العودة   منتدى النرجس > المنتديات الإسلامية > منتدى الفقه الاسلامي والفتاوي الدينية والاعجاز العلمي والصوتيات



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 19-05-2018, 09:11 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
منتهى الحنان
عضو مجلس إدارة
 






منتهى الحنان غير متواجد حالياً

 

مختصر في فقه الاعتكاف

مختصر في فقه الاعتكاف



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد؛ فهذا مختصر في فقه الاعتكاف، ابتدأته بذكر مقدمة، وإيضاح؛ أما المقدمة فتعلمون أن العشر الأخير من رمضان هو أفضل وقت للاعتكاف لذلك أحببت تقديم هذا المختصر على عجالة من الأمر يشمل أبرز المسائل الفقهية المتعلقة بالاعتكاف، دون الخوض في الخلافات، وما أذكره بعضه من المسائل المجمع عليها، ومعظمه من المسائل المختلف فيها، فأذكر منه ما ترجح لدي بعد رجوعي لفتاوى العلماء من السابقين واللاحقين، وهو في النهاية اجتهاد مني حسب ما اطلعت عليه، وأسأل الله سبحانه وتعالى أجر الاجتهاد، وسأذكر بإذن الله ثمرات الاعتكاف، لماذا نعتكف؟ لأن الفقهاء اهتموا كثير وبدقة متناهية بالأسئلة عن حكم الاعتكاف، وعن بعض مسائل الاعتكاف: هل يجوز أن أخرج؟ أو لا يجوز أن أخرج؟ ومن أخرج بعض بدنه هل يبطل اعتكافه؟ أو لا يبطل اعتكافه؟ هذه أسئلة مهمة، لكن الثمرة لماذا نعتكف؟ هذا هو السؤال المهم الذي سيكون في آخر الرسالة، وهو الغاية من الاعتكاف، ومن خلال إطلاعي على كتب العلماء وجدت أفضل من جمع مسائل الاعتكاف وذكر أقوال العلماء والخلاف فيها والتزم بذكر الراجح هو الدكتور/ خالد بن علي المشيقح حفِظه الله، فقد ألَّف كتابًا اسمه "فقه الاعتكاف"، هذا الكتاب صاحبته منذ عدة سنوات وأعجبني بدقَّته وطريقة ترجيحه، وأحسن عندما سماه "فقه الاعتكاف"، فأنصح باقتناء هذا الكتاب، وأن يكون معك في أثناء اعتكافك؛ لأنه لابد أن يعرض لك مسألة من مسائل الاعتكاف فتجد أن الشيخ غالبًا أجاب عليها، وقد أفدت منه في هذه الرسالة فائدة كبرى.




ما هو الاعتكاف؟

الاعتكاف لغة: ملازمة الشيء والمواظبة والإقبال والمقام عليه خيرًا كان أو شرًّا، هذا من ناحية اللغة، والدليل قوله تعالى: ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 52] مع أنها أصنام وسمى فعلهم عكوفًا، وأيضًا ﴿ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ﴾ [طه: 97] هذا كلام موسى عليه السلام للسامري، مع أنه في الشر وسمي اعتكافًا.



أما من الناحية الشرعية: فقد قال الفقهاء: هو لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، لكن شيخ الإسلام قال: هو لزوم مسجدٍ لعبادة الله جل وعلا - لماذا ياشيخ الإسلام؟ - قال: إن الطاعة هي موافقة المأمور سواء كان واجبًا أو مستحبًّا أو مباحًا وتصير طاعةً بالنية، أمَّا إذا قلنا لعبادة الله فهو التذلل والخضوع وهو الذي يليقُ بالاعتكاف، قال تعالى: ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 52] أي متذللون خاضعون وقوله: ﴿ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ﴾ [طه: 97] متذللاً عابدًا خاضعًا، والفرق بينهما يسير، والاعتكاف مشروع بالكتاب والسنة وآثار الصحابة والإجماع.




أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ ﴾ [البقرة: 125] وأيضًا نجد ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ [البقرة: 187] وغيرهما من الآيات.




أما السنة: فالسنة العملية والقولية أيضًا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه كان يعتكف في العشر الأُوَل، ثم يتحرَّى ليلة القدر في الأوسط، ثم أخبر وأعلم أنها في ليالي العشر الأواخر، فكان يعتكف في العشر الأواخر وحث الصحابة على الاعتكاف في العشر الأواخر.




أما آثار الصحابة: فكثيرة والرجوع إلى الكتب يبين ذلك لمن أراد مزيد بيان ودليل.




أما الإجماع: فقد حكى الإجماع كثير من العلماء والفقهاء.




فائدة: هل ورد في الاعتكاف حديث يبين فضل الاعتكاف؟ كأن يقول: ((من اعتكف فله كذا))؟ الجواب: لا يوجد حسب ما أعلم بل حسب ما قال الإمام أحمد رحمه الله لا يوجد حديث صحيح فيه مقدار أجر المعتكف، يقول أبو داود رحمه الله: قلتُ لأحْمد تعرف في فضل الاعتكاف شيئًا قال: لا، إلا شيئًا ضعيفًا، ومن ذلك حديث أبي الدرداء مرفوعًا ((من اعتكف ليلة كان له أجر أو كأجرة عمرة، ومن اعتكف ليلتين كان له كأجر عمرتين))، أما دليل المشروعية فقد ورد في أحاديث كثيرة جدًّا، اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم كما روت عائشة وروى الصحابة وما ذكره أيضًا في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - وغيرها من الأحاديث.




حكم الاعتكاف سنة للرجل والمرأة لأدلَّة مشروعيته، وحكي إجماعًا إلا ما ذكر عن مالك أنه كره الاعتكاف كما ذكر بعض المالكية، فحكم الاعتكاف أنه مسنون إلا ما أوجبه المرء على نفسه بالنذر، لما قال عمر - رضي الله عنه - للنبي صلى الله عليه وسلم: إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة وفي رواية يومًا في المسجد الحرام، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أوفِ بنذرك)).




أما ما لم يكن نذرًا فالصحيح عدم الوجوب فهو مسنون للرجل والمرأة على القول الصحيح، أمَّا الرواية عن الإمام مالك فقدِ اختلف أيضًا من نقل عنه، بعضهم قال: إن مالك لم يقُلْ بالكراهة وبعضهم كابن رشد قال: إنَّ الإمام مالكًا قال بالكراهة، ومع ذلك فقوله مرجوح إن صحت النسبة إليه، أما المرأة فجمهور العلماء على أن الاعتكاف مشروع لها، أي: مسنون إلا ما روي عن القاضي من الحنابلة أنه كره اعتكاف المرأة الشابة وهذا فيه نظر؛ لأنَّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن ومعلوم أنَّ عددًا منهن شابَّات كعائشة، وأم سلمة، وحفصة، كن شابَّات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك اعتكفن، فالقول بأن اعتكاف الشابة مكروه لا دليل عليه.




وقت الاعتكاف؟


جمهور العلماء على أنه في كل وقت مسنون في رمضان وفي غيره، إلا قولاً لبعض المالكية أنه مسنون في رمضان وجائز في غيره، والقول الراجح هو أنه مشروع في رمضان وغيره وأفضله في رمضان وآكده في العشر الأواخر من رمضان.



ماهو أقل الاعتكاف؟


اختلف العُلماء على عدَّة أقوال؛ منهم مَن قال: أقل الاعتكاف عشرة أيام، ومنهم من قال: يوم وليلة، ومنهم من قال لحظة، وأرجح الأقوال وهو الذي تؤيّده الأدلَّة أنَّ أقلَّه يوم أو ليلة، لحديث عمر قال: ((أوفِ بنذرك))، قال: "نذرت أن أعتكِف ليلةً"، وفي رواية "يومًا"، وهما صحيحتان، فنقول: إن أقل الاعتكاف يوم أو ليلة؛ لأنه أمر تعبدي، وهذا أقل ما ورد فيه، أما ما قاله بعض العلماء أنه لحظة، فهذا لا نستطيع أن نقول: إنه اعتكاف، ولا دليل عليه، لكننا نقول لو انتظر الصلاة فهو مشروع ومأجور، لحديث: ((وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط))، لكن لا نسميه اعتكافًا، فرق بين أن نقول: إن انتظار الصلاة مشروع؛ أي: الجلوس في المسجد لانتظار الصلاة مسنون، ولك أجر في ذلك، وبين أن نسميه اعتكافًا، الاعتكاف الذي نتحدث عنه، هو الاعتكاف الذي له أحكام، وله شروط، وله آداب، فنقول: أعدل الأقوال وأوضحها وأقواها وهو الذي يؤيده الدليل أنَّ الاعتكاف أقله يوم أو ليلة، لحديث عمر - رضي الله عنه -: أمَّا أكثره فلا حدَّ له كما نذرتِ امرأة عمران ما في بطنها محرَّرًا، وهي مريم - عليها السلام - أي: وهبتها للمسجد، أي: نذرتها لتبقى في المسجد، فتقبل الله منها كما في سورة آل عمران: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [آل عمران: 35] و﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ﴾ [آل عمران: 37] فتبيَّن لنا أنها كانت معتكفة في المسجد بدليل أول الآية أن أمَّها نذرتها لله، وما معنى أن تنذرها لله، أي: جعلتها في المسجد لخدمة المسجد وبيت المقدس، وتقبل الله منها (كلَّما دخل عليها زكريا المحراب) معناه أنَّها موجودة في المسجد، فممكن أن ينذر الإنسان نفسه لله، يبقى في البيت الحرام أو يبقى في المسجد، لكن بشرط أنه لا يفرط في واجب ولا يقع في محرَّم بأن يتعدَّى في شيء من ذلك، كما نصَّ العلماء.



متى يدخل المعتكف؟
فيه قولان قويان في هذه المسألة؛ قول جُمهور العلماء على أنه يدخل قبل مغرب يوم عشرين، أي: قبل غروب الشمس من يوم عشرين، حتى تكون فعلاً اعتكفت العشر الأواخر لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العشر الأواخر ومن دخل المسجد بعد غروب الشمس لا يصدق عليه أنَّه اعتكف العشر الأواخر كاملة، وفيه قول آخر، وهو أنه يدخل معتكفَه بعد صلاة الفجر من يوم الواحد والعشرين، واستدل هؤلاء بحديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يَعتكِف العشر الأواخر صلَّى الصُّبح ثُمَّ دخل مُعْتَكَفه، لكنَّ هنا وقفةً، حيثُ إنَّه لو دخل بعد الصبح فقدْ فاتَتْه ليلة الواحد والعشرين، ومن فاتته ليلة كاملة لايصدق عليه أنه اعتكف عشر ليالي وخاصَّة أنَّ الاعتكاف عشر ليالي ما قال عشرة أيام، الاعتكاف رُبِطَ بالليالي، يقول: اعتكف عشر ليالي. تسع ليالي، والذي لم يدخل إلا بعد صلاة الصبح كيف نقول عنه: إنه اعتكف عشر ليالي، أو نقول: اعتكف العشر الأواخر، وقد ترك ليلة كاملة بل هذه الليلة ورد فيها أحاديث كثيرة أنها قد تكون ليلة القدر، كيف نجمع بين حديث دخل معتكفه بعد صلاة الصبح، وبين حديث أبي سعيد في العشر الأواخر وغيره من الأحاديث أنه كان يعتكف العشر الأواخر، الجمع يسير وبيِّن وسهل، مع أن القول الثاني قال به علماء كبار، لهم شأن أنه لا يدخل إلا بعد الفجر، والقول الأول قال به جمهور العلماء، ودليلهم أوضح، وكلما أمكن إعمال الأدلة جميعًا أولى من إعمال دليل وإهمال الثاني قال العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل المسجد قبل غروب الشمس في يوم العشرين ويصلى الليل في المسجد، ولكن يدخل معتكفه، أي: خباءه الذي وضعه ونصبه في المسجد بعد صلاة الصبح بعد أن يصلى بالناس الفجر يدخل خباءه، ويسمَّى المعتكِف، أي: من باب الخاص كما ورد أن "الحج عرفة"، مع أنكم تعلمون أن الحج ليس فقط في عرفة، من ذهب إلى عرفة فقط ولم يطف بالبيت ولم يسع ولم يرم الجمرات ولم يذهب إلى مزدلفة ما صح حجه، لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الحج عرفة))، أي: هو أعظم أركان الحج، فكذلك الخباء الذي يوضع في المسجد للاعتكاف، وإلا فالاعتكاف عمومًا في المسجد، إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل قبل غروب الشمس ليلة الواحد والعشرين، أي: يوم العشرين، ويدخل معتكفه بعد صلاة الصبح في يوم الواحد والعشرين، بهذا نجمع بين الأدلة وينتهي الإشكال والحمد لله، هذا هو القول الراجح.



متى زمن الخروج؟

جمهور العلماء على أنه يستحب له أن لا يخرج من المسجد إلا لصلاة العيد، ولكن لو خرج بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فقد تم اعتكافه هذا بالإجماع حتى على قول الجمهور، لكن جمهور العلماء أخذًا من فعل السلف يقولون الأفضل أن يبقى إلى أن يخرج من مسجده إلى صلاة العيد ليَصِلَ عبادة بعبادة، وهكذا فعل جمهور من السلف ومع ذلك إن خرج بعد الغروب فلا حرج عليه.



شروط صحة الاعتكاف؟


سأذكر شروطًا متفقًا عليها وشروطًا راجحة وشروطًا مرجوحة.



أولاً: ركن الاعتكاف شيء واحد، بعض العلماء جعل الأركان أربعة أو خمسة، والصحيح أن ركن الاعتكاف ركن واحد، وهو اللبث في المسجد، أي: لزوم المسجد لطاعة الله جل وعلا، ولعبادته، وهذا الركن لا بد أن يدور معنا في كثير من الأحكام، وهو قاعدة مهمة تنفعنا في بيان أن من خرج عن هذا الركن فقد وقع إما في التقصير أو وقع في إبطال الاعتكاف، فنقول ركن الاعتكاف شيء واحد على القول الصحيح وهو: اللبث في المسجد.




ثانيًا: أمَّا شروط الاعتكاف المتَّفَق عليه، فأذكر الآن حسب ما لدي خمسة شروط: وهي (الإسلام، والعقل، والتمييز، والنيَّة، وأن يكون في مسجد). وشرط أن يكون في مسجد قد يقول قائل لا حاجة إليه هنا؛ لأنه ركن، لكن ذكره بعض العلماء من باب التأكيد حتى لا يجلس إنسان في مصلَّى في بيته أو في مصلى آخر ويقول اعتكفت.




أمَّا المختلف فيها والراجِح اشتِراطها فهي: الطهارة من الحيض والنِّفاس والجنابة، هذا شرط على الراجح، وأيضًا إذن السيد للرقيق، وإذن الزوج للزوجة هذه شروط راجحة.




ثالثًا: المختلف فيها وهي مرجوحة، فالصوم، أي: لا يصح الاعتكاف إلا بصوم، هذه أكثر مسائل الاعتكاف خلافًا، والراجح أنه يجوز الاعتكاف بدون صوم، واشتراط الصوم لا يوجد دليل صحيح صريح على اشتراطه، واستدل القائلون بعدم اشتراطه، بحديث عمر: ((إنني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام)) ومعروف أنَّ الليل ليس مكانًا للصيام استقلالاً، وإنما قد يكون تبعًا، كمن واصل الصيام، فما دام صح اعتكاف الليل، والليل ليس مكانًا للصيام استقلالاً دل ذلك على أنه لا يشترط الصوم في الاعتكاف.




مسألة اعتكاف المستحاضة:


المستحاضة اختلف العلماء: هل تعتكف؟

اختلف العلماء في هذه المسألة والصحيح جواز اعتكاف المستحاضة كما ثبت عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، تقول عائشة - رضي الله عنها -: اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الصفرة والحمرة فربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي؛ رواه البخاري، أي: حتى لا تلوث المسجد، إذن المستحاضة كما أنه يجوز لها الصلاة ويجوز لها الصيام ويجوز أن يقربها زوجها فكذلك يجوز لها أن تعتكف بشرط أن تتحفظ، حتى لا تؤذي و لا تلوث المسجد، ويلحق بالمستحاضة ما في معناها كمن به سلس البول والمذي والودي ومن به جرح يسيل، لكن يشترط لكل هؤلاء أن لا يلوثوا المسجد.



مكان الاعتكاف؟


ذكرنا أنَّ المسجد يعتبَر شرطًا لصحة الاعتكاف ولا يصح في غيره، بل قد حكي إجماعًا، قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وقال في المغني: لا نعلم في ذلك خلافًا، وقال ابن رشد: اتَّفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبَابَة فأجازه في كل مكان وهو قول ضعيف، لكن بالنسبة للرجل لا يصح أن يعتكف إلا في مسجد تقام فيه جماعة حتى لا تفوته الجماعة، إلا إن كان من أهل الأعذار، فإن كان من أهل الأعذار ممن لا تجب عليه صلاة الجماعة؛ فيجوز له أن يعتكف في المسجد وإن لم تقم فيه الجماعة، أما المرأة فشرط المسجد واجب أيضًا لكن يجوز لها أن تعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة.



هل يصح أن تعتكف المرأة في مسجد بيتها؟


الصحيح وهو قول جمهور العلماء أنه لا يجوز للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، أي: مصلى بيتها؛ فليس مكانًا للاعتكاف، إن استطاعت أن تعتكف في المسجد مع شرط أمن الفتنة فيجوز لها أن تعتكف، و إلا فهي في سَعة من أمرها، ولا تعتكف في مصلاها، هذا على القول الراجح؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لما استأذنه أزواجه أذن لهن بالاعتكاف، ولو كان يشرع بالبيت لدلهُنَّ على ذلك، كما دل على أنَّ صلاة المرأة في بيتها أفضل لها، فعدم بيان النبي صلى الله عليه وسلم مشروعية الاعتِكاف في البيت بل وإذنه للنساء بالاعتكاف في المسجد دليل على أن البيت ليس مكانًا للاعتِكاف، ولو كان مكانًا للاعتكاف كما كان مكانًا للصلاة، لدل عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه مسألة مهمَّة؛ لأنَّ بعض النساء كما بلغني تعتكف في مصلى بيتها فنقول: هذا غير صحيح، والقول في هذا ضعيف.



المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف؟


يصحّ الاعتكاف في المصلى الذي يصلّي فيه الناس، ويصحّ في سطح المسجد، ويصح في رحبة المسجد، ويصح في منارات المسجد، ويصح في الغُرَفِ المُلْحقة بالمسجد، وتعدّ داخل حوش المسجد، وتصحّ كذلك في مكتبة المسجد أو مستودع المسجد مادام داخل سور المسجد وملحق بالمسجد وليس منفصلاً عنه، فكل هذه يصح فيها الاعتكاف، ولا شكَّ أنَّ أفضلها هو في داخل المسجد إلا إن كان يَحول دون ذلك حائل، أو لا يَستطيع أن يعتكف الإنسان الاعتكاف الصحيح في داخل المسجد، وإلا فهو أفضلها خروجًا من الخلاف، وباقي الأماكن مشروعة مع أنَّ في بعضها خلافًا.



أفضل المساجد للاعتكاف؟

أفضلها المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى أسأل الله - جل وعلا - أن يحرره من اليهود، وأن يمكننا من الصلاة فيه محررًا مطهرًا من هؤلاء الأنجاس الأرجاس، فهذه أفضل المساجد ومرتبة حسب الترتيب كما ورد في الأحاديث الصحيحة في فضل هذه المساجد، ثم مسجد جامع ثم مسجد غير جامع أكثر جماعة، قال العلماء ثم ما لا يحوجه لكثرة الخروج أو طول الخروج كيف؟ لو أن بجانب بيتك مسجدًا وعدد الجماعة فيه قليل، وهناك مسجد يبعد عن بيتك كثيرًا، لكن الجماعة فيه كثيرة، هل تفضل المسجد الذي فيه جماعة كثيرة لكثرة الجماعة على المسجد الذي بجوار بيتك؟! قال العلماء: أفضل المساجد بعد المساجد الثلاثة وبعد المسجد الجامع، ما لايحوجك إلى كثرة الخروج أو طول الخروج، فإذا كان الذي بجانب بيتك ومنزلك، وإن كان أقل جماعة، وتحتاج أن تخرج من المسجد إما للأكل أو الشرب كما سيأتي أو للوضوء، فنقول: اعتكف في هذا المسجد الأقرب إلى بيتك؛ لأنه لا يحوجك إلى طول الخروج، ولا إلى كثرة الخروج؛ لأن أهلك يخدمونك، أما إن كنت لا تحتاج فالأفضل ما كان أكثر جماعة، وأفضلها مساجد الجمعة.



ماحكم الخروج من المسجد؟


الخروج من المسجد على ثلاثة أقسام:

1) نوع لا يحتاج إلى الاشتراط، حيث يشرع الخروج من المسجد وأنت معتكف ولا يقطع الاعتكاف و لايحتاج إلى اشتراط، ضبطه العلماء بقاعدة يسيرة جدًّا، قالوا: ما لا بد للإنسان منه شرعًا أو طبعًا، كالأكل أو الشرب وقضاء الحاجة والعلاج الذي يحتاج إليه حتى لو لم يشترط، وهذا ليس على سبيل الحصر فالقاعدة هي المهمة أما الأمثلة قد ترد أمثلة أخرى.



2) وقسم يجوز ولا يقطع الاعتكاف إذا اشترطه الإنسان فإن لم يشترطه وخرج بطل اعتكافه وانقطع الاعتكاف فيحتاج إلى أن يستأنف وذكر العلماء فيه قاعدة قالوا: كل قربة غير واجبة، فمثلاً زيارة المريض، واتباع جنازة، إن اشترطت فيجوز لك الخروج لعيادة المريض الفلاني أو أن تتبع جنازة، وإن لم تشترط فلا يَجوزُ لك الخروج على القول الرَّاجح، وينقطع الاعتكاف إلا إذا خرجت لغيره، ومررت مرورًا حيث يكون في طريقك كما كانتْ تفعل عائشة رضي الله عنها.




بقي سؤال لطيف، وهو: كيف أشترط أنه إن توفي فلان أحضر جنازته؟ والجواب: كأن تعرف إنسانًا في المستشفى والعلم عند الله، ولكن قد تكون هناك أمارات على حاله فتشترط، وأسهل من هذا أن تقول: أنا أعتكف وأشترط أنه إن توفي أحد ممن أريد أن أحضره فلا أسقط اعتكافي تعمم ولا تحدد شخصًا معينًا، في هذه الحالة يصح اعتكافك وتخرج إلى تلك الجنازة، فإن لم تشترط ينقطع الاعتكاف وتعود وتستأنف ولا شيء في ذلك إلا إذا كان اعتكافًا واجبًا.




3) ما لا يصح الاعتكاف معه سواء اشترطت أو لم تشترط قالوا وهو ما ينافي الاعتكاف كالبيع والشراء، يقول إنسان أنا اشترط أني أداوم في الوظيفة أو أشترط أني أبيع وأشتري هذا لا يجوز، أما طلب العلم أجازه بعض العلماء.




مبطلات الاعتكاف؟


أولاً: الجماع وهذا محل إجماع كما ذكر ابن المنذر، وابن حزم، وابن هُبيرة، ذكروا الإجماع في ذلك.



ثانيًا: مباشرة الزَّوجة والأَمَة بشهوة، فإن كان لغير شهوة لم يبطل اعتكافه باتِّفاق الأئمَّة لحديث عائشة في ترجيل شعر النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف.



ثالثًا: إنزال المني بالمباشرة أو تكرار النظر أو الاستمناء.



رابعًا: الحيض والنفاس.



خامسًا: ذهاب العقل بسبب شرب مسكر.



سادسًا: الردة.



سابعًا: قطع نيَّة الاعتكاف لا العزم على الخروج أو التردد فيه، وهذه تحتاج إلى توضيح، إذا قطعت نية الاعتكاف ولو أنت في المسجد بطل اعتكافك، لكن لو قلت سأخرج إن شاء الله بعد المغرب لكنك غيَّرت رأيك ولم تخرج هذا لا يبطل الاعتكاف، ينتبه لهذا الفرق بين المسألتين، أو ترددت: أخرج أو لا أخرج، هذا التردد لا يخرجك بناء على القاعدة (أن اليقين لا يزول بالشك)، أنت معتكف يقينًا فلا يزول إلا بيقين فإذا قطعت نية الاعتكاف، وقلت أنا الآن قطعت اعتكافي، ولو أنت في المسجد بطل اعتكافك، أما إذا قلت سأخرج بعد ساعة أو ساعتين وعزمت على ذلك لكنك لم تخرج غيرت هذه النية فلا يبطل اعتكافك، أو ترددت: هل أخرج أو لا أخرج؟ هذا التردد - قالوا - لا يبطل الاعتكاف.



ثامنًا: الموت لحديث: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)).



ولا يبطل الاعتكاف لا بالاحتلام، ولا الإنزال بسبب التفكر أحيانًا بعض الناس يفكر ومع التفكير يحتلم، فالصحيح أنه لا ينقطع اعتكافه؛ لأنه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، أيضًا الغيبة والنميمة مع إثمهما وعظيم جرمهما فلا يبطلان الاعتكاف، لكن تنقص من قدر الاعتكاف ويأثم صاحبها.




ذكر العلماء هذه القاعدة، وهي: يشترط لبطلان الاعتكاف أن يكون عالمًا ذاكرًا مختارًا، فإن كان جاهلاً أو ناسيًا أو مكرهًا لم يبطل اعتكافه؛ لأنه من باب التروك، وما كان من باب التروك يعذر فيه بالجهل والنسيان والإكراه بخلاف ماكان من باب الأوامر وأمكن تداركه.




قضاء الاعتكاف:


القول الراجح عدم وجوب قضاء الاعتكاف المسنون إذا قطعه لعذر أو لغير عذر، ولكن يستحب له ذلك لقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكافه عندما قطعه حيث قضاه في شوال، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وقال به جمهور من العلماء.



أما الواجب فيجب قضاؤه؛ لأن الذمة لم تبرأ بعد لو كان نذرًا ثم قطعه فنقول له: أعد الاعتكاف، وهنا مسألة دقيقة جدًّا، من نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة ثم اعتكف خمسة أيام وأبطل اعتكافه، هل يعيد العشرة؟ قضى خمسة أيام ثم أبطل اعتكافه، أي: خرج من المعتكَف، هل يعيد عشرة أيام أو خمسة أيام؟ ننظر إن كان أبطله لعذر مشروع فيعتد بخمسة الأيام، ومتى ما زال هذا العذر يرجع ويكمل الاعتكاف، أما إن كان أبطله لغير عذر مشروع فنقول عليه أن يعيد عشرة الأيام، أما لو قال أنا علي عشرة أيام، ولم يحددها، لم يقل: متتابعة، ولا غير متتابعة، فنقول كل يوم اعتكفه سقط من ذمته وبرئت به ذمته وعليه قضاء الباقي، واليوم الذي خرج فيه، ولم يكمله عليه بقضاؤه لأنه لم يكتمل.




السؤال الأخير في هذه الجزئية:


هل يقضي الولي عن موليه؟

لو أن رجلاً توفي والده وعليه نذر، هل يقضي عنه أو لا؟ جمهور العلماء قالوا: لا يقضي عنه لعدم الدليل، والإمام أحمد رحمه الله قال: يقضي عنه وليه إن كان نذرًا ويستحب له القضاء لا وجوبًا؛ لحديث ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه))، قال: والاعتكاف أقرب ما يكون إلى الصيام حيث يلحق بالصيام لا بالصلاة، وقول الإمام أحمد له وجاهته، وإن لم يفعل يطعم عن كل يوم مسكينًا أو أنه كما ذكر بعض العلماء عليه كفارة يمين؛ لأن كفارة النذر كفارة يمين كما ورد في الأحاديث الصحيحة.



الحكمة من الاعتكاف:


يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفًا على جمعيته على الله تعالى، ولَمِّ شعثه بإقباله بالكليَّة على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يُلمُّ إلا بالإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام وفضول الكلام وفضول المنام مما يزيده شعثًا ويشتته في كل وادٍ ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه أو يعوقه أو يوقفه اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصَّوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ويستفرغوا من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه ولا يضره ولا يقطعه عن المصالح العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولي عليه بدلها ويصير الهمُّ كله به والخطرات كلها بذكره والتَّفكُّر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه فيصير أنسُه بالله بدلاً من أنسِهِ بالخلق فيعده بذلك بأنسه به يوم الوحشة في القبور؛ حيث لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم).



بماذا يشتغل المعتكف؟


قاعدة ذكرها الشيخ عبد العزيز بن باز وأشار إليها ابن القيم رحمهما الله جميلة جدًا تبين لك هل أنت معتكف اعتكافًا صحيحًا أو أن اعتكافك دخله الخلل والنقص، قالوا أن روح الاعتكاف، (هو الاشتغال بالخالق عن المخلوقين).



فالمعتكف يشتغل بالذكر والدعاء والاستغفار والتوبة النصوح وفي قراءة القرآن والتدبر فيه وفي الصلاة والتفكر والتأمل والنظر في طريقه وسيره إلى الله والتفكر من أعظم مقاصد الاعتكاف، ونحن نعيش في منعطف خطير، وكثرةُ الأعمال وكثرةُ الأشغال وكثرةُ السير في الحياة - قد لا تعطي الإنسان فرصة ليعلم: هل هو يسير المسير الصحيح أو لا؟ تأمل الآن في واقع الشباب - بارك الله فيهم وفيكم وأصلحهم الله - حيث يقومون بأعمال لو جلسوا وتفكروا وتدبروا لعلموا خطأ الطريق الذي يسيرون فيه، يأتي الاعتكاف وتتفرغ من أمور الدنيا بل تتفرغ من بعض الأعمال ولو كانت في طاعة الله كالأعمال الدعوية وطلب العلم، لتخلو بنفسك وتخلو بربك وتتأمل وحدك: هل أنت سائر إلى الله كما ينبغي؟ هل طريقك صحيح؟ لو وقف الإنسان مع نفسه وخلا بذاته يتفكر ويتدبر بعيدًا عن مشاكل الحياة وتزاحم أمورها عليه بعيدًا عن قرنائه وأصدقائه بل بعيدًا عن الكلام في الأشخاص والمناهج والقدح في هذا والجرح في ذاك، لو وقف الإنسان وقفة تأمل وتدبر والتجأ إلى ربه ليهديه السبيل الأقوَم، لهداه الله سبحانه إلى الطريق الصحيح، طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، فالاعتكاف فرصة عظيمة لمن أداه على وجهه ليتدبر ويتفكر ويتأمل ومن ثم يمتليء بشحنة إيمانية عظيمة وزاد لمواصلة الطريق إلى الله لمواصلة حياته ودعوته بعزيمة وإخلاص وقوة، الأزمات الموجودة في الأمة الآن هل لها من خلاص؟ من منا يستطيع أن يصل إلى هذا الطريق؟ التفكير الذي يكون في خلوة الاعتكاف قد يدلك فعلاً على مخرج لهذا الواقع المر الذي تعيشه الأمة ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾ [سبأ: 46] كفار قريش لما لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم قالوا: وجدنا آباءنا على أمة؛ فماذا حدث ﴿ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23] دعاهم الله تعالى فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾ [سبأ: 46] ما هي هذه الواحدة يا رب؟ ﴿ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ﴾ [سبأ: 46] أن تقوموا لله مثنى وفرادى تتفكرون: هل ما عليه آباؤكم صحيح أو غير صحيح؟ فالله جل وعلا كما في هذه السورة العظيمة سورة سبأ يدلنا على مخرج من الأزمات، وفي سورة الأعراف ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ [الأعراف: 184] دعاهم الله إلى التفكر، وكذلك نحن الآن لا بد أن نتأكد أننا نسير السير الصحيح، فكل إنسان محاسَب عن عمله أمام الله سبحانه وتعالى، نعم نستفيد من علمائنا نقتدي بهم ونستفيد ممن سبقنا، لكن كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير من الناس أغلقوا عقولهم عند بعض العلماء، وعلى بعض طلاب العلم، بل سمعت بعضهم يأخذ من بعض صغار طلاب العلم ويترك الأخذ من كبارهم، ليست هناك عصمة لا لكبار طلاب العلم ولا لصغارهم، ولسنا مطالبين بتقديس فرد من الناس أبدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لا يجوز ذلك إنما نأخذ الحق ممن ما جاء به، الشيء الذي لا يقبل ولا يليق بالعاقل ولا بالداعية أن يغلق عقله عن كبار العلماء ودعاة الحق ولو أخطؤوا، ويفتح عقله وقلبه لصغار طلاب العلم وصغار الدعاة لا يليق هذا، استفد من هؤلاء صغارًا أو كبارًا خذ ما عندهم من الحق لكن لا تغلق عقلك عن الآخرين، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي هريرة لما جاء يخبره عن قصته مع الشيطان كان يسأله ما فعل ضيفك البارحة عندما كان يأخذ من التمر الذي كان يحرسه أبو هريرة رضي الله عنه، وآخر مرة قال الشيطان لأبي هريرة: ألا أدلك على كلمة تحرسك فدله على آية الكرسي فجاء يخبر النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم هل قال له: دعك من هذا الشيطان؟ أتأخذ كلام الشيطان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صدقك وهو كذوب))، مع أنه كذوب، وهو إبليس ومع ذلك أصبح حديث أبي هريرة في قصته مع الشيطان من أعظم الأدلة على فضل آية الكرسي وحمايتها للمسلم، سبحان الله كيف يريد بعضهم أن يغلق عقله ويغلق قلبه عن عالم من العلماء، يقول أحدهم: إن فلانًا يقول لا تذهبوا للشيخ فلان ولا للشيخ فلان وقعوا في بعض الأخطاء و الاجتهادات مع أنهم ليسوا مبتدعة ولا أصحاب أهواء، فكيف يحذر منهم؟ كيف نتيح لأحد من الناس كائنًا من كان أن يغلق عقولنا عن باب ويفتحها على أبواب، كيف تسمح، يا أخي، أن تغلق عقلك وقلبك ضد عالم وداعية وإمام من أهل السنة ولو أخطأ، وتفتحه لآخر قد يكون نكرة، بل كيف تغلق الأبواب وتقول اخرجوا من النوافذ، يغلق العقل عن علماء ودعاة أمة ويفتح لطلاب علم صغار، لم يتضلعوا بالعلم ولم تحنكهم التجربة، ولذلك تقع مصائب وكوارث ونحن نعيش هذه الأيام بعض المصائب وبعض الفتن أسأل الله أن ينجينا منها، فالخلوة والاعتكاف يعطيك فرصة للتفكر والتدبر، ستموت وحدك وتقبر وحدك وتبعث وحدك وتحاسب وحدك وتعبر الصراط وحدك.




مما يجب أن يشتغل به المعتكف المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، والمناجاة والرقي بالمستوى الإيماني، ومحاسبة النفس على تقصيرها، تهيئة النفس للقيام بواجب الدعوة والعلم والجهاد.




ماذا يحذر المعتكف؟


ترك الخلطة والابتعاد عنها إلا في الصلاة مع الناس وما لا بد منه، وتحقيق معنى الخلوة والاعتكاف، والتقليل من الطعام والشراب والأخذ بقدر الحاجة، بعض المعتكفين - هداهم الله - رأيت موائدهم كأنهم في مناسبة، نقلوا موائد البيت إلى المسجد ولا ينبغي لهم ذلك، بل رأيت بعض الشباب يعتكفون في المساجد وكأنهم في مركز صيفي، وهذا ليس اعتكافًا، وعليك التقليل من النوم وأن يكون بقدر الحاجة، وتقليل الكلام إلا فيما يعنيه، من حكمة الاعتكاف، واعتزال النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي تحتاجه الأمة يعتذر حتى عن أصحابه فلنا فيه قدوة فتترك الكلام إلا قدر الحاجة، وأخيرًا البُعد عن الهزل والضحك ومالا ينفعه.



سؤال في هذا الموضوع: هل تستطيع، يا أخي الكريم، أن تعيش هذه الأيام وأنت معتكف بدون أن ترتكب معصية؟ الجواب: نعم؛ لأنني أقول لك: هل يليق بك أن تعصي الله وأنت في بيته وفي رمضان بل في العشر الأواخر منه وأنت معتكف لايليق بك ذلك.




ثمرات الاعتكاف؟


ثمرات الاعتكاف عظيمة جدًّا، وهنا يأتي السؤال الذي سألته قبل قليل: لماذا نعتكف؟ لماذا ننقطع عن أهلنا ونترك بعض مشاغلنا؟



أحكام الاعتكاف. ماذا يحل؟ وماذا لا يحل؟ وماذا يبطل الاعتكاف إن لم تكن لها ثمرة فلا قيمة لها؟ أختصر وأقول: ثمرات الاعتكاف أو بعض ثمرات الاعتكاف من أهمها:


أولاً: الإخلاص والتعويد والتربية على الإخلاص؛ لأنك في معتكَفك لا يراك أحد إلا الله جل وعلا، فالإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأنت في معتكفك تصلي وتصوم وتذكر الله - جل وعلا - وتقرأ القرآن تربِّي نفسك على الإخلاص، وهذا كما تعلمون ركن من أركان كل عمل صالح ((من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)).



ثانيًا: التربية على التخلص من فضول الكلام والطعام والنوم والخلطة وتعويد النفس على ذلك.




ثالثًا: التربية على العبادة وخاصة قيام الليل وقراءة القرآن والاستغفار والذكر والمناجاة.




رابعًا: تقوية الصلة بالله تعالى واللجوء إليه ومناجاته.




خامسًا: التفكُّر والتعوُّد على الاستخدام الأمثل لنعمة العقل وخاصة في زمن الفتن والمحن.




سادسًا: ابن القيم يقول: (فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حيث لا أنيس له إلا ذاك)، أي: إن الاعتكاف يهيئك لوحدتك في القبر، ومن هذا المعنى أقول: كثير من الناس إذا ابتلي وفرض عليه الانفراد ضعف وانهار، والاعتكاف يعود المسلم على مواجهة الشدائد بل يصبح يتلذذ بذلك، وأعرف أناسًا فرض عليه الانفراد عدة سنوات فلم يهنوا ولم يخضعوا ولم يجبنوا، أسأل الله أن يثبتنا وإياهم، بل حرموا من الأهل والولد فلم يزدهم ذلك إلا قوة وثباتًا، الاعتكاف يعودك على الثبات وهناك أناس عندما فرض عليهم الانفراد وابتلوا عدة أيام ضعفت قواهم وفي هذه الحالة لا يحقق أهدافه التي يسعى إليها، لأن الإنسان مدني بطبعه كما يقول ابن خلدون يحب الناس يحب الخلطة يحب الاجتماع تعود على العيش مع والديه وزوجته وأبنائه وإخوانه وأصدقائه من الشباب وعلى جيرانه، فلما عزل عن الناس لم يستطيع أن يثبت، الاعتكاف يربيك على الثبات، وهو درس عظيم أسأل الله أن يحفظنا وإياكم وأن يجنبنا وإياكم الابتلاء، فالاعتكاف يعودك على هذا الأمر يصبح سهلاً عليك في أي موضع كنت وفي أي حال كنت.




فعود نفسك على قلة الطعام على قلة الأكل على قلة النوم على الانفراد عن الناس لأن غالب من يبتلى يصاب في هذا النوع، الحرمان تحرم من نوع من الطعام الحرمان من النوم أحيانًا الحرمان من الناس الحرمان من فضول الحاجات، الاعتكاف يربي عندك هذه الخصلة على الانفراد على الحرمان من أشياء كثيرة في حياتك لأنك قد تعودت على ذلك إذا اعتكفت الاعتكاف الصحيح.




سابعًا: من ثمرات الاعتكاف مراجعة النفس ومحاسبتها في أمور الدين والدنيا في أمور العبادة وغيرها، وليعوض جوانب التقصير في حياته، وخاصة في أمور العبادة كلنا الآن نشكو من التقصير في العبادة من قراءة القرآن ومن الصلاة وغيرها في الاعتكاف تعوض شيئًا من ذلك.




ثامنًا: التربية على الاستخدام الأمثل للوقت وعدم تضييع الثواني، فضلاً عن الدقائق والساعات أعرف بعض إخوانكم ممن يعتكف الدقيقة عنده تعادل ساعة في الأيام العادية، والساعة تعادل يومًا؛ لأنك وقتَها بين ذكر واستغفار وقراءة القرآن وتفكر والنظر في بعض مسائل العلم إن احتجت إليها فتصبح الدقيقة لها قيمة هذه حياتك، إذا كنت استطعت أن تجلس عشرة أيام استثمرتها هذا الاستمثار الأمثل فكذلك في بقية حياتك تتعود على الاستخدام الأمثل والاستثمار الأمثل للدقائق والثواني.




تاسعًا: من ثمرات الاعتكاف التربية الجادة والأخذ بعزائم الأمور.




عاشرًا: أحياء سنة عظيمة من أعظم السنن التي هجرها كثير من الناس، وهي سنة الاعتكاف.


قبل سنوات ما كان يعتكف إلا بعض كبار السِّن أما الآن فقد أحييت هذه السنة، وانتشر في المساجد إحياء هذه السنة، فإذا اعتكفت، يا أخي، فأنت تحيي سنة عظيمة كاد أن يهجرها كثير من الناس.



الحادي عشر: من ثمرات الاعتكاف ترك المعاصي أو التقليل منها.




الثاني عشر: وهو درس مهم وثمرة مهمة، وذلكم التربية على الصبر ومجاهدة النفس وعدم اتباع الهوى والشيطان، ونحن في هذه الأزمة التي تعيش فيها هذه الأمَّة نحتاج إلى التربية على الصبر، نحتاج إلى التربية على مجاهدة النفس، نحتاج إلى التربية على التخلي عن كثير من الأمور والعادات التي كسبناها ولا حاجة إليها، فالاعتكاف يربي فيك هذه الخصلة.




وهنا وقفة مهمة بعض الإخوان يقول: أنا لا أستطيع أن أعتكف العشر الأواخر، يا أخي الكريم، أعتكف خمس ليالي، وأعتكف على الأقل كل ليلة من ليالي الأوتار لعلها توافق ليلة القدر. اعتكف من ليلة السابع والعشرين إلى التاسع والعشرين على حسب طاقتك وظروفك، فهي أيام قليلة وتخرج بهذه الثمار بل أكثر من هذه الثمار؛ لأن ما ذكرته ليس على سبيل الحصر فربما تخرج بفوائد وثمرات لم يعرفها غيرك، ولذلك لو التقيت بالمعتكفين بعد انتهاء الاعتكاف وجلسوا يتدارسون: ماذا استفادوا من الاعتكاف؟ كل واحد يعطي فائدة قد لا يجدها الآخر، إما لظرف مر به أو بسبب عمله أو تجربته أو حياته يكتشفه مالا يكتشفه الآخرون، أعرف بعض كبار السن من سنوات طويلة قد تصل إلى عشرين أو ثلاثين سنة لم يتركوا الاعتكاف مرة واحدة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الاعتكاف حتى مات، منذ بدأه صلى الله عليه وسلم حتى مات إلا إذا كان خارج المدينة، بل السنة التي تركها في رمضان بسبب قضية أزواجه قضاه في شوال صلى الله عليه وسلم وصية ونصيحة: وأنصح بعض الشباب أن يتخلوا عن كثير من أنواع الاعتكاف التي أراها من تجمعات وحفلات ومطاعم وأحاديث بل غيبة ونميمة وهزل وضحك ويقولون نحن معتكفون، وكثير من مظاهر الاعتكاف رأيتها في الحرم وهو أفضل مكان يعتكف فيه ومع ذلك يفتقد إلى ضوابط الاعتكاف المشروع، ما تسمعه وما تراه من بعض الشباب - هداهم الله - ليس هو الاعتكاف، إذا اعتكف أحد منكم فليعتكف الاعتكاف الصحيح وإن وقع منه تقصير أو خطأ فليعد إلى الله سبحانه وتعالى ويلح عليه أن يتقبَّل منه هذا الاعتكاف.




ثم في آخر المطاف اسأل نفسك ماذا استفدت بماذا خرجت؟ وأنصح الواحد منكم أن يكون عنده قلم وورقة أي فكرة تأتيه في الاعتكاف يقيدها إياك إياك أن تقول أنا أحفظها لن أنساها. ساعات وتنساها أو بعد ما تتعدى الاعتكاف بأيام تنساها. كان الإمام البخاري، وهو في فراشه، فتأتيه الفكرة فيقوم فيوقد السراج فيكتب هذه الفكرة أو هذه الفائدة ثم يطفيء السراج فينام ثم تأتيه الفكرة فيقوم يوقد السراج فيسجل هذه الفكرة ثم ينام، أحيانًا يكرر هذا العمل عشرين مرة في الليلة الواحدة، أي فكرة سجَّلَها لا تقل: لا تنفع قد يأخذها واحد آخر ويطورها وينميها قد يكون في هذه الفكرة اليسيرة حل مشكلة من مشكلات الأمة الصعبة، فنصيحتي أن تجعل عندك دفترًا وأنت في معتكفك وسجل فقد تخرج بثروة لا تقدَّر بثمن، أولا ً تعود نفسك على ذلك في الدروس والمحاضرات، فعوِّدوا أنفسكم على ذلك.




ومن ثمرات الاعتكاف في العشر الأواخر الحرص على ليلة القدر كما ذكر العلماء؛ ولذلك اختارها النبي صلى الله عليه وسلم ونص على ذلك، فألحوا على الله واجتَهدوا بالدعاء لكم ولأسَرِكم ولعَوائلِكم ولإخوانكم المسلمين في مَشارق الأرض ومغاربها ولإخوانكم المأسورين الذين ينتظرون منكم الدُّعاء، ينتظرون منكم مناجاة تناجون ربكم أن يفكَّ أسرَهم، وأن يفرج كربتهم وأن يعيدهم إلى أهلهم غانمين سالمين، إخوانكم في فلسطين الآن ينتظرون دعاءَكم وينتظرون مواقفكم وينتظرون تبرُّعاتكم وزكَوَاتكم فألحوا على الله في هذه الأيام المباركة، يا أخي الكريم، ليلة واحدة أفضل من 83 سنة والله أعلم بمقدار هذه الخيرية، وهذه ليلة واحدة مضمونة لو واظبت على العشر الأواخر، بل قد تكون تسع ليالي مضمون لك موافقتها، إذا قمت إيمانًا واحتسابًا وصدقت مع الله، كيف نضيع هذه الفرص، ثلاث فرص جاءتنا في رمضان والمحروم مَن حُرِمَهَا، ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه))، ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه))، ((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه))، والخسران الذي تمر عليه كل هذه الفرص الثلاث ولا يغفر له، ثلاث فرص قد تحصل عليها جميعًا بإذن الله إذا صدقت ((إيمانًا واحتسابًا))، فاصدقوا مع الله وتوبوا إلى الله وعودوا إلى الله وجاهدوا أنفسكم.




أسألُ الله أن يتقبَّل مني ومنكم، وأن يوفقنا لليلة القدر، وأن يتقبل منا!







   رد مع اقتباس

قديم 20-05-2018, 12:34 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
^كــاتم أســرار^
المدير العام
 






^كــاتم أســرار^ غير متواجد حالياً

شكرا لك والله يعطيك العافية


كاتم أسرار






   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


جديد مواضيع قسم منتدى الفقه الاسلامي والفتاوي الدينية والاعجاز العلمي والصوتيات
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 03:19 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8, Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2
المقالات والمواد المنشورة في منتدى النرجس لاتُعبر بالضرورة عن رأي منتدى النرجس ويتحمل صاحب المشاركه كامل المسؤوليه عن اي مخالفه او انتهاك لحقوق الغير