا كان العرب قادة ومثقفين وشعوبا قادرين على التحكم في مصير لغتهم وبقائها وعلى استمرار رواجها عبر المنظومة التربوية في مراحلها الإعدادية والثانوية والجامعية وعبر مؤسسات البحث العلمي ومنتديات الثقافة وفضاءات الفن والترفيه فإن تناولهم للمسألة اللغوية في المجال الحس البصري ينبغي أن يقترن بجملة من المحاذير والتنبيهات. ذلك أن التقنيات الاتصالية الحديثة توفر للمواطن العربي عروضا ثقافية وأطباقا عرفية بشتى لغات الدنيا وخاصة اللغة الإنجليزية الغالبة على غاية من إتقان الإخراج ومهارة التعليب تقتحم بيته بدون استئذان وقد تشد انتباهه بصفو دائمة مما ينجر عنه تولية وجهه عن برامج القنوات الإذاعية والتلفزيونية القطرية العربية. ولا يستبعد أن يفضي عزوف المستمع أو المشاهد العربي وخاصة الأطفال والشبان عن الإنتاج العربي إلى تهميش الثقافة العربية واللغة العربية من قبل العرب أنفسهم.

وينبغي التنبيه في هذا المضمار إلى ان اللغة العربية سادت على مدى أكثر من ستة عشر قرنا من الثقافة والتراث والوجدان وهي اللغة القومية لكثر من 270 مليون نسمة ولحوالي 900 مليون مسلم من غير العرب يعتبرونها لغتهم المرجعية على صعيد المعتقد الديني إذ هي القرآن المبين والحديث والفقه. فاللغة العربية الفصحى هي إذا عنصر الوحدة والتوحيد بين إطار وشعوب تتناغم وتتكامل وتتخاطب اليوم في الدين والأدب والفن والسياسة وغيرها من شؤون الفكر والحياة بدون حاجز وبفضل هذه الآلة السحرية الجامعة.

فالوعي بسلطان اللغة العربية بصفتها لغة تاريخ واحد وتراث عريق وثقافة قومية ومصير مشترك خاصة في هذه الحقبة العاصفة من تاريخ البشرية ينبغي أن يكون من بديهيات القناعات العربية المعاصرة. وإن لنا في تجارب بعض الشعوب عبرا يحسن ان تذكر.

فالرابطة اللغوية المجسمة في اللغة الإنجليزية هي التي جمعت مثلا في الولايات المتحدة الأمريكية أجناسا كان كل شيء يفرق بينها وينفر بعضها من بعض، ونحتت من شتات الأعراق هوية قومية صلبة انتصبت قطبا يقود العالمين. وكذا كان الأمر في الجمهوريات الروسية والصين وغيرها من الدول والشعوب حيث اضطلعت اللغة بوظيفة التوحيد بين أقوام لا يجمع بينهم أحيانا أي شيء(7).

وإن في ما أقبلت عليه البلاد مشرقا ومغربا من تخطيط لإنجاز التعريب تعريب الإدارة وتعريب التعليم وتعريب الشارع لخطوة في نشر الوعي بوجوب سيادة اللغة العربية في كل أرجاء الوطن العربي وهو علاوة على ذلك يشكل أرضية مناسبة لتحقيق خطوات أخرى مماثلة لمزيد تأكيد حضور اللغة الفصحى في وسائل الإعلام الإذاعية والتلفزيونية. وإذا كان هذا الحضور واقعا ملموسا اليوم في مختلف محطات الإرسال العربية فإن المأمول أن يتطور من صيغة المبادرات الظرفية والفردية إلى صورة المخطط القومي الهادف.

وقد أدركت المجموعة العربية في تخطيطها للعمل العربي المشترك أهمية الرهان فأفصحت عنه في وثيقة الخطة الشاملة للثقافة العربية الصادرة عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بقولها:( إن امتلاك السيادة الثقافية داخليا وخارجيا يتوقف في الأساس على سيادة اللغة العربية في وطنها وبين أبنائها أولا).

ويترتب عن هذا الإدراك العربي لأهمية المسألة العاطفية والفكرية العمل على الانتقال من التنظير إلى التطبيق ومن الموقف إلى الإجراء وتكليف الإذاعة والتلفزيون في سائر الأقطار العربية بوظيفة معاضدة دور الأسرة والمدرسة والصحف السيارة في ارتقاء باللغة العربية من لغة رسمية منبرية شبه حية إلى لغة حيوية يومية أي لغة جماهيرية. وأنه لا أحد ينكر أن هناك جهودا تبذل في الوقت الراهن ، فنشرات الأخبار والبرامج الثقافية وجل البرامج العلمية تكتب وتقال وتقرأ في كل القنوات العربية بالفصحى. ولا أحد يمكن أن يدعي أن فهم هذه البرامج قد يستغلق بسبب اللغة فالجماهير العربية ـ بادية وريفا ومدينة تتابع نشرات الأنباء التلفزيونية وتدرك إجمالا مضامينها وتلميحاتها بدليل تفاعلها التلقائي أحيانا مع بعض الطرائف أو المفاجآت الإعلامية أو الأحداث التي هزت الساحة السياسية العربية أو الوقائع آلتي من شأنها أن تحرك سواكن الوجدان العربي كمأزق حرب الخليج أن مآسي مدينة سارييفو المسلمة الشهيدة أو تطورات حرب الشيشتان حيث يضطهد حماة الإسلام في تلك الأصقاع. كما يتابع الناس بمختلف مستوياتهم التعلمية من العالم المختص إلى الأمي حلقات طبية شيقة دأبت على بثها الإذاعة والتلفزيون في الجمهورية التونسية منذ سنوات يدعى إليها أساتذة في الطب الحديث في مواضيع علمية مستعصية أحيانا تتناول بعض الأمراض وطرق علاجها ووسائل الوقاية منها وتستعمل فيها اللغة العربية الميسرة ولا نعتقد أن أحد تذمر من سوء فهم أو ارتج عليه خطاب أو فرط في الرسالة الدلالية التي يطمح البرنامج إلى تمريرها.

أما الأطفال فإنهم في كامل أرجاء الوطن العربي يجلسون أما الشاشة الصغيرة بانتظام لملاحقة مغامرات أبطالهم المفضلين ضمن حلقات برنامج الصور المتحركة الذي يبث هو أيضا وأشباهه من البرامج الموجهة إلى الأطفال والشباب كبرنامج دروس البكالوريا في الإذاعة والتلفزيون بتونس من متممات المؤسسة التربوية في تلقين العربية وتيسير استعمالها بين أطفال اليوم رجال الغد وضمان حركيتها التداولية بين الجماهير العريضة من مختلف الأعمار والشرائح.








   رد مع اقتباس

قديم 12-01-2008, 05:48 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو







سهر الليالي غير متواجد حالياً

ويمكن أن توسع دائرة الشواهد إلى المسلسلات التاريخية التي أنتجتها أقلام عربية مصرية أو سورية أو تونسية أو غيرها والتي اقتصر جلها على اللغة العربية الفصحى وحقق بعضها نجاحا إعلاميا وجماهيريا سجلته أشواق الانتظار وحرقة الترقب وشجون المحاورة والتعليق اللاحقة للفرجة. فمسلسلات(العبابيد) أو (تاج من شوك) أو (الجوارح) أو (الكواسر) أو (هارون الرشيد) أو (ابو دلامة) أو (جح) أو (بنت الخزاف) مسلسلات شدت المتفرج العربي من الخليج إلى المحيط وتجاوزت باقتصارها على الفصحى حاجز اللهجة القطرية فتمتعت تبعا لذلك بالإجماع العربي. إن استلهام الدراما التلفزيونية من التاريخ العربي القريب والبعيد يمدك بالمعلومة التاريخية ممزوجة بنصيب من الخيل الضروري لكل عمل إبداعي ويوفر الزاد الثقافي ولكنه أيضا يصقل عبر النص النموذج ملكة اللغة وقدراتها التعبيرية. والمأمول في هذا السياق أن تحرص الأجهزة الإذاعية والتلفزيونية العربية في نطاق مخطط عمل مشترك واعتمادا على النخب والكفاءات على مزيد استخدام التراث العربي في الدراما التلفزيون ونقصد بذلك مثلا نوادر بخلاء الجاحظ ومقامات الحريري التي يمكن أن تستغل منطلقات لمسلسلات اجتماعية وفكاهية راقية أو بصماتها في الحضارة الكونية كالطبيب القيرواني ابن الجزار أو ابن القيس مكتشف الدورة الدموية. إنها نماذج لو استثمرت الاستثمار الأجود لكانت فرصا لبرز أهم محطات الريادة والتألق في الحضارة العربية مما يساهم في التنشئة على الثقة في النفس المستمدة من الثقة في الماضي عبر الكشف عن فترات القوة في تاريخنا المشترك وتلك إحدى الوظائف الرئيسة للثقافة العربية اليوم وغدا ولكانت كذلك ضربا من الحلقات التكوينية في مجال اللغة من خلال نصوص إبداعية ممتازة . هذا فضلا عما توفره للمستمع وخاصة للمتفرج من متعة وترفيه.

وما دمنا نسعى إلى مزيد دعم الوظيفة التكوينية في الأداء اللغوي لأجهزة المذياع والتلفزيون خاصة في صفوف الأطفال والشبان، فإننا نشير إلى أن حصص نقل المقابلات الرياضية في تلك الأجهزة جديرة بأن تصبح مدرسة لتلقين اللغة لو قررت مواقع النفوذ العربية أن تعوض فيها العربية الفصحى مختلف العاميات المحلية وعملت على إعداد المنشطين الأكفاء في المجال. ومعلوم أن هذه الحصص الرياضية تتمتع لدى الشباب خاصة بنسب إصغاء ومشاهدة عالية وأنها اعتبارا لجمعها بين الجد والهزل يمكن ان تصبح مصداقا للقول المأثور (علموا الأطفال وهو يلعبون) ولعله يحسن في هذا السياق مباركة الإذاعة والتلفزيون المصري من إنجاز برنامج تعليم اللغة العربية للناطقين بها (لغة العرب) لصالح الهيئات الإذاعية الأعضاء في اتحاد الإذاعات العربية(8).

والأمل أن يتواصل استنباط تصورات أخرى ملائمة تدعم دور القنوات العربية في نشر لغة الضاد في صلب لجان عربية مختلطة تشرك الإعلاميين وأعلام اللغة وأهل الرأي في القطاع.

إن الغاية القصوى التي نرومها أن تضطلع الوسائل السمعية البصرية بمهمة كسر الحاجز النفسي وتبديد الوهم المسيطر على العقول العربية ومفاده أن اللغة العربية الفصحى فقد تكون لغة المدرسة والمدرجات ولغة رجل السياسة في المحافل الرسمية ولغة الصحافة ولغة الأديب والشاعر ولكنها ليست لغة العلوم والتقنيات ولا لغة الناس في واقعهم وحياتهم اليومية، فتلك مجالات لها أدوات تواصل مخصوصة هي اللغات الأجنبية أو اللهجات العربية المحلية.

أما اللغات الأجنبية فلا سبيل إلى رفضها في مجتمعات العربية وثوابت الكيان كمؤسس مركزي للشخصية ولكنها تنفر الانغلاق والاختناق الفكري والثقافي وترنو منذ أصولها إلى الانفتاح على ثقافات شعوب أخرى وعلومها عبر إتقان لغاتها الوطنية. ألا أن الازدواجية العربية لا يمكن أن تنقلب من موقع إثراء وخصوبة إلى شل من الارتباك اللغوي والتذبذب الثقافي وعقم الإنتاج.

ثم إن اللغة العربية الفصحى ما كانت يوما عاجزة منذ عصورها الوسطى عن إدراك المفاهيم المستحدثة أو مضامين العلوم والتقنيات الحديثة وعن التعبير عنها. وقد أثبتت قنوات الإذاعة والتلفزيون العربية من خلال برامجها العلمية المتنوعة قدرة اللغة القومية المعروفة بطاقاتها التوليدية الرفيعة على التعبير عن أدق المفاهيم والطف المعارف وأحدثها في ميادين الطب والهندسة والاتصال والفضاء ومختلف فروع التقنيات. والمرغوب في هذا المجال تحديدا مزيد تفعيل الترابط بين الجامعة ومراكز البحث العلمي في الوطن العربي وبين القنوات الإعلامية العربية ـ الإذاعة والتلفزيون ت وذلك بإحداث قناة جامعية عربية إذاعية وتلفزيونية قارة يدعى إليها علماء عرب من شتى التخصصات لإلقاء محاضرات وإدارة فضاءات حوار حول مواضيع علمية مختلفة كعلوم الوراثة والتغذية أو قضايا فكرية شائكة كقضية الاستنساخ أو زرع الأعضاء أو مسائل تهم المصير العربي المشترك كمسألة المياه أو الجغرافيا العربية للتعريف بحدود الوطن العربي الكبير وتضاريسيه وثرواته الطبيعية . ويحسن أن نثري مضامين هذه القناة الجامعية العربية بقناة ثقافية عربية تكون منبرا تطرح فيه النخب العربية والشباب الطلابي أفكارهم ورؤاهم وتصوراتهم في مجالات الثقافات القطرية والثقافة العربية ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وإن فضائل هذه القنوات أحدثت تكريس تقاليد الشراكة تصورا وبرمجة إسهام في تدريب الشعوب العربية وخاصة فئاتها المتعطشة للثقافة على مباشرة اللغة العربية عبر الإصغاء المتوتر للنموذج المختار وفي نحت شخصية العربي الجيد المنغمس في مشاغل العصر وطوارئ الحداثة. إن رفع مستوى الشعوب لا يكون بالتبسيط المخل والتعديل نحو الأسفل بقدر ما يكون بالتبسيط الموزون والتعديل نحو الأرفع أي بنحت ثقافة وسطى إلى جانب الثقافة العالمة تحملها لغة وسطى ليست لغة التوحيدي أو مسكويه أوالسيوطي بل هي لغة عربية مشتركة أوجدتها وسائل الإعلام وبعض الكتب والمؤتمرات العربية والأغاني والأفلام ويتزايد قربها من اللغة المكتوبة لدى الطبقة المثقفة. هي لغة تخترق اللهجات القطرية وتطفو عليها وتتجاوز حدود محليتها الضيقة وهي تحترم الإعراب وتستخدم اللفظة الفصيحة والتركيبة التقليدية السليمة وقد تتقبل بعض الصيغ والبنى النحوية والصرفية المكرسة. ولعل هذه اللغة الفصحى الميسرة المطورة التي تبدو بصدد التبلور والانتشار في أرجاء الوطن العربي بين المثقفين والمبدعين وقادة السياسة بل حتى في رحاب المدرسة والجامعة هي لغة المستقبل وعامل توحد لغوي تدريجي جديد بين العرب لا يمس جوهر اللغة الفصحى وإنما يطوره بحسب ضوابط السلامة اللغوية وبحكم مقتضيات الزمن الجديد . وواضح أن دور الأجهزة الإذاعية والتلفزيونية العربية وإعدادها باستمرار لمجابهة حاجيات العصر المتفاقمة المتشابكة هو تحديث الخطاب الفصيح وتعصير اللغة العربية وتنمية طاقاتها التنافسية لا التخلي عنها لصالح لهجة قطرية أو لغة أجنبية . بيد أن مساندة هذا التوجه التعصيري للغة الفصحى لا يعني إنكار قيمة العاميات العربية، فاللهجة العامية رافد من روافد اللغة الأم وجزء من كياننا وأداة تعبير حي وتلقائي لتداولها في البيت والمطبخ والسوق والشارع وفي ساعات الفرح والشدة وننطق بها أبطال مسلسلاتنا الاجتماعية والفكاهية ونجوم طربنا وقد يتوسل بها الساسة في خطبهم وبياناتهم \لكنها من رؤية سياسية وحضارية ينبغي أن تبقى محددة بسياقها الطبيعي بحيث لا تصبح بديلا عن اللغة القومية في مقامات استعمالها وخاصة في مقامات العلم والفكر والثقافة والإبداع بشتى ضروبه وعلى مستوى المؤسسات الرسمية والشعبية العربية وفي طليعتها مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.

فالموقف اللغوي ليس إلا تواصلا للموقف السياسي والحضاري وهو يقتضي اختيارا عربيا مصيريا من جنس الحتمية التاريخية وهو أن اللغة العربية الفصحى لغة مرجعيات الهوية من تراث وفكر وروح هي أيضا لغة الحاضر والمستقبل بالنسبة إلى العرب كافة (والتفريط في اللسان القومي تفريط في الهوية وكسر لهيكل تماسك المجتمع ووحدته).

ولا بد من التذكير في هذا الموقع أن الغرب الاستعماري عندما أراد تفكيك الهوية العربية واغتيال الأمة العربية عمد تحت ستار الاستشراق إلى إحياء اللهجات في المعاهد والتشجيع على دراستها وتدريسها في المعاهد والجامعات الأوروبية متعللا في ذلك بوهم علمي كان من باب الحق الذي يراد به الباطل وهو أن اللغة العربية الفصحى في خضم التفكك الجغرا سياسي العربي سيؤول أمرها إلى الاندثار كما آل أمر اللغة اللاتينية قبلها. لكن الغرب الاستعماري فوجئ بأنه حفز العرب للصمود واكتشاف متعة البقاء من حيث أراد أن يعمل فيهم معاول الهدم وكأنه بهذه الحملة الشرسة ضد لغتهم بعث فيه وعيا جديدا بقداستها وكمالها فكانت الصحوة اللغوية الثقافية التي صاحبت كل حركات التحرير في الوطن العربي منذ مطلع القرن العشرين شاهدا على عمق الالتحام بين السياسي واللغوي الثقافي في النضال العربي من أجل الاستقلال والحرية.

بيد أن الاستعمار تغلب في أواخر القرن الذي ينتهي في صور أخرى مقنعة تحمل عنوان النظام العالمي الجيد أو العولمة، وهو نظام يخفي وراء انفراد الأقوى بالقرار السياسي وسلطة المال نزعة جموحا إلى بسط نمط من الكونية الثقافية قائمة على الثقافة الأقوى أي الثقافة التي تملك قدرات أكبر على الانتشار والرواج بالسرعة القصوى خاصة عبر الأثير والفضائيات . وهي الثقافة التي تنجح في شد الجمهور خاصة جمهور الناشئة من خلال تلك الأجهزة وسوقه بدون وعي أحيانا وبفضل جمال الاخراج ومهارة التغليف وأساليب الإيهام إلى الانخراط في المنظومة الثقافية واللغوية الغازية. وليست مقولة (الاستثناء الثقافي) التي تمسكت بها السلطات الفرنسية أثناء المفاوضات التي جرت بمناسبة اتفاقية التجارة الدولية إلا ترجمانا عن الوعي الدفين لدى بعض الدول العظمى بجسامة المسألة الثقافية والمسألة اللغوية المترتبة عنها. وأن الوضع يصبح أفدح إذا تعلق الأمر بشان أمة طالما حيكت ضدها المناورات وعاشت شتى أصناف الإجحاف والجحود بسبب تفوقها التليد وطاقاتها الراهنة الكامنة الخفية أو الجلية الظاهرة وهي الأمة العربية . إن هذه الأمة بغض النظر عن أنظمتها السياسية ومحلياتها الضيقة وأوضاع أقطارها الداخلية مدعوة اليوم وغدا إلى إعادة الروح لثوابتها القومية ثوابت الهوية وأسطول القيم الموروث ومخزون التراث العريق والى الانصراف مع ذلك إلى كسب العلوم وإقحام اللغة القومية في خضم النضال من أجل إرساء قواعد المجتمع المدني مجتمع النماء والديمقراطية والقانون وحقوق الإنسان والحرية الفكرية والتسامح والمعرفة.












   رد مع اقتباس

قديم 12-01-2008, 05:49 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو







سهر الليالي غير متواجد حالياً

إنها الحرب معلنة في سياق ما عرف عندهم بصراع الحضارات وعلينا نحن العرب أن نقابل نعرة الصراع بذهنية حوار الأنداد وعقلية الإقصاء بإرادة المشارة الفاعلة في بناء الثقافة الكونية الجديدة ثقافة الحياة ولا رفاه لا ثقافة الموت والإبادة، وترسيخ التكافؤ الحضاري والفكري التعددي. هي معركة من أجل البقاء والفعل الحضاري والريادة المتجددة . وأنه من واجب الأمة العربية ومسؤولية قياداتها السياسية العلمية والفكرية أن تتكتل في صلب جبهة قومية حضارية تتجاوز التنافس العربي الداخلي لتتحالف بكامل قواها لنحت ثقافة قومية عربية جديدة تنطلق من الموروث المشترك وفي طليعته اللغة العربية لتعانق مستجدات الحداثة وما بعد الحداثة فتتنقل من موقع المهادنة والدفاع إلى موقع الهجوم والتحدي وتفرض نفشها على الساحة الإقليمية والعالمية بغزارة الإنتاج وجودته وطرافته وتنوعه وبتمسكها بمرجعيات الوفاق والسلام. وبديهي أنه على العرب أن يتقنوا استخدام أسلحة العصر الفتاكة والترغيب فيها وعلى رأسها سلاح الإعلام وخاصة منه الإذاعة والتلفزيون وأن يقلعوا في هذا المجال عن حلول التوريد السهلة لصالح حدود الفردية العقيمة وتضمن الاستمرار الخصب والتفوق الجماعي في حلبات المنافسة الكونية الصاخة، أنهم بفضل ذلك السلاح وبفضل غيره من الأسلحة الأخرى الناجعة وخاصة منها سلاح العلم قد يدركون ساحل النجاة نجاتهم كجنس وكأرض وثقافة ونجاة لغتهم القومية باعتبارها إحدى تشكيلات الإنسان العربي على مر الدهور وبلسم حصانته (وأم المرجعيات) (9) على الإطلاق. وهي علاوة على كل ذلك لسان الإرادة القومية وعنوان التوازن النفسي والأمن الثقافي وسر السيادة العربية على الدوام.







   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى السياحة والرحلات واشهر الوجهات العالمية
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 04:19 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير