العودة   منتدى النرجس > المنتديات الإسلامية > السيرة النبوية وقصص تاريخ الاسلام ورجاله



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 06-07-2017, 04:11 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
منتهى الحنان
عضو مجلس إدارة
 






منتهى الحنان غير متواجد حالياً

 

Icon23 هل تريد القرب من النبي صلى اللـه عليه وسلم؟

هل تريد القرب من النبي صلى الله عليه وسلم؟



كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً) رواه الترمذي، وهو حديث صحيح. فهذا الخلق الحسن أثقل شيء في ميزان العبد؛ لأن الأعمال توزن يوم القيامة وزناً حقيقياً ترجح الكفة بها، وأثقل شيء في الميزان الخلق الحسن

مقدمة في الأخلاق للشيخ محمد المنجد

عناصر الموضوع :
1. الأخلاق ومكانتها في الإسلام
2. منزلة حسن الخلق وجزاؤه في الآخرة
3. كيفية علاج ما اعوجّ من الأخلاق
4. اعتناء أهل العلم وكلامهم في الأخلاق
5. اكتساب الأخلاق الحسنة

مقدمة في الأخلاق:
الأخلاق مقياس الأمم، وثمرات حضارتها وتدينها، ولا تخفى المنزلة التي أولاها ديننا للأخلاق، حيث يظهر ذلك جلياً أيضاً من نصوص الشريعة، وكتب أهل العلم التي ذكر الشيخ في هذا الدرس طرفاً مما في بعضها، فاقرأه تستفد.

الأخلاق ومكانتها في الإسلام:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاوت بين خلقه في الخُلُق كما فاوت بينهم في الخلق، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، الذي قال الله سبحانه وتعالى في شأنه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. أيها الإخوة: إن موضوع الخلق من الموضوعات الإسلامية المهمة التي عليها يدور نجاح حياة المسلم، فكيف ينجح العالم في وظيفته إذا لم يكن على خلق؟ وكيف ينجح الزوج في حياته إذا لم يكن على خلق؟ وكيف ينجح الداعية في حياته إذا لم يكن على خلق؟ وكيف ينجح الأخ مع إخوانه إذا لم يكن على خلق؟ فالأخلاق عليها مدار نجاح الإنسان في هذه الحياة، حتى قال بعض العلماء: إن الدين كله هو الخلق، ونحن نعيش أزمة أخلاق في واقعنا، سواءً على مستوى العلاقات الزوجية، أو المصلين في المساجد، أو الطلاب والمدرسين، أو الموظف والمراجعين، أو الجار وجيرانه، بل بين طلبة العلم والعلماء والأقران، وهذا مما يؤكد أهمية طرق هذا الموضوع. وحيث أن عدداً من الدروس في هذه الإجازة لها اتجاه علمي صرفٌ في المصطلح، أو التفسير وعلوم القرآن، أو أصول الفقه أو الفرائض أو اللغة ونحو ذلك، فإنني أجد أن الحديث عن موضوع الخلق من الموضوعات التي لا تقل أهميةً أبداً عن تلك المواضيع ، ولعلنا -إن شاء الله- سنكون مع مجموعة من الدروس في هذه الإجازة نقضي كل ليلة مع خلق من الأخلاق الإسلامية الحسنة، نبين فيه مكانة هذا الخلق في الإسلام وأدلته ومعناه، وشيئاً من تطبيقاته في الواقع. وأقول: إن الموضوع مهم للغاية وأكثر مما قد يتصور البعض، وبعض الأخلاق لها جوانب فقهية وتتعلق بها أحكام، كما لو طرق -مثلاًَ- موضوع العدل فإنك ستلاحظ فيه أحكاماً في العدل بين الأولاد، والعدل بين الزوجات ونحو ذلك.

تعريف الأخلاق ومفهومها:
أما تعريف الخلق، فالخليقة هي: الطبيعة، كما قال ابن منظور رحمه الله في لسان العرب : وفي التنزيل: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] والجمع: أخلاق، ولا يكسر على غير ذلك، والخُلْق والخُلُق السجية، والخُلُق هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة -وهي نفسه- وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة. وقال ابن حجر -رحمه الله- في شرح كتاب الأدب من صحيح البخاري قال الراغب : الخَلق والخُلق في الأصل بمعنى واحد، كالشَرب والشُرب، لكن خُص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخُلق الذي بالضم بالتقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، فالشكل والصورة التي تدرك بالبصر تسمى خَلْقاً، والسجايا والطبائع التي تدرك بالبصيرة تسمى خُلقاً. وقال القرطبي رحمه الله تعالى في المفهم : الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة، فالمحمودة على الإجمال: أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها ولا تنصف لها، وعلى التفصيل: العفو، والحلم، والجود، والصبر، والرحمة، والشفقة، والتوادد، ولين الجانب، ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك: أي: ضد الأخلاق المحمودة، كالكذب والغش والقسوة ونحوها من الأخلاق الرديئة، وسيكون مدار الدروس في هذه الإجازة -إن شاء الله- عن الأخلاق الحسنة.

أهمية الجانب الأخلاقي في منهج السلف:
وموضوع الأخلاق موضوع كبير يتعلق بمنهج أهل السنة والجماعة ، وليس كما يتصور البعض أنه موضوع منفصل عن المنهج أو أنه شيء أدنى منزلة أو جانبا،ً كلا! بل هو من صلب المنهج. ومما يؤيد أهمية الجانب الأخلاقي في منهج السلف : تضمين علمائهم هذه الجوانب فيما كتبوه من أصول أهل السنة والجماعة ، كـالعقيدة الواسطية و الطحاوية وغيرها، ومن أمثلة ذلك: قول الإمام الصابوني في تقريره لعقيدة السلف : ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام على اختلاف الحالات، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والسعي في الخيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمدار في فعل الخيرات أجمع، واتقاء عاقبة الطمع، ويتواصون بالحق والصبر. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في العقيدة الواسطية لما ذكر معتقد أهل السنة والجماعة قال: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً -وشبك بين أصابعه-) وقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضى بِمُرِّ القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر، والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفاسفها. إذاً: هذا هو المنهج الشامل للسلف الصالح -رحمهم الله- أهل السنة والجماعة بجانبيه العقدي والأخلاقي، وبقدر ما يحصل من النقص في أحدهما يكون النقص في الالتزام بهذا المنهج العظيم، ولذلك يمكن أن يوجد في الواقع طلبة علم جيدون من جهة العقيدة والتفسير ومصطلح الحديث وأصول الفقه واللغة العربية ونحو ذلك، لكنهم في جانب الأخلاق ليسوا بذاك، فلا شك أن في هؤلاء نقصاً بحسب ما نقص من أخلاقهم. وموضوع الأخلاق موضوع خطير؛ لأنه يمكن أن يقدم بحسن الأخلاق منهج مسموم، كما يمكن أن يعرض الناس بسوء الخلق عن المنهج السليم.

الخلق والدين:
فإذاً -أيها الإخوة- لابد من التركيز على هذا الموضوع؛ لأنه -كما قلنا- من أهم عوامل النجاح؛ فإن كثيراً من الناس لا ينظرون إلى معتقدك ولا إلى عبادتك، وإنما ينظرون إلى خلقك أولاً، فإذا أعجبهم أخذوا عنك العقيدة والأخلاق والعبادة والعلم، وإذا لم يعجبهم تركوك وما أنت عليه من العلم، فإذاً لابد من الخلق، ويكفينا أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] قال ابن عباس و مجاهد : لعلى دينٍ عظيم وهو دين الإسلام. فالخلق أطلق على الدين كله، وهو ما كان يأمر به صلى الله عليه وسلم من أمر الله وينهى عنه من نهي الله، والمعنى: إنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن. ولذلك جاء في الصحيحين : أن سعد بن هشام سأل عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: [كان خلقه القرآن] فقال: لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئاً. أي: لقد كفتني هذه العبارة البليغة الموجزة، حتى هممت أن أقوم ولا أسألها شيئاً. وأصول الأخلاق مجموعة في قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] فليس هناك في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، فهي أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، فهذه الآية أرشدت النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس، ويقبل الاعتذار، ويعفو ويتساهل مع الناس، ويترك الاستقصاء والبحث والتفتيش عن أحوالهم، وكذلك يأخذ ما عفا من أموالهم وهو الفاضل، مثل قوله تعالى: وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة:219] قال الله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] أي: إذا سفه عليك الجاهل فلا تخاطبه بالسفه، كما قال تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63]. وقال أنس رضي الله عنه: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً وقال: ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي قط: أفٍ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟] متفق عليه. والبر: حسن الخلق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن الخلق هو الدين كله، وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وفسر حسن الخلق بأنه البر؛ فدل على أن حسن الخلق طمأنينة النفس والقلب.

منزلة حسن الخلق وجزاؤه في الآخرة:
ثقل الميزان والفوز بأعلى الجنان:
وقد بلغ من منزلة حسن الخلق يوم القيامة أن يكون صاحبه من أثقل الناس وزناً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) وهو أكثر ما يدخل الناس الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام عندما سئل عن ذلك: (تقوى الله وحسن الخلق) و ميزان الكمال عند المؤمنين بكمال أخلاقهم: (إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) حديث صحيح. وهذا الأمر هو الذي يدرك به الإنسان درجات العبادة الكبار، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود ، وهو حديث صحيح، وأبشر يا صاحب حسن الخلق ببيت في أعلى الجنة، فإنه عليه الصلاة والسلام قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) رواه الطبراني وإسناده صحيح، فالبيت العلوي جزاءٌ لأعلى المقامات الثلاثة وهي حسن الخلق. وصاحب الخلق الحسن أقرب الناس مجلساً من النبي عليه الصلاة و السلام يوم القيامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً) رواه الترمذي، وهو حديث صحيح. فهذا الخلق الحسن أثقل شيء في ميزان العبد؛ لأن الأعمال توزن يوم القيامة وزناً حقيقياً ترجح الكفة بها، وأثقل شيء في الميزان الخلق الحسن، وهي وصيته صلى الله عليه وسلم للمؤمن في معاملة الناس حين قال: (وخالق الناس بخلق حسن).

من حَسُن خلقه بلغ درجة الصائم والقائم:
وكذلك فإن حسن الخلق يدرك به صاحبه -كما قلنا- درجة القائم بالليل الظامئ بالهواجر وهو النهار الحار، والله تعالى يحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها، وسفسافها: هو حقيرها ورديئها. وكذلك فإن أعظم نعم الله على العبد حسن الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الناس لم يعطوا شيئاً خيراً من خلق حسن) وكذلك فإن بعثته عليه الصلاة والسلام إنما هي لإتمام صالح الأخلاق، كما ذكر صلى الله عليه وسلم، وهي وصيته للصحابي لما قال له: (عليك بحسن الخلق) وهي الميزان الذي تقاس به الخيرية، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً) ومن كان سهلاً هيناً ليناً حرَّمه الله على النار، وهذا دليل على أن من أسباب الوقاية من النار حسن الخلق.

كيفية علاج ما اعوجّ من الأخلاق:
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتلافى المعوج من أخلاق الناس بكرمه، كما روى البخاري رحمه الله عن عبد الله بن أبي مليكة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت إليه أقبية من ديباج مزررة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه وعزل منها قباءً لـمخرمة بن نوفل ، فجاء ومعه المسور بن مخرمة، فقام على الباب فقال: ادعه لي، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فأخذ قباءً منها كان عليه، فتلقاه به واستقبله بأزراره فقال: يا أبا المسور ! خبأت هذا لك، يا أبا المسور!) وكان أبو المسور في خلقة شدة، فكان عليه الصلاة والسلام يتلافى بحسن خلقه شدة أخلاق الناس، والأخلاق الحسنة تغطي على الأخلاق الرديئة، ولذلك وجه النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج إلى النظر إلى الناحية الإيجابية من أخلاق الزوجات فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك -يعني: لا يكره- مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) رواه مسلم. ومن أسباب تجاوز الله عن العبد يوم القيامة حسن الخلق، فإن حذيفة رضي الله عنه قال: (أُتي الله بعبدٍ من عباده آتاه الله مالاً فقال: ماذا عملت في الدنيا قال: يا رب آتيتني مالاً فكنت أتجاوز على الموسر وأنظر المعسر، فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي) فقال عقبة بن عامر الجهني و أبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. وحسن الخلق هو الذي لفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم إذا تقدم إليك من يخطب ابنتك فقال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) وفي رواية: (خلقهُ ودينه) فهذا هو الشيء الذي ينظر منه إلى الخاطب. وحكمة الله البالغة اقتضت أن يجعل في البشر أخلاقاً عالية، وكذلك أخلاقاً سافلة، وعند المقارنة يظهر حسن هذا وقبح ذاك؛ لأن الضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تعرف الأشياء ، فلولا الظلام ما عرفت فضيلة النور، ولولا أنواع البلايا ما عرفت قيمة العافية، ولولا خلق الشياطين والهوى والنفس الأمارة بالسوء لما حصلت عبودية الصبر والمجاهدة وترتب الأجر والجنة عليهما. إذاً: عندنا محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، فإذا قلت: محاسن الأخلاق مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء، والإيثار، والكرم، والعفة، وكظم الغيظ، والتواضع، والإخلاص، والعدل، وغير ذلك؛ فإنك إذا قارنتها بغيرها تتبين جمال هذه الأخلاق، وضدها مثل: الكذب، والنفاق، والغدر، والخيانة، والبخل، والرياء، والكبر، والعجب، والمفاخرة، والحسد، و الطمع، والحقد، والظلم، وغير ذلك من الأخلاق. وكما أن حسن الخلق منجاة ونجاح، فسوء الخلق ضياع ودمار، ولا بد إذاً من الالتزام والتمسك بهذه الأخلاق الحسنة.

اعتناء أهل العلم وكلامهم في الأخلاق:
وقد اعتنى العلماء رحمهم الله تعالى بجمع محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، وأفردوها بالمصنفات، وألف في ذلك ابن أبي الدنيا و الخرائطي رحمهما الله، وكذلك عدد من العلماء. وكما كنا قد ذكرنا سابقاً في موضوع الآداب الشرعية شيئاً من المنظومات التي نظمها بعض أهل العلم في الآداب، فإننا سنذكر -إن شاء الله- في هذا الدرس شيئاً من المنظومات التي نظمها أهل العلم في الأخلاق.

لامية ابن الوردي:
فمن أعظم المنظومات التي نظمت في الأخلاق اللامية المسماة: لامية ابن الوردي ، نريد أن نلقي الضوء على شيء من أبيات هذه اللامية؛ حتى يتبين لنا مدى اعتناء العلماء رحمهم الله بجمع هذه الأخلاق، قال ابن الوردي رحمه الله تعالى:

اعتزل ذكـر الأغانـي والغـزل
وقل الفصـل وجـانـب مـن هزل

ودع الـذكـرى لأيـام الصــبا
فلأيــام الصــبا نجـمٌ أفـــل

إن أهنـا عـيشـة قضـيتــها
ذهبـــت لــذاتها والإثـم حـل

واتـرك الــغــادة لا تحـفـل
بهـا تمس في عـز وترفـع وتجـل

وانه عـن آلـة لهــو أطـربت
وعـن الأمـرد مـرتـج الكفــل

وافتكــر فـي منتهــى حسـن
الذي أنت تهواه تجــد أمـراً جـلل

واهجــر الخمــرة إن كنــت
فتى كيف يسعى في جنـون من عقل

واتـق الله فتقــوى الله مـــا
جاورت قلـب امــرئ إلا وصـل

ليـس مــن يقطــع طرقــاً
بطلاً إنــما من يتـقي الله البـطل

صدق الشرع ولا تركـن إلــى
رجـل يرصـد في اللــيل زحـل

حــارت الأفكـار في قــدرة
من قد هــدانا سبـلنا عـز وجـل

أي بنــي اســـمع وصــايا
جمعت حكماً خصت بها خير المـلل

اطلــب العلــم ولا تكســـل
فمـا أبعـد الخير على أهل الكسـل

واحتـفل للفـقه فــي الديــن
ولا تشتغــل عنــه بمال وخـول

واهــجر الــنوم وحصـــله
فمن يعـرف المطلوب يحقر ما بـذل

لا تقل قد ذهبــت أربــابــه
كل من ســار على الدرب وصـل

في ازدياد العـــلم إرغـــام
العدا وجــمال العلم إصلاح العمـل

جمــل المنطــق بالنحـــو
فمن يحرم الإعراب بالنـطق اختـبل

مات أهل الفضـل لــم يبــق
سوى مكرف أو من على الأصل اتكل

أنـا لا أخــتار تقبيــل يــدٍ
قطــعها أجــمل مـن تلك القبـل

إن جزتني عــن مــديحــي
صرت في رقها أولا فيكفيني الخـجل

ملك كســرى تغنــي عنــه
كســرةٌ وعن البحر اجتزاء بالوشل

أعـذب الألفــاظ قولــي لـك
خذ وَأَمــرُّ اللفـظ نطقـي بلعــل

اعتـبر نحـن قسمــنا بينهــم
تلقــه حــقاً وبالحــق نــزل

ليس ما يحوي الفتـــى مــن
عزمه لا ولا ما فات يوماً بالكســل

اطرح الدنيـا فمــن عاداتهــا
تخفــض العــالي وتعلي من سفل

عيشة الراغب فــي تحصيلــها
عيشــة الجــاهد فيــها أو أقل

كم جــهول وهـــو مســرٍ
مكثــر وعلــيم مات منها بالعلل

كم شجاع لــم ينـــل فيــها
المــنى وجــبان نال غايات الأمل

أيُ كــف لــم تَفــد ممــا
تُــفد فــرماهــا الله منه بالشلل

لا تــقل أصلــي وفصــلي
أبــداً إنما أصل الفتى ما قد حصل

قد يسود المــرء مــن غيــر
أبٍ وبحسـن السـبك قد ينفى الزغل

وكذا الــورد مــن الشــوك
وما يطـلع النرجــس إلا من بصل

قيمة الإنــسان مــا يحسنــه
أكثــر الإنســان مــنه أو أقـل

اكتم الأمريـن فقــراً وغــنى
واكــسب الـفلس وحاسب من بطل

وادَّرع جـداً وكــداً واجتنــب
صــحبة الحــمقى وأرباب الخلل

بيـن تبذيــر وبخــل رتبــةٌ
وكــلا هــذيــن إن دام قــتل

لا تخض فـي ســب ســادات
مضــوا إنهــم ليسوا بأهل للزلل

وتغافـل عــن أمــور إنــه
لـم يفــز بالحــمد إلا مـن غفل

ليس يخلو المـرء مــن ضــدٍ
وإن حاول العزلة فـي رأس جــبل

مِل عـن النمــام وازجـــره
فما بلــغ المــكروه إلا مـن نقل

دار جــار السَّــوء بالصــبر
وإن لــم تجد صبراً فما أحلى النُقل

جانــب السلــطان واحــذر
بطشــه لا تعانــد من إذا قال فعل

لا تل الحكــم وإن هم ســألوا
رغــبة فــيك وخـالف من عذل

إن نصــف النــاس أعــداء
لمــن ولــي الأحكام هذا إن عدل

فهو كالمحبـوس عــن لــذاته
وكــلا كــفيه فــي الحشر تغل

إن للنقص والاستثقــال فـــي
لفــظة القاضــي لـوعظاً ومثل

لا تــواز لــذة الحكــم بمـا
ذاقــه الشخص إذا الشخص انعزل

فالـولايــات وإن طــابــت
لمــن ذاقهـا فالسم في ذاك العسل

نَصَــبُ المنصــب أوهــى
جلــدي وعنـائي من مداراة السِفل

قصِّر الآمــال فــي الدنــيا
تفــز فدلــيل العقل تقصير الأمل

غِب وزر غِــباً تــزد حــباً
فــمن أكــثر الترداد أقصاه الملل

خذ بــحد السيــف واتــرك
غـمده واعتبر فضل الفتى دون الحُلل

لا يضــر الفضــلَ إقــلالٌ
كما لا يضــر الشمس إطباق الطفل

حبك الأوطان عجــز ظــاهرٌ
فاغــترب تلــقَ عـن الأهل بدل

فبمكث المــاء يبــقى آســناً
وسُــرى الــبدر بـه البدر اكتمل

لا يغرنك ليــن مــن فتــى
إن للحـــيات لــيناً يعـــتزل

أنا مثل الماء سهـــل ســائغٌ
ومتـــى سخـــن آذى وقــتل

أنا كالخيزور صـعب كســـره
وهــو ليــنٌ كيــفما شئت انفتل

غير أني في زمــان مــن يكن
فيــه ذا مــال هو المولى الأجل

واجب عنــد الــورى إكرامه
وقــليل المــال فيــهم يسـتقل

كل أهل العصــر غمــرٌ وأنا
منهــم فاتــرك تـفاصيل الجمل

نونية أبي الفتح البستي:
ومن المنظومات الرائعة في الأخلاق: القصيدة النونية العظيمة، التي نظمها الشاعر بعنوان: الحِكَم، وهو أبو الفتح البستي رحمه الله تعالى، يقول في مطلعها :

زيادة المرء في دنـياه نقــصان
وربـحه غير محض الخير خسرانُ

وكل وجدان حـظ لا ثبــات له
فإن مـعناه فــي التحــقيق فقدانُ

يا عامراً لخراب الدهر مجتــهداً
بالله هل لخــراب الــعمر عمرانُ

ويا حريصاً على الأمـوال تجمعها
أنســيت أن ســرور المال أحزانُ

زع الفؤاد عن الـدنيا وزينــتها
فصــفوها كــدرٌ والوصل هجرانُ

وأرع سمعك أمثــالاً أفصــلها
كمــا يفــصل ياقــوت ومرجانُ

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبــهم
فطــالما اســتعبد الإنسان إحسانُ

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمـته
أتطلب الربــح فيمــا فيه خسرانُ

أقبل على النفس واستكمل فضائلها
فأنــت بالنفــس لا بالجسم إنسانُ

وإن أسـاء مســيٌ فليكــن لك
في عـروض زلتــه صفحٌ وغفرانُ

وكن على الدهر معـواناً لــذي
أمــل يرجو نداك فإن الحـر معوانُ

من يتقِ الله يحمد فـي عواقبــه
ويكــفه شـر من عزوا ومن هانوا

من كان للخير مــناعاً فليــس
لــه علـى الحقيـقة إخوان وأخدانُ

من جاد بالمـال مــالَ النــاسُ
قاطــبةً إلــيه والمال للإنسان فتانُ

من سالم الناس يسلم من غوائلـهم
وعــاش وهــو قرير العين جذلانُ

من عاشـر النـاس لاقـى منـهم
نصــباً لأن سـوسهم بغي وعدوانُ

ومن يفـتش عــن الإخــوان
يَقْلَهـم فجل إخوان هذا العصر خوانُ

من يزرع الشر يحــصد فــي
عــواقبه ندامةً ولحصد الزرع إبانُ

من استـنام إلـى الأشـرار نـام
وفـي قميصـه منـهم صلٌ وثعبـانُ






   رد مع اقتباس

قديم 14-07-2017, 06:04 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
rosana
إدارة الموقع
 







rosana غير متواجد حالياً







   رد مع اقتباس

قديم 19-07-2017, 01:59 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
^كــاتم أســرار^
المدير العام
 






^كــاتم أســرار^ غير متواجد حالياً

شكرا لك والله يعطيك العافية


كاتم أسرار






   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم السيرة النبوية وقصص تاريخ الاسلام ورجاله
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 12:53 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير